الجمعة، 25 يونيو 2021

“راكونت – آر” يفضح هشاشة الثّقافة الرّسمية

عزيز حمدي

من قال أن “آيت وعبان”، القرية المنسية فوق واحدة من هضاب جرجرة، التي دمّرت عن أكملها، ذات يوم من شهر جويلية 1957، بعد معركة قادها العقيد عميروش، ستدبّ فيها الحياة – مجددًا – وفي الشّهر نفسه؟

هكذا شاء الفنّان “دونيس مارتيناز” ورفقاءه أن تكون هذه القرية التي تمّثل أبعد نقطة في منطقة القبائل مكّة الثقافة وعاصمة الفن في مهرجان أُريد به أن يكون ملتقى الثقافات والفنون.

مهرجان “راكونت – آر”، الذي قصده الفنانون والمثقفون من مختلف ربوع الوطن، من دون أيّ دعوة، جعلت المخرج والمسرحي  سليمان بن عيسى يقول قبل أن يلقي مقتطفات من مسرحية “بابور غرق”: “لم أتردّد ولو للحظة كي أرد على رسالتكم و ألتقي أصدقائي، لا أحتاج لدعوة كي أرافقكم”. الكلام نفسه رددته الفنانة الشّابة “آمال زان” و معها المغني “آكلي. دي” و كذا فرقة “دبزة” وهم يقتسمون أجواء الحياة البسيطة وسط أهالي القرية لمدة أسبوع.

“راكونت – آر” بعث فنا شعبيا يعتبر جزء من هويتنا الفنية: “الحكواتي”. فقد تداول على تلك المنصة حكواتيون من من 7 بلدان في لوحة فريدة من نوعها وتعتبر تلك الليلة الليلة الأبرز في المهرجان.

مهرجان “راكونت – آر” هو مبادرة مستقلة، بدأت قبل 14 سنة، نمت لتصبح اليوم يُقرأ لها ألف حساب، فقد رأيتُ من الرّجال والنّساء، مختلفة ألوانهم، يغنّون بلغات مختلفة، القاسم المشترك بينهم هي الابتسامة. ثم ورشات وأعمال فنية تربط بين ثقافتين أو أكثر وطبول تقرع، مقاطع تعزف و أشعار تقرأ ومسرحيات هنا وأخرى هناك.

“راكونت – آر” مهرجان فاتحته خالية من المعالي والرسميات، خالية من السّيارات الفاخرة والبساط الأحمر. هو مهرجان يبدأ من مسجد القرية ويكون هذا الأخير المعلم الأبرز طوال فترة المهرجان ليؤكّد أن المسجد هو رمز للثقافة والسلام لمن يحسن استغلاله.

“راكونت – آر” مهرجان ميزانيته تساوي تكلفة إقامة ممثل مصري أو مخرج سوري في فندق شيراطون وهران، تشاء الصدف أن يتزامن ومهرجان الفيلم العربي في عاصمة الغرب، مهرجان كان افتتاحه في مسرح كولوني على الطريقة الغربية لم يبق من العربي منه إلى وهم القومية الزائفة والعنصرية الفنية بحكم أن مهرجانات السينما تصنف حسب الأنواع السينمائية (مهرجان الفيلم القصير، الوثائقي، المتحرك، إلخ). طبعة خلت منها وجوه السينما المحلية وملأت الأشباح قاعات العرض، فقد قيل ما قيل عنه أمام تحاشي المنظمين الحديث عن ميزانيته التي تعدت 6 ملايير سنتيم من دون أن يسجل الأثر الإجتماعي ولا الإقتصادي على المدينة وإن قارنته بسابقه سيدفعني ذلك إلى خاتمة النصّ فمهرجان “راكونت – آر” هو ذلك المهرجان الذي يشتغل فيه هوّاة برفقة المحترفين عند نهاية كلّ عرض، فكم من فنان سوف يولد بفضل ذلك؟ هو ذلك المهرجان الذي حدثتني عنه عجوز في الثمانينات من العمر وهي سعيدة برؤيتها لتلك الألوان. سألتها عن آخر مرة رأت غرباء عن المنطقة، أجابت:”رأيت غرباء آخر مرة لما جاؤوا كي يضربونا (تلوح الى أزمة الأفافاس 1963) أما اليوم أتوا كي يفرحوا معنا من واجبنا إطعامهم”.

هو هكذا المهرجان رسائل حبّ وسلام وتنوّع وتقبّل الآخر، هو ذلك الإحساس أن العالم ينتهي بعد حدود القرية المستضيفة، هي دموع عدد من المشاركين وهم يغادرون القرية عند الختام وهم يتساءلون عن موعد انعقاده العام المقبل.

هذا المهرجان، الذي ينظمّه ويشرف عليه المجتمع المدني، بالحدّ الأدنى من التكاليف، يفضح هشاشة وزارة الثّقافة الرّسمية، التي فشلت في صناعة ثقافة رغم ما تتوفّر عليه من مليارات.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …