الأحد، 16 يونيو 2019

فصل من رواية “المذيع العاقّ” لجلال حيدر

جلال حيدر

جلال حيدر (من مواليد 1989 بخنشلة)، كاتب وشاعر. ستصدر، الشّهر القادم، باكورته الرّوائية، بعنوان “المذيع العاقّ”(منشورات القرن الواحد والعشرين، الجزائر). هي رواية تنتصر للمهمشين، للمغيّبين من الذّاكرة، تسرد يوميات شباب مشتّت، تائه، يُحاول أن يتحايل على واقعه ليُسمع صوته. هنا مقتطف منها:

“أصبحتُ حمّالاً معروفاً في بوحمامة، أشتري بتلك النّقود، كيسَ العرعار، والكيف. غادر الدراجي نحو الجامعة، سارة أيضاً نجحت، لم أعد أراهما، حتى في نهاية الأسبوع، ثالة مقفرة، دادّة ينتحبُ في غرفته في الكوخ، أصبح شوكة في ظهر العالية، سعاله يقلقهما، لم تمض ليلة منذ زواجه، دون جماع، جسده تضاءل بشكل مخيف، لقد ابتلعه فرجها الكبير حقًا.

تصفر العالية كطنجرة على النّار:

– اعتدل أيّها الخبيث.

تحمّم دادّة في الفناء، جردته من ملابسه، وألقت به في البانيو، يشبه صوصاً دون زغب، يتدلّى قضيبه وخصيتيه بين ساقيه المثنيتين، كساقي ذبابة، ما أبشعَ منظره، لم يتبقى فيه غير العظام، عندما كنت أشاهده بذلكَ السروال الفضفاض، ظننت أن قضيبي سيصبح بتلك العظمة، وسأتنازل عن الجينز، مقابل سروال ينصف هذه الحيّة، التي تكبر بشكل مقلق.

توارت العالية بعد أن مسحت جسده، وألبسته ثياباً أخرى، تركته في العتبة، يتلوّى أمام أشعّة الشّمس كثعبان، أصبحت أحفل بهم عندما يتهالكون أمامي كالجراء الجائعة.

اقتربتُ منه لأعكّر صمته.

– تسكتُ على هذه المومس وهي تشتمك؟

لقد أصبحَ الوغد أكثر حكمة:

– تصوّر أنّها لا توجد في هذا الكوخ؟

– نقودك يا دادّة تستأجر لك خادمة، تدهنك بزيت الزيتون، وتمسحك بالقطن، أنت مجاهد أم نسيت!

يبتسم ربما لأنه سعيد أن شخصاً مازال يذكر جهاده.

لم أعد انتظر لقاء والدي، أصل في الصّباح إلى الكوخ، أفتح الزريبة، وأمضي للرعي. احترسوا، ففي المساء، بإمكان مدينة كاملة أن تختنق، في اللحظة التي أنزع فيها حذائي المطاطي، أعود للقرية، أفتح البابَ وأغتسل، (الزّانيّات يا بني لايحتملن الرائحة العفنة)، أمشّطُ شعري للخلف، أضع له الجال ليتماسك، أضع العطر على حواف أذني، أسناني ناصعة، أمضغ حلوى الفلييّو، كي تكون رائحة أنفاسي شيّقة، هاه أظافري قصيرة، وذقني حليق، ماذا تريدين أكثر من هذا يا بنت القحبة؟!

أقفُ عند العتبة كلصّ، ظهري مسندٌ إلى الحائط، أرقبُ نوافذ البيوت، لعلّ أحدهم يتلصّص عليّ، أرمي حصاة إلى الباب، الشبيه بأبواب الحكومة، حصاة ثانيّة، تفتح سعديّة، أعبر الزقاق كشبح، على أصابع قدماي، دون جلبة، أحضن هذه الملتهبة، نداهم مخدعها، عيناها الواسعتان المحشوتان بالكحل، تقتلانني، تقتلانني، وهي تجذبني إليها برجليها، نبقى لبعض الوقت هادئين، ممدّدين على السّرير، أذني على سرّتها، أسمع البدايات، وتنهض عارية، تجذبني من يدي إلى المطبخ، ننهال على العشاء. أهمسُ لها وأنا أخرج:
– أنت نيّاكة ماهرة، وطبّاخة جيدة.

تمسكني من يدي، تطبع قبلة على شفتي، حتى أشعر بلسانها الصّغير، المحمّر من السّواك، يختلج فمي، أعبر بسرعة إلى الجهة الأخرى، أترقّب من جديد، ثم افتح الباب، أستلقي في غرفتي، وقد نسيتُ كلّ الهموم، إنها بركاتُ ابّا قدّور.

ذاتَ يوم سيكون ابني أخاً لكَ يا الدراجي.

التقيت محمود بعد أسبوع من غيّابه، واتفقنا أن نذهبَ الليلة لتهريب الأرز، مع السّعدي، نكسب بعض النّقود، نسكر بها في حمام الصّالحين، بار بودماغ، الفتيات بالميني، والصدور العارية، يثملنَ مع القرويين، الذينَ يركلون الزجاجات، جنبَ أشجار الصنوبر، عندما ينتشون من القصبة، التي تخرجُ من البار، مع دخان العرعار، وشتائم القحاب.

شربتُ “ليمونادة” في هذا المقهى المتّسخ، ومحمود شربَ الشّاي، نظره منصب على دراجة قالمة الزرقاء، التي يتجول بها في أزقة بوحمامة، بحثاً عن زوجة تخرج منه الخل، يكبرني بسنوات، لكن قامته صغيرة، منكوح صديقي على لبس الجينز، وقطع أشجار الأرز، وشتم السعدي:

– أين هو ذلك العطّاي اليوم؟

– لابدّ أنه في بوحمامة يحترق تحت الشمس.

يضحك ويردف:

– يحترق الأبله وعندما يعود يخبرنا أنه تعرفَ على أجمل فتاة في الشّرق.

– إنه رومنسي مثل فريد الأطرش.

– من أين خرجت له الرومنسية يا العلمي؟ ألم تره كيف يصبح كفتاة ظريفة في البار.

– الحشمة تقطعه هناك.

– ليست حشمة، هو يصلح للتهريب فقط يا العلمي، يفرحك عندما يكون في الغابة.

– حتى هيئته توحي بالغموض. ألف مرّة قلت له لاتلبس ذلك المعطف الأخضر عندما نذهب إلى البار.

– أنت لا تعرفه جيدًا، لن ينزع ذلك المعطف حتى يتمزّق نهائيا.

– وهناك نقطة ما دمنا وضعناه على الطاولة، لماذا لا يدخل معنا إلى الحمام ليغتسل؟

يطلق صفيراً يجعل الباهي يلقي نظرة إلينا من الكونتوار الخشبي:

– أنت مريض، ذلك الشّخص لم يضع المياه على ظهره منذ وُلد، مازالت عليه حموضة الولادة، اللهم إذا صادفته الأمطار في الطّريق.

– إذا يوم يقرر الزواج يتحتم علينا أن نحفر طبقة الأوساخ بالفؤوس.

– شوف يا العلمي، حبيبنا فيه شيء جيّد، إذا طرقت عليه الباب في منتصف الليل، عندما يتبول الناس تحت سراويلهم، وتخبره أنك تريد الذّهاب للجحيم، لن يلتفت خلفه ليلبس سترته، لأنه ينام أصلا بحذائه، سيضع المفاتيح في المازدا وينطلق، يمكن أن تعينه بدفعها قليلا في البداية، ثم تجد نفسك قرب شبح يضغط على الدواسات، لتصل في وقت جيد، لهذا أحبّ أن نهرّب معه الأرز.

– لاحظت ذلك، ما إن نطلبَ منه الذهاب إلى البار يسبقنا إلى المازدا، لكن هذا النوع من الأشخاص مخيف، يبدو غامضاً وبلا ذوق محدّد.

– ياولدي هذا مقبرة أسرار، لديه جميع ملفات أولاد القحاب هنا.

– أتسمع هدير المازدا؟

– أجل يمكن أن يكون احد الخضارين.

– لالا! هذا هديرها يمكنني معرفته من عشرات المحركات المشتغلة.

ماهي إلا لحظات، حتى دخلَ بكأس كبير كدلو، ليرد القهوة، هذا الشّخص الأشقر، سيارته تشتغل بالبنزين، وهو يشتغل بالقهوة، يضع أثقاله حتى تسمع لعنات الكرسي، يبادره محمود، الذي يُداعب كأسَ الشّاي بين يديه، ومرفقاه مسندان إلى الطّاولة، حتى بدا كتفاه عاليان، بينما شاربه القصير يتمدد مع ابتسامته:

– يرحم والديك، أين كنت ضائعًا أيها النذل؟

– اااااه يا محمود يا صاحبي، من أين أبدأ لك هذه القصة الطويلة..

يقاطعه صارماً:

  • لا تبدأ يرحم والديك، أعرف بطولاتك، لاشكّ أنك التقيت بفتاة مدوخة.

ينشب السّعدي عينيه المخيفتين، في محمود، تنكمشُ جبهته الصّغيرة، حتى يلتقي شعره الشّائك بحواجبه المتورّدة، ينكمش وجهه البشع كليًا، حينَ يريد أن يكونَ جدياً، وهو يضع مرفقيه على الطّاولة، مديراً جسده إلينا، حتى تشعر أنه سيخبرك بشيء عظيم:

– مدوّخة وسكتت يا محمود؟

لقد أثر بجديّته على محمود وصدقه:

– تكلّم إذًا ياعطّاي! أنت تخونني وتذهب وحدك!

يشعر بالانتشاء لانتصار كذبته الألف على محمود:

– تحب أن أحكي لك عنها لتلتقطها غدًا أيّها الكلب.

– أعرفك أكبر كذاب في أفريقيا.

– كذّاب أختك يا طحّان.

أتدخل لأرتبَ الأمور:

– احك يا السعدي، يبدو أنك سقطت في منبع الزّين اليوم وذقت الحلاوة والطراوة وجهك يخبرني بذلك، اسكت أنت يا محمود، دعه يحكي، تغار منه أظن!

– أغار من بغل لا يعرف حتى مغازلة النّساء!

صوتُ السعدي ضخم، شتائمه تصل الباهي الذي يتقزز خلفَ الكونتوار لكنه يصبر علينا لأن السّعدي وحده يشرب حق عشرين مدمنا على القهوة، يردف:

– أنا لا أغازل، بل أفعل مباشرة.

أتدخل من جديد لتلطيف الأمر:

– دعنا من هذا الحديث، لنتكلم في العمل، أين سنذهب الليلة؟

يعتدل محمود ويخفض صوته وهو يقترب منا:

– الليلة نهرّب شحنة حطب الأرز الى آريس.

يُقاطعه السعدي:

– لن أجازفَ مرّة أخرى، سيارتي ليست جيّدة، عجلاتها مهترئة، وسمعت جلبة غريبة في المحرك، أظنّها بحاجة إلى زيارة للميكانيكي، وأنا تحملني من قدمي وتمخضني، لن تسقط قطعة نقدية.

– إذا مشكلتك مع النقود. سهل!

– لا يا محمود ليست مشكلة نقود فقط، مللت من المجازفة، إذا لم يمسكنا الحارس، يقودنا الجادارمية للمخفر، وإذا غاب الإثنان، يحضر الإرهاب.

– تخاف يا ولد القحبة.

– تعرفني لا أخاف يا كبول، أنا لا أريد التورّط من جديد، الفتاة التي التقيتها اليوم، لا أريدها أن تبكي من خبر مقتلي، أو زجي في السّجن.

– تريد منّا أن نصدق وجود فتاة تبكي على سحنتك أيها القذر.

عندما يئستُ من تلطيف الجو قررت أن أشحنه:

– تعلّمت التهرّب يا السعدي؟

– أعرف أنكم وضعتموني على الطّاولة قبل وصولي، أترككم لتكملوا تقطيعي.

– انتظر ايها الأبله.

انصرفَ الملعون ولم يأخذ القهوة، شاهدناه يُصافح مهربين آخرين، ركبوا وضغط على الدواسة، صرخ المحرك، أطلقَ صرخة تشتمنا.

غلاف الرّواية

– أرأيت يا العلمي! أرأيت كيف باعنا الطّحان؟

– قلت لك ان هذا النوع من الأشخاص مخيف.

– لم يكن يعرف شيئا غير الجلوس في الشمس عند أسوار المدارس وعندما فتحنا له عينيه رمى علينا الرماد.

– كان خطأنا.

– سأتدبر الأمر حتى وان اضطررنا لشراء سيارة معا.

– أنا لا امتلك المال لشراء الكيف يا محمود كيف لي أن اشتري سيارة؟ أحيانا لا أفهمك! تندفع بأفكار مهولة.

– جدك لديه دفتر المجاهدين وتنقصك النقود!

– جدي يهدرها في شراء التبن والأعلاف للغنم ولا يشتري سترة جديدة لنفسه تريده أن يعطيني النقود؟ أنا ابتعدت عنهم يا محمود، ولم اعد أكثر الجلوس معهم، كي لا أصاب بالإحباط.

– لو كنت في مكانك لأخذت منه بالقوة.

– لا تنفع القوة معه يا محمود، سيطلق عليّ البارود، وتبقى أعصابه باردة، كأنه قتل فأرا.

– هؤلاء الشيوخ أبناء قحبة، لا ينفع معهم شيء.

– تدبّر انت الأمر إذا كنت تستطيع شرائها لوحدك.

– لا تكفي نقودي لشرائها، لكن سأبحث عن شخص آخر.

– المهم أن لايكون مثل السعدي.

– اسمع يا العلمي ما رأيك أن نسهر اليوم في دوفانة؟

– انا بحاجة إلى سكرة وسهرة ماجنة يا محمود لكن الجيب يصفر هذه الأيام.

– انت مثل نانّة يا العلمي، لا تسمع في فمها غير كلمة (ولّيش/ لا امتلك شيئا).

– ماذا افعل، اضرب السماء بالحجارة؟

– تدبر أمورك، اسرق، انهب، المهم أن لا تبقى مكتوفَ اليدين أمام نزواتك.

– وهل هذا مكان يسرق فيه الناس؟

– القوادة والطحين لكن لدي فكرة جيدة.

– هات!

– نذهب إلى خنشلة ونسرق هناك في الأسواق.

– تعرف أن حظّي مثل البغل، بمجرد أن نمسك أحدهم ونسرق نقوده، يمر شخص يعرفنا ويبلغ بنا، انس هذه الحكاية، هل من منبع قحاب جديد؟

– أنا متورط مع الهجالة، حكيت لك عنها، لا تشبع الحلوفة، أخاف ان تأتي لتطلبني من المقهى.

– لكنها مترهلة وعجوز.

– حين تجرب نكهة العجائز سترفع لي القبعة.

– لا أظن أنها أحسن من المتزوجات، لديهن نكهة قاتلة.

– لا! أنا لا أخالط المتزوجات، هذا حرام.

– تعرف الحرام يا كلب، حين تجربهن ستقبل رأسي.

– لن اجربهن هذا حرام.

– لكن الحرام لذيذ؟

– أنت ابن قحبة في ثوب ملاك، من لايعرفك يصلي خلفك مباشرة، إذا رفعت الصلاة في الزقاق.

-اتركنا من ترهاتك، حدثني عن ملوكة.

– اسمع احترم نفسك، تلك زوجة صديقي، ولا أسمح لك بالحديث عنها.

– زوجة صديقنا كلنا لكنها جميلة وممتلئة وصديقنا محظوظ هذا ما أردت قوله.

– أجل محظوظ ابن الحرام.

– وفوزيّة سمعتُ خبراً أنها عشيقة المكّي؟

– يارجل أنت مهبول، هذه متزوّجة منذ سنة فقط، كيف تفعل هذا؟ ومع من؟ مع ذلك الضّفدع الحقير؟

– تعال اخبرك، لكن تموت هذه الأخبار بيننا، اتفقنا؟

– ماتت.

– زوجها عاجز ولم يخبرها بذلك قبل زواجهما وهي تنتقم منه بمواعدة المكّي.

– أنت مهبول وحق سيدي عبد الواحد، من أين لك هذه التخاريف؟ كيف سيخبرها؟

– لا أعرف لكن هذا ما سمعته.

– من أين تصلك هذه الأخبار؟

– النساء يا محمود النساء يخبرن عشّاقهن بهذه الأخبار.

– النساء يخبرنك بهذه الأخبر، وما فائدتهن؟

– اسمع أنت أكبر منّي، لكن أخرق، ولا تعرف أين تضع قدمك، النّساء المتزوّجات عندما يواعدنك، يفعلن شيئا يحتقره النّاس، يشجعن الأخريات على فعل ذلك، كي لا يجابهن المجتمع لوحدهن، إذا عمّت خفّت يا رأس البطيخة البيضاء.

– أنت ولد قحبة.

– لا تشتمني كي لا أواعد زوجتك في الليلة نفسها التي تتهيأ فيها للدخول عليها.

يضحك الملعون ربما لأنه خائف، هذا الشخص رغم أنه يحبّ إظهار نفسه عارفاً، وجديا، إلا أن سرواله مبلل بالخوف دائمًا، المهم أنه ليس خائناً، ولايفشي كلامي لأحد، لكن في اللحظة التي أردت فيها المغادرة، أمسكني من ذراعي، قربَ دراجته:

– هل ما قلته عن فوزيّة صحيح؟

– لماذا؟

– لقد كنت أحبها قبل أن تتزوّج.

– أنت أحببت البنات كلهن قبل أن يتزوجن.

غادرت وتركته حائراً، ربما يفكرُ في إيجاد فرصة للنّوم معها، لن يجرؤ حتى يلقنه ابا قدّور الطريقة السّحرية لفك عقدة المتزوجات”.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …