الأحد، 16 يونيو 2019

أخطاء لغوية غيّرت مجرى التّاريخ!

رشيد فيلالي

قلت مرّة بأن الكلمة أخطر من الرّصاصة ولعلها في الحقيقة أخطر من القنبلة الذرية.

والدّليل على ذلك، أن خطأ بسيطًا في ترجمة كلمة أدى إلى هلاك أكثر من 70 ألف شخص، هم ضحايا قنبلتي هيروشيما وناغازاكي خلال الحرب العالمية الثانية،

وتفاصيل هذا الخطأ الذي غير مجرى التّاريخ، أنه في مؤتمر الحلفاء المنعقد في بوتسدام شهر جويلية عام 1945 تقرّر إعطاء إنذار أخير لليابانيين من أجل إعلان استسلامهم بدون قيد أو شرط.

وفي تصريح النّاطق الرّسمي باسم السلطات اليابانية الوزير الأول كانتارو سوزوكي، أكّد للصّحافيين بأن حكومته تلتزم الصّمت وليس لها أي تعليق على قرار الحلفاء، وكان قد استعمل في تصريحه المقتضب كلمة “موكوساتزو mokusatsu” المتعددة المعاني، التي من بين ما تعنيه الاحتقار وعبارة الصمت بدون تعليق.

لكن وكالة الأنباء اليابانية فسّرت تصريحه بأنّه تجاهل واحتقار لطلب الحلفاء، وقد استاء بشدة الأمريكيون لهذا الردّ غير المتوقع، وبعد عشرة أيّام وقعت الكارثة المرعبة بإلقاء القنبلتين الذريتين المشؤومتين على هيروشيما وناغازاكي.

في حين أن مقصد الوزير الأول الياباني هو غير ما فهمه الصّحافيون كلية، أي أن السلطات اليابانية كانت تلتزم الصّمت مؤقتًا وليس لها أي تعليق على قرار الحلفاء، ربما بقصد دراسة مخرج يحفظ لها ماء الوجه وليس احتقارا وتعاليا من جهتها، لكن ذلك فهم بعد فوات الأوان..

وكما هو واضح يعتبر هذا الخطأ البسيط الأفظع في تاريخ البشرية جمعاء.

وتكشف أدبيات التّرجمة عن وقوع الكثير من الأخطاء في هذا المجال، مما ترتّب عنه سوء فهم وتفاسير مغالطة للمعنى الحقيقي للنصوص الأصلية، وربما تحوّلت هذه الأخطاء مع مرور الزّمن إلى ما يشبه الحقيقة الثابتة التي لا تقبل الجدل.

لنأخذ على سبيل المثال ترجمة ما جاء في الإنجيل على أن آدم وحواء أكلا من شجرة التفاح، وهذا في الواقع ناتج عن ترجمة خاطئة للكلمة اللاتينية (pomum)، التي تعني أي شجرة مثمرة وليس شجرة التفاح تحديدا، التي يطلق عليها باللاتينية (malum).

وقل الشّيء نفسه عن الخطأ في ترجمة العبارة الشّهيرة “لن يدخل الغني الجنّة حتى يمرّ الجمل من سم الإبرة”. والخطأ هنا وقع نتيجة تشابه في كتابة كلمتي الخيط والجمل في اللغة اللاتينية (kamelos التي تعني الجمل وkamilos التي تعني الخيط)، مما يعني بأن المقصود هو مرور الخيط في سم الإبرة وليس الجمل!

ومن ثمّة فإن المقصود واضح، وقد يكون المعنى سهولة دخول الجنّة للغني مادام يملك ما يتصدّق به على الفقراء، هذا إذا سلّمنا جدلا بصحّة تلك الأناجيل الموضوعة جميعا والتي لحقها الكثير من التزييف والتحريف والتخريف وبها تناقضات لا يحصى لها عد.

خطأ بسيط في ترجمة كلمة أدى إلى هلاك أكثر من 70 ألف شخص

وهناك أخطاء أخرى كثيرة من هذا القبيل، تبدو مضحكة وطريفة للغاية، مثلا أن أحدّ المترجمين الإنجليز نقل إلى لغته العبارة الفرنسية: Dieu défend l’adultère  إلى العبارة: God defends adultery. والمعني متناقض تمامًا، لأن الجملة الفرنسية تعني “إن الله يمنع الزّنا” وفي العبارة الإنجليزية “يسمح ويُدافع عن الزنا”! وهذا مخالف للمعنى المقصود كلية.

ولعل القارئ يتذكر الخطأ الفادح الذي وقع فيه المترجمون الألمان في نقل تصريح للوزير الأول الروسي ميدميداف ضمن مقابلة قدمّها للصّحيفة الألمانية “هاندلسبلات”، العام الماضي 2016، حيث ترجمت العبارة “كلّ عملية عسكرية ميدانية في سوريا قد يترتّب عنها نتائج تحوّل الحرب إلى حرب مستمرة” وقد تم ترجمت كلمة “مستمرة” إلى “عالمية” وتناقلت كلّ وكالات الأنباء العالمية هذا التصريح الصاعق، الأمر الذي أدى إلى شيوع مخاوف جدية حول إمكانية تحوّل الحرب في سوريا إلى حرب عالمية ثالثة، في حين أن المقصود غير ذلك تمامًا ولحسن الحظّ تم تدارك الخطأ وتصحيحه.

لكن.. ليس كلّ الأخطاء سيّئة ومرفوضة بالجملة، حيث هناك أخطاء محمودة وحتى مباركة!

مثلا اسم محرك البحث الشهير غوغل، هو في الأصل وليد خطأ كتابي غير مقصود، إذ كان من المفروض أن يكون الاسم على هذا النحو “غوغولGoogole” وهو اسم ثقيل نسبيًا من حيث النّطق، علما بأنه مصطلح رياضي تم ابتكاره في أربعينيات القرن المنصرم في مقابل رقم واحد أمامه 100 صفر، وقد تمّ قبول الاسم الجديد “غوغل” الذي بدا مقبولا وخفيفا على السّمع.

هناك أيضا حادثة مثيرة، وقعت العام الماضي، تتمثل في محاولة بعض الهاكرز السّطو على ما قيمته مليار دولار من البنك المركزي لبنغلادش، وبسبب خطأ في كتابة اسم شركة، لم يتمكّن اللصوص إلا من سرقة 81 مليون دولار فحسب، بعد أن اكتشف أمرهم، وحتى الآن لم يتم القبض عليهم.

ومع ذلك يجب القول بأن للأخطاء تداعياتها السلبية على أكثر من صعيد، مثلا أن مواقع السياحة في فرنسا تخسر ما قيمته 120 مليون أورو سنويا من جراء سوء الترجمة، حيث 65 في المائة من هذه المواقع تتضمن أخطاء فادحة، و33 في المائة منها ليس لها أي ترجمة بالإنجليزية، نقول ذلك من باب أن فرنسا تعتبر من أكبر الدول السياحية في العالم.. فتأمّل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …