الجمعة، 15 ديسمبر 2017

كمال داود: من حقّي أن أفجّر الأسئلة، لا القنابل

ترجمة: سماعن جلال الدين

كمال داود

كمال داود في حوار شيّق مع المجلة الأسبوعية الفرنسية “لوبوان”، عن روايته الثانية والتي صدرت، مؤخراً، بعنوان “زبور أو المزامير”. هذه ترجمة لبعض مقتطفاته..

بعد “مورسو، تحقيق مُضاد” أين استعدت رواية “الغريب” لألبير كامو، ها أنت تستدعي نصًا آخر أكثر قدما، “كتاب المزامير”. لماذا تكتب مرّة أخرى كتابا عن كتاب؟

كمال داود: أنا قارئ غير منظّم، قارئ للفوضى. اكتشفت الكتب فيما يُشبه حادثة دائمة وذلك في قريتي الأصلّية. كتب موروثة عن المعمّرين القدامى والتي كانت مرمية في المنازل، كتب وصلتني من جيران لم يكونوا على دراية ماذا يفعلون بها، كتب استعرتها وأخرى أعدت تجميعها. “موبي ديك”، “عشرون ألف فرسخ تحت الماء”، “سيمفونية الحقول”، “نداء الغابة”… لم يكن هناك محلات بيع كتب ولا مكتبات عمومية لا في قريتي ولا حتى في المدرسة. بعض من رواياتي الأولى، بوليسية أو كلاسيكية، كانت على ما أعتقد ملكا لوالدي لكنه لم يكن يعيش في القرية معنا أنا وجداي.

كان هذا الاكتشاف لعبة حظّ ونتيجة حرمان أيضًا. كنت آخذ ما كان موجودًا: أنصاف روايات، كتب دون غلاف ولا اسم كاتب، وكانت علاقتي مع الكتب واللغة علاقة محقّق: أستجوب الكلمات، أسأل معناها، أحاول تقطيعه، أكتشف، أُعرّي، وحين يكون الأمر مستحيلا بسبب غياب القاموس كنت أخترع المعاني، أصنع معاني مزيّفة بطريقة ما. كلّ كلمة كانت مغامرة، وحش من الحروف. أي رواية لم أكن أملكها وأحلم بها لساعات في قريتي كانت فيلما، كانت نوعا ما مثل السينما الخاصة بي. من يومها أحببت إعادة قراءة الكتب، تشريحها، فصل أجزائها، مسائلتها، في محاولة دائمة للتحرّر منها، سواء كانت كتبا مقدّسة أو لا. يجب أن أجابهها، أن أتجاوزها، أن أعيد استثمارها.

لو ولدت في القرون الوسطى لكنت ربما هذا النوع من النسّاخين  الذين يتدبرون، ينقلون ويغيّرون في سرية، يأوّلون دون توقف، يغّشون ويفرضون معاني معينة. الكتب هي سندي والقراءة أقدم تجربة لي في الحياة، التجربة الافتتاحية، بالإضافة إلى الجنس والبحث عن الله.

كتاب المزامير (الزبور) مذكور في القرآن باعتباره وحي من الله إلى النّبي دافيد (داود بالعربية). ألا ترى بأنه مجازفة اتخاذه اليوم كعنوان لرواية؟ هل لأن اسمك داود يسمح لك بذلك؟

كمال داود: هناك مثل قديم عندنا يقول: “لمن تقرأ زبورك يا داوود؟” وهو يعني: “من سيصدقك؟”، “أنت تخاطب السّراب”، “الكلام، الحديث، الإقناع هي أشياء غير مجدية”، “أنت في أرض كافر أهلها”. كأنها عبارة تستعمل للشّفقة، للحتمية، للتّشجيع، ولكن أيضًا عبارة تستعمل كنصيحة. أشعر بأنني معني بهذا المثل. معنيّ جدا وبخاصة بعد الجلبة التي حدثت حول رواية “مورسو، تحقيق مضاد” والمقالات التي كتبتها في الجرائد. تلقيت دعم الكثيرين لكنني أيضا تعرّضت إلى وابل من الحقد من طرف آخرين. مجازفة! لماذا؟ من حقّي أن أفكّر في النصوص المقدّسة. لم أسرق حقوق تأليف أي شخص والسّماء ليست دار نشر. مزامير داود هي أول كتاب تمّ غناءه، هي صوت وليست ألواح. وهذه الفكرة تعجبني لأنها تعيد الجمال إلى الآية، قبل أن يحلّ زمن محاكم التفتيش.

الإسلاميون الذين هاجموك أطلقوا عليك لقب “اليهودي” بسبب اسمك. هل يمكن اعتبار هذه الرواية كردّ عليهم؟

أنا لا أحب “الكتب التي تجيب”: فهي سرعان ما تستهلك. أحبّ الخيال، الانطلاق، المهارة، المعنى. هذا الكتاب هو قناعة شخصية. نعم، “داود” هو المقابل العربي لـ “دافيد”، واحد من أنبياء التوراة. نبيّ حظي بالقبول وبالاحترام في التّقليد الإسلامي لكنه وبسبب ما يحدث حاليا في الشّرق الأوسط – بؤرة الطائفية والمستجدات – فقد تمّ إبعاده ورفضه. لا ندري ماذا نصنع به في كاستينغ الكراهية. أنا لم أكتب ردًا لكنني أحبّ هذا النّبي/الملك.

يقول زبور: “حين أكتب، يتراجع الموت إلى الوراء بضعة أمتار”. هل هو اعتقادك ككاتب؟

بالضّبط. أن تكتب هو أن تدلي بشهادة، أن تضبط، أن تصلح جزءا من الموت. الكتابة ضرورية، واجب أساسي: نقوم بها كأننا باعة الكبريت. أو على طريقة سولجنتسين في معتقله. نكتب حين نخسر كلّ شيء. وهذا دليل على أن الكتابة هي ملجئنا الأخير، السّرمدي، الكتابة هي سلالتنا الممكنة الوحيدة في حالة ما إذا تم تجريدنا من ملكيتنا، الكتابة استمرار، ساحة حريتنا حين يُسجن الجسد.

يقول زبور أيضا: “الربّ هو الرّيح، لا يجب سبّها. لكنني لا أسبها، أنا فقط أواجهها”. هل هناك صراع بين الربّ والكاتب؟

في كلّ الثقافات، صراع حول المعنى النهائي، حول زمن الكلام والحقّ في الكلام. حين يتحدث أحدهما، يتراجع الآخر، يُقتل، يتم تجاهله، يستبعد أو يُجرح. وحين يستعيد الآخر الكلام، يتراجع الأول، ينزل منزلة الإنسان، يصبح هدفا (Quête) وتحقيقا (Enquête).

غلاف رواية كمال داود

أنت شخصيًا كنت مؤمنا وملتزما جدًا. لماذا توقفت عن ذلك؟

لا أملك جوابًا مقتضبا. يلزمني كتاب لأجيب عن سؤالك. الدّافع الرئيسي؟ القراءة والأفق الذي تفتحه لصاحبها. إمكانية السّفر من خلالها، جعلها للأشياء نسبية، وبالتالي مساهمتها في الأنسنة. الرّغبة أيضًا: لم أكتف بكوني معلّقا بفكرة الجنّة أو العفّة الفاضلة. الغضب من مقايضة جسدي مقابل الخلاص. ازدراء الفضيلة والشّغف بالانحراف. صغر عالمي واضح في تلك الحقبة وتفاهة معتقداتي السّطحية في الوقت الذي كنت أكتشف فيه فلسفات العالم. ثم قررت أخيرًا أن أكون نزيها. داخل الاعتقاد النهائي توجد عدمية متخفيّة. الشّخص الذي يتكلّف في إبداء ملّته الدينية ومعتقده يحمل داخله شكا حميميا يجتاحه. لذلك تجده يبحث عن اليقين في الراديكالية ويفرض بالقوة معتقده ليُسكت شكوكه الشخصية.

حمزة هو عدو زبور، متطرف يذكّر بأن الشعراء في القرآن هم عرضة للسخرية: “والشعراء يتبعهم الغاوون/ألم تر أنهم في كل واد يهيمون/وأنهم يقولون ما لا يفعلون”. أفلاطون أيضًا أراد إبعاد الشعراء من المدينة الفاضلة. ما هو مصدر هذا النفور الأزلي وفقدان الثقة في الكتاب؟

لأنهم قريبون جدًا من سرّ مهنة النّبوة. هم يشكلّون منافسة لهم لأنهم يجّسدون رغبة وألم الإنسانية. يكتبون آيات دون الحاجة إلى وحي. هم بطبعهم متمرّدون. هم ليسوا لا بمواطنين صالحين، لا بمؤمنين جيّدين ولا يدفعون الكثير من الضّرائب أيضًا.

“بدت لي جد مهينة فكرة الجنّة الأبدية هذه، التي تُفرغ عالمنا هذا وتُحوله إلى قاعة انتظار، إلى مخيم رحل.” زبور ذهب بعيدًا هنا. ألست خائفا من ردود أفعال بعض العقول المتحجّرة حين تكتب هذا النوع من الجمل؟

أظنني نزيهًا. زبور شخصية تعبر عن غضب، عن شكّ، عن حقّ. المؤمنون حقا لن يشعروا بالإهانة وهم يقرؤون مثل هذا الكلام لأن زبور جزء من عالمهم ومن إنسانيتهم. أما أولئك الذين سيرون فيها مساسًا بمعتقدهم فعليهم أن يتساءلوا بينهم وبين أنفسهم لماذا إيمانهم ضعيف جدا إلى درجة أن تنجح رواية في إثارته. من جهة أخرى، التمرّد طبيعة إنسانية. الخضوع هو الذي قد يكون أعمى. أنا حيّ ومن حقي أن أفجّر الأسئلة، لا القنابل.

هناك ثلاث شخصيات أنثوية جميلة في روايتك. الأولى ماتت بعد تطليقها، الثّانية متّهمة لأنها لم تتزوّج باكرا والثالثة وصفت كـ “مقطوعة الرأس” لأن جسدها مخبأ إلى الأبد خلف أسوار البيت. لماذا علاقة الصراع هذه مع المرأة في القرية التي تصفها؟ نساء يضطررن إلى إغلاق جفونهن من الألم حين يخرجن كونهن غير متعوّدات على الشّمس..

لأنها وضعية المرأة: متحجّبة، ماكثة في البيت، مخبّئة، منفية، خاضعة، متجاهلة أو مُضايقة. في كتاب “ألف ليلة وليلة”، حياة المرأة متعلّقة فقط بموهبتها في الحكي. لن تنقذ نساء أخريات ولن تنال الصّفح من الملك الذي يحب قطع الرؤوس بسبب استياء لا فائدة منه. سينتهي بها المطاف بالزواج من قاتل متسلسل. أين النّصر في كلّ هذا؟ شهرزاد مثيرة للشّفقة وليست محطّ إعجاب. لكنها نالت مرتبة متميّزة. ماذا عن ملايين النّساء الأخريات؟ مصير المرأة في عالمي هو تعبير وحجة على انتحارنا، على موتنا في هذا العالم، عن تخلّفنا. قلتها وأعيدها: أحكم على مصير الشعوب وحضارتهم من خلال المصير الذي تعطيه للنساء. هذا يعبر عن ارتباطهم بالعالم، بالخيال، بالحرية، بالحياة.

لكن هناك شيء من التّناقض حين تكون لغة المستعمر هي لغة الحرية بالنّسبة لشخصية زبور. أنت أيضا تكتب بالفرنسية.

التّناقض موجود عندكم أنتم كدولة ثقافة ودولة عنف استعماري. بالنسبة لي، اللغة الفرنسية هي لغة الانشقاق، الجمال، الرّغبة، لغة الجنس، لغة التحرّر. ولدت بعد الاستقلال وبالنسبة لمن هم أكبر مني فهذه اللغة هي لغة العنف، أما بالنسبة لي كتلميذ في مدارس الحماسة وحمى الهويات الوطنية التي تمادت في استعمال اللغة العربية وجمالها، فإن اللغة الفرنسية هي لغة السّفر والشّغف. التناقض ليس خطأ مني، بل خطئكم أنتم. أحب أن أكتب بهذه اللغة، أحبّ هذه اللغة وليس لي رغبة في تنظير أو تبرير شغفي بها. هي قصّة حبّ وليست قصة وصايا. لذلك ربما عليّ أنا أن أطرح عليك هذا السّؤال. أحب حين تتقاسمون هذه اللغة لا حين تستعملونها كصنم مطنب.

أنت متميّز جدا سواء في الصّحافة أو في الرواية. في مقدمة الكتاب الذي حوى مقالاتك، “حرياتي”، كتبت ما يلي: “توضيح عادات اليوم المختنقة بين منارة المسجد والثكنة العسكرية لكن باستدعاء الكتب الكبرى، الصّور الجميلة الشّامخة في وجه الريح، بدايات الروايات، كبرى الفلسفات التي يتردد صداها. المقال أيضا رواية واسعة، هو نفسه دائما، تعاد صياغته، يُشعرُ به، مُعاش أولاً كموسيقى قبل أن يتخذ له معنى”. الرواية والمقال: نفس الكفاح؟

نعم، كفاح الواجب، السّلطة، القول. الكتابة. ممارسة حرية باسم موت واحد، حياة واحدة. أحيانا، المقال هو مسلسل الرواية، ردة فعل حيّال المستجدات. في حين أن الرواية هي ردة فعل حيّال الأبدية. نفس المصدر ولكن بتعابير مختلفة. نفس الموسيقى.

مثلما قال فلوبير عن مدام بوفاري، هل زبور هو كمال داود؟

نعم، زبور هو أنا. ولكن ليس ذلك فقط. فأنا والدتي مازالت على قيد الحياة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هل يصحّ للرّوائيّ أن يكون ناقدًا في نفس الوقت؟

سماعن جلال الدين – أكاديمي سأل الصّحافي جون راي الرّوائي الياباني هاروكي موراكامي عن سبب …

اكتشاف جديد لرسومات تعود إلى العصور الحجريّة

اكتشف هذا الأسبوع، الباحث في الآثار أحمد عقون، بالتنسيق مع جمعية أصدقاء الأطلس لحماية التراث …