الأحد، 16 يونيو 2019

دول يتوقّع المؤرخون زوالها.. من هي؟!

رشيد فيلالي

يتوقّع عدد من المؤرخين بأن مجموعة من الدّول سوف تزول مستقبلاً وتبقى مجرد ذكرى تاريخية، تماما مثلما وُلد وزال بعضها في القرن العشرين، على غرار الاتحاد السّوفياتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا.

ومن بين الدّول التي يتوقع المؤرخون زوالها في القرن الواحد والعشرين بلجيكا التي ستنقسم إلى دويلتين هما الوالون والفلامون، أي المتحدثين بالفرنسية والهولندية، كذلك إسبانيا التي ستنقسم أيضا إلى المتحدثين بالكاستيلانو والكاتالانية.

وحتى إيطاليا مهدّدة هي الأخرى بالزّوال، لاسيما مع بروز حركات انفصالية متطرفة على غرار حزب رابطة الشّمال بزعامة أومبيرتو بوسي، الذي ينادي بجمهورية “بادانيا” نسبة إلى منطقة جغرافية تقع في الشّمال، الذي يعتبر أنشط من الجنوب “المتخلّف” على حدّ تعبير المنتسبين لهذا الحزب، والذين يتهمون مسؤولي إيطاليا بأنهم سرقوا مجد روما وشوّهوا سمعتها التاريخية..

وليس هذا فقط، حيث راحوا يفرضون تسميات على لافتات الطّرق وأسماء المعالم والأماكن التاريخية والسياحية كما تنطق في لهجات الشمال بدل استعمال اللغة الإيطالية الفصحى(مثلا بيرغامو”Bergamo” صارت بيرغيم “Berghem”) ..

والحقيقة أن بلدان مثل إيطاليا وألمانيا لم يكونا طوال تاريخهما أبدا دولة موحّدة يتكلم سكانها لغة واحدة، بل أن ألمانيا مثلا في القرن الثامن عشر كانت عبارة عن 300 دويلة أي أن كل مدينة كان لها أميرها (أو قسيسها) وعلمها وعملتها ولغتها المحلية.

والفضل يعود للوثر الذي كان وراء جعل اللغة الألمانية الرّاهنة لغة ألمانيا الفصحى والجامعة، حيث لملمت شمل الدويلات الصّغيرة والمتفرّقة ووحّدتها، والأمر ذاته وقع في إيطاليا التي توحّد إماراتها العديدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث كانت إيطاليا قبل ذلك الزّمن تتكلم لغات ولهجات مختلفة ولا حصر لها، وربما يعود الفضل لقنوات بيرلسكوني التلفزيونية في انتشار اللغة الإيطالية الفصحى في كامل ربوع إيطاليا، رغم كثرة مساوئ هذا السّياسي المتّهم بالفساد.

وفي واقع الحال إن انتفاضة الهويات الصّغرى أو المهمّشة أو لنسميها ما نشاء، دوافع كثيرة ونسبة كبيرة من هذه الدوافع ترتكز على الأساطير والأوهام، تمامًا مثلما ارتكزت الهويات الكبرى أو الحضارات الكبرى على الفرضيات وحتى الأساطير والأوهام والرّموز المبتكرة من العدم، إذ كيف  نصدق مثلا بأن الحضارة الغربية برمتها مبنية على الزعم بأنها حضارة يهودية مسيحية؟ مع أن الديانة اليهودية والمسيحية أصلهما من المشرق ولا علاقة أصلا للغرب بهما!

ثم إذا احتكمنا لعامل اللغة الذي يعتبر أهم ركائز الهوية على الإطلاق، فإن الإيرانيين والهنود يعتبرون أكثر أوروبية من الباسكيين والفنلانديين والمجريين الذين تعتبر لغاتهم ليست من أصول هندو أوروبية!

شعار حزب رابطة الشّمال في إيطاليا

ومن المُفيد أن نقدّم ضمن هذا السياق أمثلة أخرى حول انتفاضة الهويات الصغرى، وما أكثر ذلك في العشريات القليلة الأخيرة، والتي نذكر منها ما حدث في التسعينيات برومانيا، حيث برز للوجود بعد سقوط نظام تشاوشيسكو ما يسمى “الاتحاد الديمقراطي لمجريي رومانيا”، الذي يحاول تمثيل الجالية المجرية في هذا البلد، والتي تمثل 6.6 في المائة من السكان، وعلى رأس مطالب هذا الحزب إعطاء اللغة المجرية حقّها من التّعليم في كلّ المراحل الدراسية فضلا عن حقوق أخرى..

والأمر ذاته حدث في بلغاريا، حيث توجد جالية تركية قوية، تمثّل 10 في المائة من عدد السكان الإجمالي، والتي حاولت الحكومة البلغارية في الثمانينيات محو هويتها بالقوة، إذ عملت على تغيير أسمائهم وجوازات سفرهم وشهادات ميلادهم وقطع أي صلة لهم مع الحضارة العثمانية أو العربية الإسلامية، كما تمّ منع استعمال اللغة التركية في الأماكن العامة وحتى الخاصة!

وقد أضحى من المعلوم الآن بأن الذين حاربوا الهويات الصّغرى، تحت مسميّات عديدة مثلا التطهير العرقي والحفاظ على نقاء الأصل والسلالة، أو تجنب التفتت والانقسام، هم في واقع الأمر ضحايا جملة من الأوهام الذاتية أيضا، ألا يرى الإيطاليون بأن شكل خريطة بلادهم يشبه حذاء الفرسان العظماء، وخريطة إسبانيا ألا تشبه لدى الإسبانيين جلد الثور رمز القوة والفحولة؟ وحتى خريطة كندا تشبه عند سكان هذا البلد البقرة رمز العطاء والخير.. وهكذا دواليك ..

وكلّ هذه في الحقيقة إسقاطات وتخاريف بني عليها موروث ثقافي بأكمله أي الآن هويات متكاملة، وحتى هذه الدول الكبرى التي تدافع عن هوياتها باستماتة وتغول بلغ درجة التطرّف، هي في الحقيقة عبارة عن خليط شديد ومعقّد من الهويات الإثنية واللغوية والثقافية.

و يمكن إطلاق مثلا وصف الدول الفسيفسائية على كلّ من أمريكا وأستراليا وكندا وفرنسا، التي تحتل تباعًا المراتب الأولى عالميًا في تعقد تركيبتها السّكانية وتعددها اللغوي والثقافي.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …