الجمعة، 15 ديسمبر 2017

“مولانا” يعيد فتح جراح الجسد العربي

زهور شنوف

أفيش فيلم مولانا

أخيرًا، وصل فيلم “مولانا”، إلى الجزائر، وعُرض مؤخرًا ضمن “مهرجان وهران الدّولي للفيلم العربي”، دون أن يتعرّض إلى “مقص الرّقابة”.

الفيلم المصري “مولانا”، الذي أحدث ضجّة منذ قرار المخرج مجدي أحمد علي تحويل رواية إبراهيم العيسى، التي تحمل العنوان نفسه، وتُشرّح ظاهرة “رجل الدين” وعلاقته بالسياسة إلى فيلم سينمائي، بسبب الحساسية المفرطة التي أثارتها رواية “مولانا” داخل الأوساط الدينية.

الفيلم الذي استقطب جمهورًا كبيرًا إلى قاعة “المغرب” بوهران، في أول العروض الخاصة للمهرجان، عُرض بحضور المخرج نفسه، واستفز مشاعر الجزائريين الذين صفّقوا له بحرارة كما لو أنه موجّه لهم “تحديدًا” بسبب الطّرح المركّز على فكرة “التطرف الديني” التي يعرفون مرارتها قبل باقي الدولة العربية التي أصبح أغلبها اليوم شريكا لهم فيها.

“مولانا” الذي يُجسد الدور الرئيسي فيه الفنان عمرو سعد (الشيخ حاتم)، ويظهر بشكل مختلف عن كلّ ما قدمه من قبل، حيث يبدي براعة في موازنة الشّخصية التي أراد لها الثنائي أحمد مجدي وإبراهيم العيسى عبر حوارهما المشترك، أن تكون شخصية مصرية خفيفة الرّوح ولديها القدرة على السّخرية في كلّ الظّروف “ابن نكتة” لكنه رجل دين بعقل رصين – وربما هنا تكمن مفاجأة الفيلم – لأن “البروفايل” الذي قدماه للشّيخ حاتم المنتمي إلى ظاهرة “النيو شيوخ” من النّجوم الذين تعجّ بهم الفضائيات العربية للاستثمار في حالة الإحباط العام التي تصيب الناس وتجعلهم يرتمون في أحضان هؤلاء، بحثًا عن توازن نفسي كاذب يخلّصهم من مآسيهم اليومية، لا تشبه أبدًا “الشّيخ حاتم” الذي يظهر في صورة منافية لشيوخ فتاوى “إرضاع الكبير” أو التطرّف الجنوني الذي يوسع الشرخ الاجتماعي ويهدد أمان الناس.

عملية المسح السّياسي والأمني والاجتماعي وربما حتى الثقافي بشكل ما، التي قام بها “العيسى” على المجتمع المصري (غالبا أثناء حكم الرئيس مبارك) جسدها السيناريست والمخرج أحمد مجدي علي وفريقه في “مولانا”، بـ “تحيين” مُلفت يُسقط البعد الزمني ويستثمر في تواصل المأساة، فالشيخ الذي تحوّله الظّروف إلى نجم تلفزيوني تتغيّر حياته إلى “برجوازي صغير”، يعكس بشكل جوهري عملية “الأدلجة” التي تطال النخبة (مهما كان نوعها) لتعطيل أي محاولة للخروج عن النمط المرغوب فيه، وهو ما يحدث مع الشيخ الذكي المحبوب “حاتم” الذي لا ينتمي إلى النمط العاجز عن التفكير ويسير بتقليد أعمى يُغلق الأفق أمام التأسيس للانفتاح والتعايش والتسامح، لذلك إما أن يصطف إلى جانب من فتحوا المساجد والأبواب أمام هؤلاء أو يندثر.

“مولانا” الذي أنتجه “محمد العدل”، يبدو في لحظة ما كوثائقي يُحاول إعادة تجميع الخيوط التي انتهت بمجتمع تأسس على التّنوع والتّعايش، إلى لحظة تطرّف وتصادم مرعبة، لا يسلم فيها أحد تحت راية الدين، لا المسيحي ولا المتصوف ولا المتشيّع..

لكن الحقيقة التي يحاول فريق الفيلم الانتصار لها باللجوء إلى توظيف التراث ومحاولة فرزه تُظهر جوهر الدين الإسلامي بعيدا عن “اللوثة” التي أصابته عبر المصادر الهشّة، هي أن التطرف حالة مرضية يتم الاستثمار فيها، وذلك عبر شخصية ابن أحد كبار المسؤولين الذي يتحوّل من الإسلام إلى المسيحية لكنه في الأخير يقوم بتفجير كنيسة في احتفالات دينية، رغم كلّ محاولات الشيخ النجم الذي كُلّف بإقناعه بأشكال عديدة ودعمه للعودة إلى توازنه. وهنا تبرز المفارقات والرسالة.

مشاهدة هذا الفيلم تشبه عملية فتح الجراح – كما قال المخرج – وربما النظر إلى التقرحات العميقة التي تراكمت في الجسد العربي عبر سنين، الفرق أن هذا النظر لا يبعث على “التقزز” لأنه مصحوب بمتعة الّسينما الراقية، وحامل لرسالة إنسانية علينا إعادة التفكير فيها قريبا من السياسة وبعيدًا عنها، وهي أن “الوطن للجميع والدين لله”.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رودريغو بلانكو كالديرون.. لا فرق بين الجزائر وفنزويلا

 ترجمة: سماعن جلال الدين نشرت مجلة “لير” الفرنسية، العام الماضي، مقالا عن الكاتب الفنزويلي رودريغو …

1984.. الرّواية التي تنبّأت بما يحدث الآن

الأمين فاروق “1984”.. رواية الإنجليزي جورج أورويل)1903-1950) عادت، مجدداً، إلى الواجهة، ويبدو أنها تعكس أفضل …