الجمعة، 15 ديسمبر 2017

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

رشيد فيلالي

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد بن رابح في كتابه المثير للجدل “اللغة والسلطة في الجزائر. قصة صدمة لغوية “(1999، باريس).

و يمكن أن يدرج ما توصّل إليه الكاتب المذكور ضمن سلسلة من الأطروحات المُماثلة تتماشى كليّة مع ما تطرحه مجموعة من الكتّاب واللغويين، برز نشاطهم بقوة للعلن خلال السنوات الأخيرة.

ويمكن أن يشكّلوا في الوقت الراهن تيارًا فكريًا يعتبر من بين ربما أبرز أعلامه الدكتورة خولة الإبراهيمي والروائي أمين الزاوي والباحث محمد بن رابح والأستاذ دراجي ياسين، من مخبر علوم اللغة وتحليل الخطاب بجامعة قسنطينة، والذي ينشط عادة في  مجلة هذا المخبر(SLAAD)، كما نجد هذا التّيار ينشط بقوة في الإعلام الفرانكفوني على وجه الخصوص، وحتى في المنشورات الجامعية الأكاديمية على غرار المطبوعة التي أتينا على ذكرها الآن.

وأبرز الأفكار التي يُدافع عنها هذا التّيار، تتمثّل في كون اللغة العربية الفصحى لغة دخيلة على مجتمعنا، وهي غير صالحة للتّعامل والتواصل اليومي، وتعتبر لغة كلاسيكية مثقلة بكلّ ما هو ديني مقدّس، ولغة الجزائريين الفعلية هي العامية الدارجة (هل هناك عامية واحدة في الجزائر؟) واللغة الفرنسية، لغة الانفتاح الحضاري، أما الأمازيغية فهي لغة الجزائريين الأصلية وليست العربية الفصحى لغة الغزاة العرب، الذين فرضوها بالقوة على السّكان الأصليين!

طبعًا هذا التّيار الفكري لا يطرح إشكالية على نحو منهجي صارم وقابل للحوار والمناقشة الهادئة والموضوعية، رغم اعترافنا المسبق بوجود مشكلة لغوية في الجزائر تحتاج إلى قراءة عقلانية متأنية ورصينة، لكن ليس بالأفكار التي يتداولها التيار المذكور ويحاول التّرويج لها بمناسبة وبغير مناسبة، لأننا ببساطة لا نرى رأيهم الذي يشم فيه رائحة إيديولوجية متطرفة وغير بريئة، علمًا أنه من الصّعب إن لم يكن من المستحيل، إقناع شخص يؤمن حدّ النخاع بأفكار يرى فيها مصلحة مادية ووجودية، وبريستيجا اجتماعيا ساحرا تغذيه نزعة نخبوية ونرجسية متعالية، قال عنها فرانز فانون بأنها نتاج برجوازية أنانية هي أخطر من الاستعمار نفسه!

وفي هذا السياق، أتساءل شخصيًا: لماذا يعتبر كاتب مثل محمد بن رابح التعريب استعمارًا جديدًا في كتابه المذكور؟ ويوظّف أفكارا يستطيع أن يجد الإجابة عنها لو كان صادقا فيما ذهب إليه، في المحيط نفسه الذي ألف فيه كتابه أقصد فرنسا، التي يستمد منها الأمثلة تلو الأمثلة ويحاول مستميتا أن يقنع قارئه بها؟

وإذا كان الأستاذ بن رابح ألفّ كتابه في جوّ من السّهو المفترض سنذكره هو ومن حذا حذوه ونتمنى من صميم القلب أن يطبقوا ويمارسوا “سلطتهم المعرفية” على الحالة الفرنسية أيضًا، إذا كانوا مفكرين أحرارًا وديمقراطيين فعلا مثلما يزعمون..

وبداية أشكّ لو أن الأستاذ بن رابح وهو الملم والمطلع بعمق على الثقافة الفرنسية لا يعلم بأنه عند اندلاع الثورة الفرنسية كان عدد الذين يتكلمون الفرنسية 3 ملايين نسمة من مجموع سكان فرنسا البالغ آنذاك 27 مليون نسمة، أي أن 24 مليون نسمة من الفرنسيين كان يجهل اللغة الفرنسية ويعتبرها لغة أجنبية!

وطبعا مع مرور الوقت تمّ فرض اللغة الفرنسية لهجة سكان باريس بالقوة عليهم إلى أن تخلى الكثير منهم عن لغته الأصلية، التي ماتت أو هي تحتضر الآن أو على الأقل مازالت تمارس وجودها باحتشام وخجل، ويتم تعليمها من باب الحفاظ على موروث ثقافي وليس باعتبارها لغة تمثل هوية معينة، إلى درجة أن وزير التربية والبحث والتكنولوجيا كلود أليغر، في عهد ليونيل جوسبان صرح عام 2001 بالقول حرفيا: “فرنسا بحاجة لصناعة علماء في البرمجيات يتكلّمون الإنجليزية ونحن سنصنع رعاة يتكلّمون البروتانية والأوكسيتانية”.

ومعروف عن السّيد كلود أليغر أنه رجل علم قبل أن يكون رجل سياسة، وبالتّالي فهو يعرف جيدًا ما يقول ولا يخلط بين الاثنين!

ويبقى التعدد اللغوي رافدًا ثقافيًا ثريًا جدًا صحيح، لكنه مصدر صراعات وفتن لها أول وليس لها آخر، ليس في فرنسا فحسب بل في العالم أجمع.

مثلا، يكاد يجمع المتتبعون للشأن الأوروبي على أن هناك معضلة حقيقية يُعاني منها الآن الاتحاد سببها”الترجمة”. صحيح أن الترجمة هي لغة أوروبا كما قال أمبيرتو إيكو، وصحيح أيضًا أن الاتحاد الأوروبي يعترف بـ23 لغة رسمية كلّها تعامل على قدم المساواة، لكن هذا الاعتراف الذي لا يخلو من نزعة “مثالية” صار اليوم مكلفًا جدًا، على سبيل المثال كلفت الترجمة من الـ23 لغة (أي 500 صيغة من لغة إلى أخرى من لغات الاتحاد) عام 2011 ما لا يقل عن 120 مليار أورو! وهو مبلغ هائل إلى درجة أن الاتحاد يفكر الآن في استعمال لغة “الإسبيرانتو” وهي لغة كان قد ابتكرها لغوي بولوني هو الدكتور زامنهوف لتكون لغة لسان كل البشر في العالم.

علما بأن الإنجليزية الآن تقوم بهذه المهمة نسبيًا، والتي عادت بالفائدة على البريطانيين على حساب غيرهم من الأوروبيين وغيرهم، إلى درجة تحقيق مداخيل من اللغة الإنجليزية من عدم تعلّم لغات أجنبية تتراوح ما بين 10 إلى 17 مليار أورو!

ثم ألم يُصرّح رئيس المجلس الثقافي البريطاني في تقرير للمجلس أعد عام 1983 بالقول أن مداخيل بريطانيا من اللغة الإنجليزية أفضل من مداخيل بترول بحر الشّمال، ولا تزال هذه المقول الشهيرة شعارًا للسياسيين البريطانيين لا يستغنون عنه مطلقا.

هل صحيح أن اللغة العربية الفصحى لغة دخيلة؟

إذا لنكن واقعيين، هل من المعقول إذا اتبعنا رأي الديمقراطيين ودعاة المساواة في طروحاتهم المثالية غير المعقولة أن الدول الـ 59 في إفريقيا تعترف رسميا بـ2011 لغة المستعملة في هذه القارة، وكذلك الشأن بالنسبة لـ2165 لغة في آسيا و440 لغة في أوروبا وهكذا دواليك، أم أن كل “قبيلة” تريد أن يعترف بلغتها رسميا باسم الديمقراطية والعدل والمساواة وليذهب البقية إلى الجحيم!

وأحبّ أن أسوق في هذا المجال قصّة حقيقية تدور حول محور الإشكالية التي أراد الأستاذ بن رابح وفريقه الزجّ بنا فيها، وذلك بقصد استخلاص الدروس والعبر وأخذ النموذج الأمثل في مقاربة المشكلة اللغوية في الجزائر، وتفاصيل القصّة كما يلي:

في مقاطعة تيسان أو( تيتشينو بالإيطالية) في سويسرا، قرر والدا طفلة تدعى آنا والتي تعتبر لغتها الأم الإيطالية، إدخالها لمدرسة خاصة أمريكية تدرس باللغة الإنجليزية وتقع بنفس المقاطعة، علما بأن الطفلة آنا تبلغ من العمر ستّ سنوات، أي العمر الذي تصبح فيه الدراسة إجبارية، وطبعًا من شروط دخول المدرسة الأمريكية الحصول على موافقة من السلطات التربوية الخاصة لمقاطعتها، لكن هذه السلطات رفضت منحها الموافقة، فقرر الوالدان اللجوء إلى العدالة بمحكمة المقاطعة ثم المحكمة الفدرالية، لكن الطّعن في القرار رفض، وكانت حجّة القضاة الذين فصلوا في هذه القضية أن مقاطعة تيسان (تيتشينو) لها الحقّ القانوني في الدفاع عن مبدأ الحدود الإقليمية للغتها..

ولو أننا أخذنا حظّنا من الفهم على ضوء المغزى الذي يستنتج من هذه القصة المثيرة وطرحنا الإشكال نفسه على أنفسنا: هل احترمنا نحن في الجزائر السيادة الإقليمية للغتنا العربية (والأمازيغية) حيال النفوذ المطلق للفرنسية في بلادنا؟ أبدًا!

ولنعيد الآن طرح السّؤال الغريب مرّة أخرى:

هل يعتبر التعريب استعمارا جديدا في الجزائر؟ طبعا على ضوء ما ذكرنا أعلاه يصبح مثل هذا النوع من الأسئلة عبثيا ومتحاملا إن لم نقل شيئا آخر، لأن الذي لا يعترف باللغة العربية وقيمتها التاريخية والحضارية والعلمية، وهي اللغة العالمية المعترف بها في أعظم وأكبر وأهم المؤسسات العالمية، وبعد مضي قرون من الوجود في الجزائر حتى صارت جزءا لا يتجزأ من هوية هذا الوطني، من لا يريد أن يعترف بهذا الواقع فهو مريض بالوهم ولا نملك له سوى الدعاء بالشفاء.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

الأناشيد الوطنية.. حقائق وأسرار غريبة!

كلّ نشيد وطني لأي بلد هو في الأصل قصيدة حماسية تعبّر عن انتماء وهوية قومية. …