الخميس، 18 يوليو 2019

محمد قسط يكتب: حين يُشبه الكاتب حلمه

محمد قسط

صديقي عبد الرزاق بوكبّة،

حدث أن دردشت مع صديقنا عبد القادر العربي، حول نشر تجربتك السّردية الرّمضانية في كتاب، فلم يرَ وجاهة في ذلك، كما استثقلت من ناحيتي الأمر، والحمد لله أنك فعلت.

كانت مشكلتي، وأنا أتصفح كتاب “يدان لثلاث بنات”(2017)، أنني أعرف النّصوص جيّدًا، فعرقل ذلك تمتّعي بالسّرد الشّهي، ولم أجد بدًّا من الهرولة إلى الملحق ‘بوصلة التّيه’.

أعترف أنني انزعجت قليلًا عندما لم تبح لي ببعض أسرارك، في لقاءاتنا المتقطّعة في الجزائر العاصمة، لكنني احترمت ذلك أيضًا، لأسباب عديدة، ولأنك يا “رزيق” كثير، وأحتاج إلى استيعابك قطعةً.. قطعةً.

قلتَ إنك كتبت سيرتك العاصمية/ العصامية، للتخلّص من إرث مرحلة مهمّة، والدّخول في تجربة أخرى مختلفة، يكون الخيال فيها سيّد الكتابة.

وأقول إنه يجب عليك ذلك، لأنني أثق في شخصك بصفتك كاتبًا يجب أن يأخذ مكانه الحقيقي بين نخبة الأدباء والمبدعين. لا أقول هذا من منطلق المحاباة أو الصّداقة، بل من منطق الحقّ والجدارة.

سيرتك الفجّة، الخشنة والحقيقية، تعرّي واقعًا كاملاً، بكل مستوياته، وتفرّعاته في نسيج المؤسسة الثقافية الجزائرية. لأنهم وبكل بساطة أبصروا في عينيك شيئًا مختلفًا، مثل كشّافات حرّاس الحدود، التي تتّطلع على الخبايا والمستور، هم لا يرون جسدك، أو لباسك، بل يدركون جيّدًا من لغتك وأسلوبك تهديدًا حقيقيًا ومعنويًا يقوّض وجودهم، فيفضّلون بذلك إنهاء وجودك.

كان لابدّ لك، ومقدّر لروحك وجسدك أن تمرّ بساحة الشّهداء وشوارع العربي بن مهيدي وديدوش مراد وبلكور وشاطئ الكيتاني، وأن تعاشر إنسانها وحيوانها، عاقلها ومهبولها، فاختبرت أول مدارك الكتابة: التّجربة وخدش جلد الإنسان فيك، لتُخلق مجسّات وحواس، ولتُكسر أضلع، وتطلع أنياب لبنيّة.

كنت محقّا عندما أحرقت مخطوطتك الشّعرية الأولى “أنثى الغيم”، لأنك لو لم تفعل لما وُجد عبد الرزاق بوكبة، الذي التزم بعائلةٍ وثلاث بنات، رغم الشّتات العاصمي والجوع الذي نحتكَ من رأسك إلى أخمص قدميك. فهمت الآن ما سرّ الروحانية التي تمسح بيدها على حضورك، إنّه الجوع بكلّ تجلّياته.

سيرتك فضحت كتّابًا يعجزون عن قول جملة حقيقية وصحيحة، في واقع جزائري يطمس ثقافة الاعتراف. لأكداس التبن المخزّنة في البطون، وللأقنعة المضاعفة على الوجوه، ولتماثيل الشّمع التي يصنعونها لأنفسهم، يخافون أن تُخدش أو يخبو بريقها. سأقول – يا رزيق – إنك تلج مرحلة جديدة، كالتي ولجتها عندما أحرقت مخطوط “أنثى الغيم”. والسّؤال هنا: كيف سيكون موقف عبد الرزاق بوكبّة من بوكبّة الجديد؟ وما النّصوص المختلفة التي سينجبها؟ هل سيتخلّى عن ريشته؟!

لا أعتقد أن من يصبر على التشرّد وليل العاصمة، وليل المكاتب والمكائد، سيعجز عن الوصول إلى مبتغاه، كاتبًا وإنسانًا يعتنق أفكاره ويُمارسها مع نفسه وعائلته ومحيطه. أن تكرّس نفسك للإبداع والفعل الثّقافي يوميًا، وتمشي رشيقًا في طرق الهامش المتفرّعة، جعلك تسأل أسئلة صحيحة، وتُجيب إجاباتٍ واضحة.

الشّاب الذي ركلته في خصيتيه تحت سلّم غرفة التّجارة ليلًا، ما هو إلا خوفك من المجهول، وما الشّخوص التي رافقتك في حديقة صوفيا، أو تحت تمثال الأمير عبد القادر، وفي حمّام “بستان الجنوب” بباب عزّون، إلاّ انعكاسات لشخصياتك المعتملة أسفل جلد الروائيّ، الذي نضج على نار التّجربة الهادئة.

لكلّ كتابة نضجها الخاصّ، وحالتها الخاصة. ننسجم معها فنكتب ما اتفق مع أصابعنا وخيالنا الذي يُرافقنا، بجسده ورائحة عرقه وشهواته، فيشاركنا أكلنا وأسرّتنا، ويشرب من كؤوسنا حتى ولو كانت فارغة.

لا يليق لنصٍّ تكتبه إلا تعدّد الأصوات. فالمنطق يقول ذلك، وسيرتك تقوله، وحمّام “بستان الجنوب” يشهد على القصص العديدة والحكايات الماكرة، التي تمرّدت على الرّاوي العليم، فتآمرت عليه وطردته، تمامًا كما فعلت شخوص رواية “ندبة الهلالي”.

ذكر صديقي النّاقد لونيس بن علي إن بعض القصص، تصلح أن تكون رواية كاملة، وأتذكّر إنك قلت مرّة: “إن هناك الكثير من السّرد سيكتب لو سمح العمر”. وأقول إنني أتمنى أن أعيش لأقرأ لك.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في …