الجمعة، 15 ديسمبر 2017

من اللاّضية إلى الدّمى الجنسية

عيسى قارف

هل كان يعتقد السيد “لاض” أن ثورته، التي بدأها ضدّ الآلة سنة 1811، ستنتهي إلى قصّة حبّ عميقة بين الإنسان والروبوت في أيامنا، وأنه ربما خسر حياته سدى؟!

بالطّبع شكّلت الآلة منذ العصر الحجري إلى النّبي داود إلى أيامنا تحديًا غريبًا في السلم والحرب، حيث تقتل وتمنح الحياة وتبني وتهدم، وفي كلّ الحالات وراءها البشر، لكن أكثر الناس سعة خيال لم تدر في باله أن تصبح معشوقته!

كما لن يصدقني أحد – الآن – لو افترضت أن جماعة إرهابية أخذت رهائن تبيّن لاحقًا أنهم مجرد جنود روبوت  كانوا يقومون بدورية في صحراء أفريقيا، أو أن إحدى السيدات تقدّمت في ألمانيا بشكوى تتضمّن تعرّض دميتها الخادمة الروبوت للاغتصاب من مهاجر، أو أن الحارس الذي تصدّى للصوص البنك تمكنت كاميرا عينيه من تصوير المعتدين!

إنها أخبار قد تتداولها وكالات أنباء حين لا أكون موجودا، وستقوم “حركة لاضية” جديدة من نساء ورجال ضدّ تغول الآلة، أما مفهوم الخونة فقد يعني أولائك الذين يحبّون الدّمى الجنسية ويسهرون معها إلى الصّبح، تاركين نساءً من لحم ودم يتأوهن في الأسرة، ويخاطبن رجالا آليين لا يثيرونهن إلى الحدّ الذي تحبه امرأة رومنسية بطبعها..

لا يمكنك يومذاك الوثوق حتى في نفسك، وعليك تفحّص عصافيرك التي اشتريتها، وجسّها جيّدًا وهي تطلق العنان لحركتها وأصواتها في القفص، بل لا يمكنك أن تثق في عصافير السّماء اليوم قبل غد، ولا أن تتحدّث في الخلاء أو تتعرى، سيختلف معنى حريّتك الشخصية تمامًا إلى الحدّ الذي يحصرها بالكاد في جدران غرفتك، وقد لا يأمن الجيل الذي يليك إن تقدّم أحدهم لخطبة فتاة من أهلها، فقد يتخذ التحايل بدوره مسارًا مذهلا!

غير أن الأخبار ليست كلّها سيّئة، فمفهوم العدالة الاجتماعية سيجهز لك على مقاسك روبوتات أقلّ كلفة، حتى أن دميتك الخادمة ستغار من دمية جارك، وتصف لباسها ومشيتها وربما تبكي! وسيكون لمحدودي الدّخل أن يقتنوا ماسح أحذية مبرمج، بدل أولئك الذين يلبسون الأحذية ذات التغير الذاتي..

في عالمنا العربي – وعلى ما أرى واسمع – فكلّ ما سيختلف هو المفهوم الكلاسيكي للفحولة، إذ سيصبح الحديث عن حبات الفياجرا، كالحديث عن الديناصورات المنقرضة، فلا أحد يراها إلا في المتاحف! وما يؤسف له حقا – يومذاك – هو مصير المرأة العربية، أقصد قليلة الحظّ التي لا يمكنها السّفر بعيدًا، فلولا ما قد يتبقّى من الديانات السماوية، فإن مسألة جوهرية كالإنجاب تصبح آخر الاهتمامات حتى أن رؤية طفل في الشّارع هي مناسبة لطيفة وعميقة، وكمن يبحث عن القمل في رأس سويدي سيكون البحث عن لعبة جماعية!

وفي المدارس شبه الفارغة ستكون الفرصة الوحيدة لاجتماع أكثر من اثنين أمام روبوت المعرفة، وعلى هذا فإن وجود شركات موانع الحمل في كتب التّاريخ القديم يمكن إدراجها ضمن مقررات الدراسة للطور الثانوي بجانب علوم الوراثة وبعض الأمراض البائدة كالإيدز.

لكن،

في هذا المساء، هنالك فسحة أمل حقيقية.. عليك أن تمشي حافيا في البرية وتقهقه عاليا مليئا بالعافية، أن تضم أطفالك وتشمّ رائحة عرقهم، وتحكي لهم قصّة قبل النوم، أن تسبر فرحهم بهدايا يحبّونها وترى تلك النّظرة والابتسامة المتفاجئة على وجوههم الصافية، عليك أيضًا أن تقبّل زوجتك وتضمّها إلى صدرك كمن أزمع سفرًا قريبًا، أن تشعرها بوجودك كإنسان لا كآلة حاصدة!

عليك أن تُسارع في استئناس الوحش داخلك، وتلمس إنسانيتك من الآن، عليك اكتشاف عوالمك الحقيقية قبل أن تزول إلى الأبد.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هل يصحّ للرّوائيّ أن يكون ناقدًا في نفس الوقت؟

سماعن جلال الدين – أكاديمي سأل الصّحافي جون راي الرّوائي الياباني هاروكي موراكامي عن سبب …

اكتشاف جديد لرسومات تعود إلى العصور الحجريّة

اكتشف هذا الأسبوع، الباحث في الآثار أحمد عقون، بالتنسيق مع جمعية أصدقاء الأطلس لحماية التراث …