الجمعة، 15 ديسمبر 2017

1984.. الرّواية التي تنبّأت بما يحدث الآن

الأمين فاروق

جورج أورويل صاحب رواية 1984

“1984”.. رواية الإنجليزي جورج أورويل)1903-1950) عادت، مجدداً، إلى الواجهة، ويبدو أنها تعكس أفضل من غيرها خوف وتشاؤم المجتمعات العصرية من مصير مستقبلها.

فقد حققت مبيعات الرواية في الولايات المتحدة الامريكية أرقاما قياسية بعد الفضيحة التي كشفت عن التّنصت العالمي الذي تنتهجه أمريكا، وحدث الشّيء نفسه بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الامريكية. ولا يمر أسبوع إلا ويظهر مقال في جريدة ينبه إلى أننا نسير نحو الكابوس الذي رسمه لنا أورويل. وقد شهدت الجزائر تلك العودة بنشر روايتين تلمحان بطريقة مباشرة لرواية أورويل وذلك من خلال عناوينهما: “2084: نهاية العالم” لبوعلام صنصال و”2084: حكاية العربي الأخير” لوسيني لعرج.

تعد رواية جورج أورويل “1984” التي نشرت في عام 1949 من أهم روايات القرن الماضي. تجري أحداثها في بريطانيا الخاضعة –  خياليًا – لنظام دكتاتوري شمولي، أين تشمل سيطرة الحزب الواحد على كلّ أوجه الحياة لدرجة تسربها إلى الأذهان ورصدها حتى الأفكار (شرطة الفكر في الرواية ترصد جرائم الفكر). يحاول بطل الرواية وينستون سميث الافلات من قبضة “الأخ الكبير” (Big Brother) الذي يمثل طغيان النّظام والرّقابة الحكومية. ويتحدّى سلطته من خلال محاولة معرفة التّاريخ الذي يتم تزييفه باستمرار، أومن خلال قصّة حبّ تحيي العواطف التي حرمها الحزب كونها تشجع الفردية بينما تشجع السّلطة على كراهية الآخر والانتماء الأيديولوجي المتصلّب الأعمى، وأخيرًا من خلال الانتماء لأخوية سريّة مُعادية للسّلطة يتّضح في النّهاية أنها مزيّفة وأنها فخّ نصب له. ويدرك بطل الرواية في نهاية الأمر بعد فوات الأوان أن الأمل الحقيقي في مستقبل أفضل يكمن في البروليتاريا أوالأناس العاديين وطريقة عيشهم العادية السليمة.

تضخم رواية أورويل القمع الممارس من طرف الأنظمة الدكتاتورية في عدة بلدان، القرن الماضي، وهذه الاخيرة حملت عدة أقنعة منها النازية، الفاشية، الشيوعية بصبغتها السوفياتية.. والتضخيم في الهجاء تقنية لا يهدف فقط إلى التّخويف ولفت الانتباه لقضية ما، بل يعمل كذلك كمجهر لمختلف القضايا التي تخصّ المجتمع فيُظهر ما تعجز العين عن رؤيته.

وقد علّق أورويل على روايته قائلا أنه لا يظن أن عالما مشابها لروايته قد يحصل في المستقبل (آخذين بعين الاعتبار أن الرواية عبارة عن هجاء) لكن شيئًا مشابهًا له قد يحصل. و أضاف أنه اختار إنجلترا مكانا للقصة لأنه يعتقد أن الأفكار الشّمولية (منغرسة في نفوس كلّ المثقفين الانجليز و قد أراد بروايته هذه أن يقودهم إلى عواقب أفكارهم تلك وليبيّن  في نفس الوقت أنه من الممكن لنظام شمولي أن يقوم في أي مكان في العالم إن لم يلق مواجهة.

لكن يُجدر بنا أن نتساءل أولاً: هل تعكس رواية أورويل فعلا أزمات عصرنا ورهانات مستقبله؟ من الصّعب الإجابة على هذا السّؤال. نحتاج في ذلك إلى العودة للسّياق التّاريخي للرواية لفهم مقاصدها كي نحكم بعدها على مدى علاقتها بحاضرنا.

أهم حدث في حياة أورويل، كما اعترف بذلك بنفسه، هي حرب إسبانيا التي شارك فيها(1936-1939)، المندلعة آنذاك بين الفوضويين أو اللاسلطويين (anarchists) والحكومة الفاشية بقيادة الجنرال فرنكو. رأى أورويل هناك روائع المجتمع الذي بني خلال تلك السنوات حسب مبادئ الفوضية – اللاسلطوية في كتالونيا: حيث ألغيت مثلا العملة المالية، فلم يعد هناك سيد وخادم بل الكل يعمل جنبا لجنب، أو أين تمّ تقسيم الثروة حسب الحاجة وليس بالضّرورة حسب المهارة كما جرت العادة. لكن لم يدم هذا المجتمع إلا مدّة قصيرة حتى اتّحدت القوى الكبرى على اجهاضه. سحق تحت قنابل الفاشيين الذين استعملوا المغاربة والأفارقة لقمع الشّعب الاسباني ودعمهم هتلر وأضعفتهم الضّربة التي جاءت من وراء، أي خيانة ستالين الذي ساعدهم في البداية والذي انتهز فيما بعد الفرصة ليتخلّص منهم ومن أفكارهم. ذلك لأنهم، عكس الشيوعيين، لا يؤمنون بضرورة المرور بمرحلة دكتاتورية لإرساء الاشتراكية العادلة. زدْ على ذلك كله تواطئ وسكوت الغرب الذي كان يرى في الفوضيين عدوا له. ذلك لأنها حركة نشأت في الأصل ضدّ الرأسمالية والدكتاتورية الاقتصادية.

رواية 1984 في طبعتها العربية

خيانة الاتحاد السوفياتي للفوضويين جعلت أورويل يدرك حقيقة الاتحاد السوفياتي الذي سمّم المشروع الثّوري ضد الرأسمالية بتبريره القمع الشنيع واحتقاره لمبدئ الحرية، وذلك كله باسم التقدم والعدل. فسعى بروايته “1984” إلى تفكيك الأسطورة الشيوعية السوفياتية ومشروعها “الطوباوي” بغية الكشف عن أنياب المتعطشين للسّلطة المتسترين وراء قناع الأخوة والثّورة والتّغيير.

فالعدو الأول للحرية والمشروع الاشتراكي – الديمقراطي، في نظر إورويل إذن، هي الشيوعية في صبغتها السوفياتية. والماركسية نفسها تنعت الحريات الفردية في ديمقراطيات الغرب ﺑ “الوهم” البرجوازي بينما يؤمن أوروبل باشتراكية تحافظ على التقدّم الذي تمّ تحقيقه في الغرب – خاصة مكسب الحريات الفردية وعلى رأسها حرية التعبير –.

ولكن أين هو عصرنا من كل ذاك؟  انهار معسكر الشّرق وصرنا في عصر العولمة وانتصار “الرأسمالية العالمية”. لم تعد فكرة الشيوعية تحرّك ساكنا بينما كانت إلى غاية السبعينيات تتسبب في مظاهرات في العديد من دول العالم. أما اليسار الغربي فلم يعد فيه ما يميّزه من اليمين، وليس ماكرون في فرنسا وترامب في أمريكا إلا مؤشرات تنذر بمعضلة الفراغ الأيديولوجي السّائد وسيطرة المال على السياسة. بالتالي، وفي ظلّ الفراغ الأيديولوجي الذي نشهده اليوم، ألا تصير رواية أورويل (التي تهدف إلى تفكيك مشروع طوباوي لم يعد له وجود أصلا) ستارا يخفي غياب البديل للرأسمالية المنتصرة (أين يملك %1 من سكان العالم قرابة 50% من الثروات العالمية و50% من سكان العالم لا يملكون شيئا) بكل سوءاتها التي يتضاعف أثرها على بلدان العالم الثالث عندما لا يجدون سبيلا سوى الانفتاح أكثر على سوق عالمية التي لا ترحم!

يقول المخرج المكسيكي ألفونسو كوارون معلقًا على فيلمه “أبناء الانسان”(Children of Men) المقتبس من رواية الكاتبة الإنجليزية فيليس جايمس أن الديكتاتورية الهرمية التي يوجد على رأسها أخ كبير (Big Brother) هي تصوّر قد ولى عهده، فهو اختراع من صنع القرن العشرين. تحمل الدكتاتورية اليوم، حسب المخرج، أقنعة أخرى، كقناع الديمقرطية مثلاً، كما حصل في المكسيك. ويضيف الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك أننا ربما في عصر الأخ الأصغر؛ فمن يشدّ بزمام الحكم يشبه جارك بقميصه ونظاراته، مثل بيل غيتس الذي يملك ثروة ونفوذا عظيمين في العالم بأسره بفضل الملكية الفكرية التي يجدر بها أن تكون ملكية مشتركة. والأخطر من ذلك كلّه أن من يدفع له يعتبره قدوة ومثالا للنّجاح. وفي حقيقة الأمر، أغلب التكنولوجيات (كالأنترنت مثلا) تم اختراعها من طرف القطاع العام – يعني بأموال الشعب – ليستولي عليها فيما بعد القطاع الخاصّ ويكسب من ورائها أموالا طائلة ونفوذا واسعا. وتجد فيما بعد أمثال بيل غيتس على قائمة المتبرعين في أفريقيا وآسيا، فكأنما يأخذ بيد ويعطي بالأخرى.

رغم كل هذا، فمازالت رواية أورويل تعكس العديد من جوانب عالمنا الحالي، كانقسام العالم إلى قوى كبرى تتنازع المناطق الباقية في الكوكب وتُبقِ الحروب فيها لتجعلها مصدرًا للثّروات تنعش بها اقتصادها وتجعل منها في نفس الوقت فزاعة للفت الانتباه وتفادي مطالب التغيير الداخلية.. وأخيرا، تتضمّن رواية “1984” رسالة قوية للمثقف أو المفكّر المنفصل عن حقائق مجتمعه وشعبه والذي يعيش في عالم الأفكار المجردة والأيديولوجيا – أيّا كانت – والتي تعيقه من النظر إلى مختلف مسائل المجتمع بمنظار سليم. تجرُّدٌ قد يقوده إلى جنون القول (مثل أوبراين في الرواية) بأن 2 زائد 2 تساوي 5.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رودريغو بلانكو كالديرون.. لا فرق بين الجزائر وفنزويلا

 ترجمة: سماعن جلال الدين نشرت مجلة “لير” الفرنسية، العام الماضي، مقالا عن الكاتب الفنزويلي رودريغو …

“مولانا” يعيد فتح جراح الجسد العربي

زهور شنوف أخيرًا، وصل فيلم “مولانا”، إلى الجزائر، وعُرض مؤخرًا ضمن “مهرجان وهران الدّولي للفيلم …