الخميس، 17 أكتوبر 2019

المدقّق اللغوي.. تلك المهنة المجهولة

رشيد فيلالي

المدقّق اللغوي.. تعتبر مهنة مجهولة، ببلادنا، نسبيًا رغم أنها ذات أهمية جوهرية في ميدان الإعلام بوسائله المختلفة.

إذ لا يمكن تصوّر نشاط هذه الوسائل الإعلامية من دون مدقّق لغوي يضبط ويصحّح ويُراجع مادتها الموجّهة إلى المتّلقي بشكل عامّ.

والملاحظ أن هناك عددًا من المؤسسات الكبرى الخاصّة بالاتصال تشيع في إصداراتها ولوحاتها الإشهارية و بياناتها الدورية الكثير من الأخطاء الطّريفة والفادحة التي تشوّه مكانتها، لأن هذه الأخطاء رغم كونها غير مقصودة حتمًا، لكنها تكشف بأن المسؤولين القائمين عليها لا يتحلون بالجدية والاحترافية الكافية، على اعتبار أن توظيف مدققين لغويين لن يكلّف هذه المؤسسات سوى ميزانية محتشمة في حين ينقذها ذلك من فضائح قد تلحق بها أضرارًا بليغة على مستوى سمعتها التجارية والتنافسية.

ولعل من أكبر الفضائح النّاجمة عن عدم الاهتمام بدور المدقّق اللغوي، تلك التي وقعت فيها خلية الاتصال التابعة لمصالح الرئاسة الفرنسية في عهد نيكولا ساركوزي والتي أصدرت العام 2011 بيان تعزية على إثر وفاة السيدة دانيال زوجة الرئيس الراحل ميتران، إذ رغم قصر نصّ البيان إلا أنه كان “يعجّ” بالأخطاء الإملائية واللغوية، وقد عالجت حينها الصّحافة الفرنسية هذه القضية بالكثير من التهكّم المرير.

وهناك في الحقيقة من الأخطاء المحرجة ما لا يقل فداحة عن بيان الرئاسة الفرنسي، ففي الشيلي، تمّ عام 2010 طبع الآلاف من العملات النقدية التي كتب عليها اسم البلد نفسه بطريقة خاطئة هكذا: “Chiie” بدل من “Chile”. ولم ينتبه أحد لهذا الخطأ لمدة عام كامل قبل أن يقرّر المسؤولون بعد اكتشاف الحقيقة، سحب هذه العملات النقدية من التداول نهائيا وتعويضها بأخرى تحمل كتابة صحيحة.

وعلى ذات الصّعيد دائما نشير بأن هناك مؤسسات اتصال شهيرة جدًا مثل هوليوود سجّلت عليها هي الأخرى أخطاء فادحة، على غرار حادثة الممثلة الأمريكية المعروفة ذات الأصول الفرنسية(ابنة الملياردير الفرنسي جيرار دريفوس) جوليا لوي دريفوس التي نقش اسمها على نجمتها المخلّدة لها بشارع النجوم بطريقة خاطئة، هكذا: Luis بدل Louis. وبعد انتقادات لاذعة من طرف الصحافة الأمريكية تم تصحيح الخطأ بشكل مستعجل.

وفي تصوري أن أكبر عدد من الأخطاء الإملائية واللغوية يقع بشكل خاص في الصحف على اعتبار أن العمل بها يتطلّب السّرعة تماشيًا طبعًا مع الحدث اليومي، لكن البعض عندما تسجل أخطاء هنا وهناك ولاسيما على مستوى عناوين الصّحف اليومية والمعرّب منها على وجه الخصوص، يوجهون أصابع اللوم والتقريع إلى المدقّق اللغوي الذي حسبهم لم يؤد وظيفته على أكمل وجه، وهذا الحكم فيه شيء من المنطق والحقيقة غير أن الذي ينبغي الاقتناع به أيضا هو أن المدقق اللغوي ينتمي إلى جنس البشر والخطأ إنساني كما يقال.

ثم لماذا يركز البعض على الصّحافة المعربة تحديدا، وكأن الصحف المفرنسة عندنا لا تخطئ! وأصحابها من المعصومين؟ مع العلم أن هذا غير صحيح البتة، لأن صحافتنا شأنها في ذلك شأن الصحافة في العالم أجمع، بما فيها تلك التي تصدر عن مؤسسات تملك سمعة عالمية وتتمتع باحترافية أكبر، تقع هي الأخرى في أخطاء غاية في السذاجة والحمق..

و في هذا السياق ذكر الباحث الأمريكي الخبير في مجال الإعلام “متشل شارنلي” أن ما يعادل 46 في المائة من الصّحف الأمريكية بها أخطاء كبيرة! وتقريبا نفس الشيء بالنسبة للصحافة الأوروبية، وهنا نسوق على سبيل المثال فقط الخطأ الفادح الذي وقعت فيه صحيفة “بيلد” الألمانية وهي من أكبر الصحف في هذا البلد وأوسعها انتشارا، حيث كتب العنوان الكبير هكذا:Toddrama in Gevelsberg Nachbar erschosen ,weil er zu laut lachte. في حين أن الجملة الصحيحة تكتب على النحو التالي: Tod drama in Gevelsberg Nachbar erschossen; weil er zu laut lachte. وحدث بعدها عن الصحف الفرنسة ولا حرج وهي التي تشتهر بتطرفها الشديد من ناحية تقديس قواعد اللغة والإملاء، إذ لم يمنع ذلك من تسجيل كوارث حقيقية في هذا المجال وفي صحف ومطبوعات عريقة على غرار لوموند ولو فيغارو وليبيراسيون و.. ألم أقل لكم بأن الخطأ إنساني لكن مع ذلك، يبقى في كلّ الأحوال الحذر مطلوبا من طرف المدقّق اللغوي.. فتأمل!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …