الجمعة، 15 ديسمبر 2017

تيودور مونو يصحّح أسماء المواقع في الجزائر!

رشيد فيلالي

من المتعذّر اليوم أن تصادف عالمًا عبقريًا فذًا، متعدّد الاهتمامات والاختصاصات مثل العالم الفرنسي القدير تيودور مونو(Théodore Monod)، الملقب بعاشق الصّحراء.

بلغ شغفه العلمي بها حدود الهوس والجنون، وأكبر دليل على ذلك أنه أمضى بها 60 عاما بحثًا وتنقيبًا وتأملاً، وكيف لا وهو الذي قطع الصّحراء الكبرى فوق ظهر الجمل وعلى الأقدام ستّ مرات..

آلاف الكيلومترات على امتداد البصر، لا شجر ولا حجر سوى امتدادات نحو المطلق والأفق البعيد الذي لا تمسك له بطرف، وما يلفت النّظر في مسيرة حياة هذا العالم الفرنسي الشهير، أنه عمل مذيعًا و جاسوسًا في الخمسينيات، وكانت له مواقف مشرّفة جدا ضد المستعمر الفرنسي، وشارك ضمن مسيرات عديدة مساندة للقضية الجزائرية واستقلال الجزائر.

وعلى المستوى العلمي اكتشف مونو زهرة أسطورية وحيدة من نوعها في العالم، على الحدود الليبية التشادية، أُطلِق عليها اسمه  باللاتينية “مونودييلا فليكسووزا Monodiella flexuosa”.

وليس هذا فحسب، حيث اكتشف مونو 20 ألف نوع جديد ما بين حشرات ونباتات وحفريات وغيرها نسبة معتبرة منها في الصّحراء الجزائرية، نذكر من بينها 35 نوعا نباتيا وثمانية أجناس و130 نوعا من الحيوانات، كلها تحمل اسمه الآن في المراجع العلمية المختصة.. وقد كانت آخر رحلة علمية له قبل وفاته عام 2000 أمضاها بمنطقة جانت، في ولاية إليزي عام 1998.

ويعتبر العلامة تيودو مونو من المدافعين الشرسين على  السلام في العالم وعلى البيئة، ومن بين مواقفه النبيلة في هذا الصّدد أنه رفقة مجموعة من العلماء والباحثين، و عددهم يصل إلى عشرين شخصا من مختلف بلدان العالم (ألمانيا، اليابان، أمريكا..) يصومون أربعة أيام من كلّ سنة، هي اليوم 6 و7 و8 و9 من شهر أوت تعبيرا منهم على تضامنهم الكامل مع ضحايا قنبلتي هيروشيما وناغازاكي وضد استعمال الطاقة النووية الملوثة للمحيط.

تيودور مونو

وجدير بالإشارة في هذا السياق أن تيودور مونو تأثر بفكرة الصيام من صديقه المستعرب الشهير لوي ماسينيون، ولذلك فهو – أي تيودور مونو – يصوم كلّ يوم جمعة في الأسبوع، أي أربعة أيام في الشّهر، ويعتبر ذلك مفيدا جدًا للصّحة وطريقة رائعة للتّغلب على النزعة الحيوانية في الإنسان، وإن كان يعتبر الحيوان في قناعته أكثر سلمية من البشر، الذين يتعلمون في مدارس عسكرية خاصة، كيفية قتل إخوانهم من نفس الجنس!

ولأن العالم تيودور مونو يحبّ الدقة العلمية والصرامة على غرار العلماء المخلصين لضميرهم العلمي، فقد امتعض جدا عندما حاول قراءة خرائط المناطق الصحراوية في الجزائر ومناطق أخرى، و كان بصدد اكتشاف ما تزخر به من ثروات نباتية وحيوانية عديدة، حيث قرر لهذا الغرض تعلم اللغة العربية بالمدرسة الشرقية للغات بفرنسا، وتحصل على شهادة في هذا الخصوص، وبعدها شرع في تصحيح أسماء الكثير من المواقع التي أطلقها معدو تلك الخرائط وهم من الفرنسيين ممن لم تكن لهم دراية كافية بلغة سكان المنطقة.

وذكر من بينها مثلا أسماء العديد من الوديان في الصحراء تم إطلاق عليها اسم غامض “Oued Manarf” والتي تعني “واد ما نعرف: أي لا أدري أو لا أعرف” وأكد هذا العالم الكبير بشخصيته الإنسانية النادرة والمرحة أيضا، أنه وجد منطقة أطلق عليها اسما لا يقل غرابة وهو “Stenna N’boul” ومعناها “انتظر لأبول”.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …