الأربعاء، 26 فبراير 2020

هنري علاق: الرجل الذي طرح سؤال التعذيب

“أجمل اعتبار تقوم به الدولة الفرنسية لهنري علاق هو أن تعترف رسميا بممارسة التعذيب في الجزائر”. هكذا كتب باتريك لوهاريك في افتتاحية جريدة “لومانيتي” لسان حال الحزب الشيوعي الفرنسي في اليوم الموالي لرحيله.
عندما وصل هنري علاق ( 1921-2013) الى الجزائر، لم يكن سنه يتجاوز العشرين ربيعا، اختياره الانضمام طوعا في صفوف الحزب الشيوعي الجزائري والتحاقه محررا ثم مديرا لجريدة “الجزائر الجمهورية” لسان حال الحزب الشيوعي الجزائري، شكلت ثمرة قناعاته في إدانة السياسة الاستعمارية، والدفاع عن المستضعفين في الأرض، والوقوف إلى جانبهم، وتحويل معاناة صمتهم إلى صرخة تبوح بالحقيقة وتفضح الزيف.

هنري علاق

بتاريخ 12 جوان 1957 أعتقل هنري علاق بعد نشره لمجموعة من المقالات في فرنسا، تدين سياسة الاستعمار العنصرية، في يوميات السجن كتب معاناته مع الجلاد وصيحته المدوية في فضح التعذيب، وكان “السؤال”             la question ، كتاب التعذيب بامتياز، كتاب المعاناة والسجن والاعتقال، كتاب الحيف، الظلم والاحتقار. لم يلبث أن قامت السلطات الفرنسية بمصادرة الكتاب في محاولة يائسة منها لطمس الحقيقة، وإخفاء الوجه الآخر البشع للاستعمار.
كتاب “السؤال” (1958) الذي وضع مقدّمته الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، لم يوقفه التعتيم ولا المراقبة، لأنه كتاب الحقيقة النابعة من ضمير إنسان مثقف وقف مع الحقيقة في وجه التضليل، آثر الإنسانية على الانتماء للوطن وكان “إنسانا قبل أن يكون فرنسيا” على رأي مونتيسكيو.

يتناول هنري علاق في كتابه تفاصيل إلقاء القبض عليه سنة 1957 على أيدي فريق المظلات الفرنسي بقيادة الجنرال ماسو. بعد أيام قليلة من اعتقال رفيقه في النضال موريس أودان. يشرح من خلاله ظروف اعتقاله، وتعرّضه للاستنطاق، باستخدام مختلف ألوان التعذيب. ومن بين أنواع التعذيب ما يعرف بالإغراق في الماء: يكتب هنري علاق:

” لقد قاموا بالتقاط قطعة الخشب التي كنت لا أزال مربوطًا بها وحملوني إلى المطبخ. وثبتوا أنبوبًا مطاطيًا في صنبور معدني يتواجد فوق وجهي تمامًا. وقاموا بلف رأسي بقطعة قماش… وعندما أصبح كل شيء جاهزًا، قال لي أحدهم: “عندما ترغب في التحدث، كلّ ما عليك فعله هو تحريك أصابعك.” ثم استدار نحو الصنبور. ثم غُمرت الخرقة سريعًا بالماء. وفاضت المياه في كل مكان: فمي وأنفي وفي جميع أنحاء وجهي. ولكن للحظات كنت لا أزال قادرًا على تنفس بعض نسمات الهواء البسيطة. وحاولت، من خلال قبض حلقي، أن أبتلع أقل قدر ممكن من الماء ومقاومة الاختناق من خلال الاحتفاظ بالهواء في رئتي لأطول فترة أستطيعها. ولكن لم أستطع الاستمرار لأكثر من لحظات قليلة. وتولد لدي انطباع بالغرق، واستولى علي شعور بالعذاب الرهيب، المتمثل في الموت نفسه. ورغمًا عني، كافحت كافة عضلاتي دون جدوى لإنقاذي من الاختناق. ورغمًا عني، أصبحت أصابعي تهتز دون سيطرة. وسمعت صوتًا يقول “هذا كل شيء! سيبدأ الآن بالتحدث”.

كتاب “السؤال”

لقد كان لكتاب “السؤال” دور فعال، في الكشف عن الممارسات اللاانسانية للاستعمار الفرنسي، وخاصة التعذيب الوحشي الممنهج. بيد أن كتاب “السؤال”، ورغم جميع محاولات حظره، حقق حضوره في فرنسا والجزائر والعالم، وبلغ أمام دهشة الاستعمار إلى تحقيق رقم كبير في الانتشار، حيث وزع منه أكثر من مائة ألف نسخة، وترجم إلى عدد كبير من اللغات.
هنري علاق، جزائري بمواقفه وبنضاله الذي استمر في كتاباته المنددة بسجن غواتنامو بممارسات أمريكا في العراق، وبوقوفه كتابة ونضالا الى جانب القضايا العادلة في العالم، يستحق منا على الأقل أن نسمي باسمه مؤسساتنا التربوية والعمومية، يستحق أن نضع نضاله في كتب التاريخ ليقرأ مساره وكفاحه الأجيال، ليكتشفوا المعاني الإنسانية، باعتبار أن الضمير حي في كل مكان من العالم مادامت القضية عادلة.

لقد حان الوقت لنرتفع كجزائريين إلى سقف أعلى في الإنسانية، من خلال الاحتفاء بالأسماء التي وقفت معنا أثناء الاستعمار، والتي حملت هموم قضيتنا وعانت في ذلك مرارة الإقصاء والتهميش بل ومرارة السجن والاعتقال والتعذيب، بصرف النظر عن جنسيتها وعقيدتها وانتمائها، إن ما قدمه هنري علاق وسارتر وموريس اودان على سبيل المثال لا الحصر خدمة لقضيتنا، يزن ثقله ذهبا في التعريف بقضيتنا أمميا ودوليا عبر جميع أنحاء العالم، في حين ننسى أن بعضا من بني جلدتنا للأسف رغم ما يجمعنا معهم من انتماء في الدين واللغة والوطن، وقفوا جنبا إلى جنب مع الاستعمار، بل وشاركوا في الوشاية وعمليات التعذيب التي طالت أبناء بلدهم.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاطئ : حلبة جديدة بين الدين والفلسفة

أحمد عمراني الشاطئ موضوع فلسفي مهم وجديد. قد يبدو للوهلة الأولى أنه موضوع سوسيولوجي أو …

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …