الخميس، 24 أكتوبر 2019

هل «زبور» داود منارة لروائيي التّيه!

عيسى قارف

هنا – وعلى هامش الحديث الدّائر حول رواية كمال داود – محاولة لفتح قوس كبير حول الكتابة الروائية في الجزائر،  فالجميع يريد كمًا وكيفا، ونسعد بامتلاء رفوف المكتبات بالروايات، لكن الحاصل غير هذا، فحين نشيد بعمل كمال داود والترجمة الرفيعة جدا للأستاذ الأديب عمير بوداود (لموقع نفحة)، نحيل إلى إمكانية إبهارنا وأنها متاحة وقابلة للتحقق، إذا ما التحمت الموهبة والمعرفة والوعي اللغوي والسحر الهائل الذي توفره العربية المتحرّرة.

إنها ترجمة استثنائية حقا، فشخصيا، فرنسيتي المتواضعة لا تتيح لي متعة النص الأصلي، لكن المترجم قدم خدمة جليلة لا يمكن إنكارها.

في الجزائر النقد يغضب أكثر من سب الآلهة.. ربما لأن الكاتب إله يخلق ما يشاء… وليته  يعيد  خلق الآلهة، وهي – وإن حاول – في الغالب مشوّهة وموشية بقلة الذوق …

والحاصل أن الخالق أكثر تقبلا للنقد من الكاتب، فحين كتبت حول الرواية الجزائرية بعد المعرض الدولي السابق، استاء البعض وقدروا أنني أستهدف الروائيين ، وأحدهم علق طالبا نماذج سردية معينة وآخر حجر على رأيي كوني قادما من الشعر ، ولم ينتبه إلى تكويني الأكاديمي ، الآن هاهو نموذج سردي ، وإن لم يكتب بالعربية إلا أن المترجم قدمه لقارئ العربية كدرس تطبيقي .

الفصل الذي أبدع في ترجمته الأستاذ عمير بوداود، من رواية كمال داود الأخيرة أحسبه درسا سرديا متكاملا حيث تتجلى قدرة رهيبة على نحت الشخصية (الراوي) في إفضاء جواني عامر بالشعرية وحافل بالرمز أيضا .. وأتصوّر أن الروائي بهذا المستوى يفرض حقا سقفا عاليا لمفهوم السرد ، سقفا يتيح للكثير من المشتغلين بالحقل الروائي التدليل عليه كأنموذج لما ينبغي أن تكونه مستويات نحت الشخصية، وتلوين كافة ملامحها بدقة متناهية، كلوحة فنية مؤثرة، تبدو معها الكثير من النصوص الجزائرية الروائية مجرد تمرينات طفولية حائمة حول السرد، دون ولوجه، وكما أثبت الروائي هنا وجهة نظره ، أثبت بالمقابل المترجم خيارات واسعة للغة العربية، ورهانات كبيرة تنتظر كتابها من خلال توفيقه في جعلها مطواعة سلسة وعميقة، كأن هذا الفصل كتب بها رأسا، وإلا كيف هو في الأصل ؟ ربما هذا ما أدهش الفرنسيين في لغة كمال داود… جزئيات صغيرة يمكن أن يشكل بها هذا الروائي لوحة استثنائية في شكل مونولوجي وجداني ووجودي أحيانا،  على لسان البطل يقول : «ماذا يحدث عندما أنام؟ ربما يسهر الله كحَكم في هذه اللعبة. إنه بصورة من الصوّر، الوقت الميّت، من الموت».

غلاف رواية كمال داود

تشكل الشعرية غالبا مقدمات للمتن الحكائي دون إغراقه ، وهو رهان محفوف بالمخاطر إذ كثيرا ما يتطرف الروائي إلى أحد الحدين : حدّ السرد وحدّ الشعر .. فالحد الأدنى يخرج من أدبية النص إلى سطح التقرير، والحد الأقصى يخرج من شعرية السرد إلى الشعر الخالص. وهو يصبح مقبولا لدى بطل روائي شاعر، بحيث يصبح للشعر دور بنائي داخل الحدث الروائي ، وهذا قليل.

المواقف داخل السياق النصي تفرض هي الأخرى وظائف بنائية للغة أو – حسب تودوروف – تفرض «نظاما متسقا من الوظائف» ومثالها ما عبر عنه الراوي –في الفصل المترجم – حال رصد شعوره بلحظة معينة: «رعشة من ارتياح صامت». فهذه الكثافة التي احتاجها للبوح ضرورة في هذا الموقف بالذات، أو حين يبرر طهارته – وهو في هذه السن – «كما أن حاجتي للعناق، ومنذ فترة طويلة، تجاوزت شرط الارتماء في جسد آخر» وبإضفائه حالة من الغموض حول خياراته الجنسية – وفق تراتب جُملي لا تخفى دقته – تراه يفلح بشكل لافت في شد انتباهك إلى الحالة ذاتها قبل انتباهك لما يعنيه الجنس عنده، فالقصد هو إكمال رسم ملامح شخصيته، من خلال رصف جميع تناقضاتها حتى في خيار واضح كالجنس .

ما نحاول قوله هنا، هو وجوب طرح نقاش واسع لدى النخبة الكاتبة حول الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية ومآلاتها، وما هذه الإطلالة بخصوص رواية كمال داود إلا مناسبة للخوض في قضية جوهرية، تتعلق بمستقبل الرواية العربية في الجزائر، فهناك أزمة رواية متعددة،  ولا يمكن الركون إلى كوننا نشوّش عليها كما دأب الحديث، إنها أزمة فعلية، أزمة لغة ومضمون وحصافة سردية، وذكاء توظيفي، وفي كثير من الأحيان أزمة موهبة، وهو أمر فادح ومتعذر الإصلاح، وجبت حياله الصراحة النقدية والجرأة اللازمة ، وهناك تشبع نمطي بلغ ذروته مع وطار وبوجدرة وغيرهما ، والآن هو الوقت المناسب للانطلاق إلى ما تتيحه المعرفة الجديدة في سبيل إبداع روائي .

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …