الخميس، 4 مارس 2021

فوزية خليفي تكتب قصّة صورة

قلّبتُ خلفها مائة صفحة، لكنها بقيت تطالعني.. تململت.. قمت من مكاني، رحت في أرجاء المكان وجئت، نفضت رأسي كطائر ينفض ريشه من سيل المطر؛ مازالت هنا.. لم يطرف لها جفن: تلك الصورة..  في النهاية، استسلمت لها واستغثت بأوراقي لأكتب شيئا يحرّرني منها، أو يأخذها عني.

كنت سأكتب عنك، فالمفروض أنّ “الأخرى” غريمتي، ومن غير اللائق في عُرف النساء أن أنظر حتى إليها.. لكن.. كيف أكتب عنك؟ لم أتعوّد أن أفعل أنا؛ فقد تولّى قلبي دائما هذه المهمة.. كان يكفي أن أفتح له النافذة، ليحلق في كون كله أنت.. وتتبعه الفراشات، والأشجار والأغاني القديمة، وغنج الفساتين في أفلام الأبيض والأسود.. قلبي الذي تمْلِكْ.

لكنّي بدل ذلك، وجدتني أنظر إليها هي: تتّكئ على صدرك بفرح طفولي يرقص في عينيها.. أكنتَ أمانها وأنا سرقتك ؟  أكنتَ حبيبها .. وأنا أخذتك ؟ فكرت بالتصاق ذراعها بك.. وارتعدت ليدها الموضوعة على ساقك، وراقبت مليّا .. طرف سترتك الذي انسدل فغطى شيئا من كتفها، واعتصر قلبي ألم.. وهاجت بي الظنون: لا تلبس أنثى فستانا أحمر كفستانها، إن لم تكن عاشقة..  فكرتُ بأنك مددتَ يدك في وقت ما، لترفع سحاب فستانها من جهة الظهر، حين طلبت هي منك ذلك.. لا بدّ أن أصابعك لمست شيئا منها أثناء ذلك.. وهي ترتديه في أوّل السهرة.. وهي تخلعه في آخرها.. وأنتما معا.. فقط معا، في غرفة واحدة.

طيّر عقلي الجنون..  طاردني كمُّ ّ القُبلات التي تركتَها على عنقها..  لم أكن أتصوّرها بهذا الجمال.. تلك الأخرى.

لم أكن أتخيّل أنكما، لوقت قريب، كنتما معا.. حميمين جدًا..  وأنّها كانت تدعوك أيضا “حبيبي” وكنت تدعوها كما تدعوني.. وأنك أسمعتها شعرًا وغزلا، كالذي أسمعتني، وأنها راحت تتفاخر به أمام صديقاتها..  هل ألومها ؟ ذنب من أنني أتيتك متأخرة، بفارق عمر ؟ هل هو ذنبها ؟ من سيمحو ذكرى الليالي التي “مرّت” من دهاليز خيالك ؟ كيف أمسح كل ما كانت هي فيه، وأعوّضه بقلق سجائرك وأنت تنتظر لقائي عند منعطف الطريق؟ أو بفرحة النسيم الممتزج بأنفاسنا العاشقة، على وقع الهمسات المسروقة من شجن الحنين.. أو بشهقة أغصان الدالية.. حين توقفت أوراقها الخضراء عن التمايل مع هبوب المساء، في ذلك اليوم الذي قبّلتني فيه، تحت فيئها ؟ أو باختلاج طاولة الخشب الصغيرة، من عناق أيدينا عليها، في مقهى الشارع المنزوي.. خلف أعين الرقباء.. كيف أختصّ فيك بذاكرة لي وحدي.. تشملني أنا بدلاً منها، في كل تلك الأوقات؟ كيف أقحم طيفي في كل صور الميلاد والمناسبات العائلية التي تظهر فيها، حتى قبل أن تكون هي هناك؟ كيف أصنع تاريخا..معك ؟ في ظروف أخرى، كنت لأتشدّق بكل النعوت السيئة عن “أخرى” تسرق رجلا من عائلته.. أدركت اليوم، حين رأيت “الصورة” أنني “الأخرى”، وأنك لست فقط ” حبيبي”.. بل أنت كنت حبيبها قبلي.. وكنت لها.

شعرت بتقارب شاذ غريب وألفة بيني وبينها: أُخُوّة عاشقتين لرجل واحد.. ربما كان يجب أن أتريّث، قبل أن أهطل عليك غيمة استوائية المزاج.. تمطر كثيرا، في كل وقت.

ربما لو لم أكن جئت أنا، لكنتَ وجدت وقتا للتفكير، والحنين، والعودة إليها. في النهاية، هي كائن بقلب مرهف، وقد أحبتك يوما.. وأنجبت منك عشاقا صغارا، يحملون عينيك وضحكتها الجميلة.. ربما.. وربما.. وقبل أن أكتب أي شيء، همستُ لروحها : “سامحيني”..

———

  • من مجموعة قصصية قيد النشر بعنوان : المقعد الوثير الأحمر

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …