الخميس، 4 مارس 2021

فضيلة بهيليل تكتب: زيّارة

فضيلة بهيليل

“الجوّ بارد، الزّهرة، غطّي راسك جيدا”

“إيه عمتي، من يومها ورأسي بلا عقل”.

قلتُ وأنا أُعيد وضع شالي البنّي على رأسي بعدما أزاحته هاته الريح الليلية الباردة دون شعور، وأنا أذكر يوم كنت أرفع المبخر بيد، أدور على الغرف لأعطر جدران المنزل المترهل ذكريات.

أنبش بعود صغير قطع الجمر وأنفخها بفمي لتحمرّ وتحمرّ فيئن المبخر ناثرًا دخانه عطرًا، تاركًا خيط التّذكار يعود إليك، يوم غادرتني وأنا أحمل المبخر نفسه الذي حملته الزّهرة بعدي، أعطر به شاشك الأبيض وعباءتك كلما خرجت لصلاة الجمعة، متمتمة بكلّ ما حفظتُ من أدعية مستحضرة الأولياء والصّالحين.

“ياسيدي بوجمعة، يا سيدي بودخيل، يا رجال الله الصالحين، أسألكم الحفظ والتّسهيل للغالي أحمد بن عبد القادر”.

رحلت يا كلّ أملي وأخذت معك حكاياتنا الصّغيرة الجميلة التي ملأت عالمنا البسيط.

– أمي، أمي، عطّريني؟ قال سعيد وهو يتبع آثار دخان البخور الذي ملأ كلّ ركن من أركان البيت، رافعًا عباءته البيضاء بينما وضعت الزّهرة المبخر بين قدميه وشفتاها تنفرجان عن ابتسامة:

– تشبهه أيها العفريت.

سمعت الحاجة صفية كلامهما وهي غير بعيدة عنهما فهاجت عليها ذكرى ابنها باكية: “من يوم رحلت يا ولدي جفّ دمع الوادي الذي كان يزورنا فيحمل كلّ ما خلّفت أبقار الحاج عيسى من روث ولّد بعوضا عند بداية كل صيف فثقب جلودنا كما المسامير ليلا…إيه يا ولدي، كلّ الهموم تساوت بعد رحيلك، لاشيء صرت أرقبه اليوم غير اللحاق بك”. وتنتحب.

  • يكفيك عذابًا لنفسك يا لالّا، دعيه يرتاح في قبره.

هزّتها من خلفها كنّتها الزّهرة بيد، بالأخرى كانت تحمل صينية شاي معبّق بالشّيبة، التي تُضيف لمذاقه عطر الذّكرى.

خلف الباب، قابعة وسط حوش الدّار، تنظر هذه العجوز إلى هذا الصّمت المحلّق من رمل تبحث فيه عن أثر تتعزّى به، تتبع خيوط الشّمس لتدفّئ هذا الجسد الذي سكنته العلل، شاكية في سرّها، في عالم غير الذي هي فيه. “إيه يا ألمي.. كلّ أصحابي تفرّقوا وبقيت أنا عود “كلخ” لا يصلح لشيء”.

إلى أعلى رفعت الزّهرة إبريق الشّاي، تتذكّر أيّام زوجها أحمد، الذي كان يفترض أن يكون زوجي أنا، حين كان يزهو معها ليلا على صوت الڤمبري أثناء وعدة “سيدي بلال” وهما في السّطح يخطان من المحبّة سفرًا مرقومة بدايته بجلسة شاي رفيع الجودة، يكون أحضره صهرها حين عودته من المدرسة القرآنية بآدرار، ويقول بابتسامة مكر: “هذا شاي مُسكر فلا تنسي يا زوج أخي أن تشبعيه جمرا”، فتومئ بخجل.

  • الليل هنا غريب عني والنجوم كذلك، لكنما البرد واحد، برد قاتل بهذا الشتاء الهضابي، كعقاربه التي أودت بحياة ابن جارنا مسعود حين لسعته في ليلة صيف حارّ، فأفاق يبكي فنهرته أمه آمرة إياه بالنوم، غافلة عن أنها تسكن أرضًا غير التي سكنتها قبل عام، عقاربها تقتل بصمت كلما اشتدّ الحرّ واقترب شهر الموت شهر أوت، فلا أحد ينجو من ذكَر العقارب “عقرابو” الذي يكسو رجليه زغب كثيف مثير للاشمئزاز.

ثم تستدرك: “نمتي لالّا؟” تقول الزّهرة وهي تمسد على شعر ابنها الذي وضع رأسه على فخذها مستنشقًا عطرها الذي سحره حدّ النوم، فلم يتحرّك، بينما أسندت الحاجة صفية الوسادة معاودة ربط الفولارة بحركة آلية. ثم تتنبه: “ومن أين يأتيني النوم يا بنتي؟ لو اقتصر الأمر على البرد لكان ذلك أهون. وقتنا يا ابنتي كان فيه العجب. لكن رغم ذلك كانت البركة والنية”.

تصمت قليلا. تبصر سعيد وهو يتمتم مجسدا كلامه بحركات متباطئة من يده ثم يعود إلى هيئته الأولى، فتبتسم الحاجة بحنين: “كان هو أيضا يتكلّم أثناء نومه. ريحته لن تغادر الدّار مادام ابنه فيها. الأبناء ملح الدار، الأبناء نعمة يابنتي”.

ترد الزّهرة برضا: “الحمد لله على هذه النّعمة”.

ترتجف شفتا الحاجة عند ذكر سيرة الأبناء. تجاهد النهوض رادّة الوسادة إلى الخلف بين رزمة الفراش وظهرها. تبغي أن تعرف إن كانت الزّهرة لا تزال تنصت. وحين اطمأنت بعثرت نظرها في الفراغ. وفي بوح، تهمس:

  • أتذكر ما فعلت حماتي بلقيط ابنتها فيرتعش جسمي كلما مرت الصّورة بخيالي كأنما ذلك العقرابو لسعني، ويصّاعد النمل من قدمي جيوش حرب تاتار كلما أبصرتها تسامر حَمِي فيسكر، فتنسل من الخيمة هي وزوجة ابنها باتجاه الزريبة حيث كانت تختبئ وصمة العار، تحمل في يدها مشرطًا وقدر ماء مغلّى على حطب رتم عتيق، في ليلة مقمرة، تطل عليها “هزي بوتد الزريبة وشدّي بطرف خمارك فمك وإياك أن يسمع أبوك نفسا فتفضحينا يا ابنة الكلب”.

تبزغ شمس البراري مبتسمة في حياء على العار البريء الذي وئد تحت رمل مغبرّ بروث الغنم، نهاية بداية لم تكتمل. ليتني ما رأيت. ليتني ما سمعت. وليتني ما كنت هناك يومها.

بجلسة الحنّاء الصغرى للعروس التي دعيت إليها الحاجة صفية وكنتها، أذكر، جلست والدتك تحكي وقد تجمعت بنات العائلة حولها وأنا بينهن أنصت بشوق وأفتش في ملامحها خفية عن أثر منك بكلامها وهي تقول: “يومها خرجتُ مُعطّرة صدري وجيدي، أضع خلخالي الفضي الذي أهدتني إياه أمي قبل أن تتزوج وتتركني. لمحتُه بين شعبة وواد يلوّح لي. وما كنت عرفته ولا رأيته قبلا. اقتربت وأنا أتلفت يمينا وشمالا خشية أن يراني أحد. أدنو، وهو أبدا لا يدنو. كلما تخيّلتني سأصل وجدت المسافة التي بيني وبينه هي نفسها لم تتقلص خطوة واحدة. حينها أدركت أنه من العالم الآخر تراجعت وهربت.”

تضحك الفتيات. تقول إحداهن في تعليق بهيج: “ليتك ذهبت معه وتخلصت منهم جميعا”. ترد الحاجة صفية في حسرة: “ليتني فعلت”.

مثل ألم تهب ريح شتوية شرسة فتلتفّ الزهرة داخل برنوس قديم مزيحة جزءا منه لحماتها التي أعيتها أيامها تمر ولا تمر.

أتسلل كحلم زائرة طيفك ،أفتش في اللحاف عن بقايا منك فلا أجد سوى رائحة الذكرى تسفع وجهي بحرّها، ففي الرماد كان طيفك ينفخ بلا وهاد، وبالأوهام كنت أنا به أتشبث وبعناد.

* * *

“سعدك يا حليمة واللي رضّعتيني نبينا

سعدك يا حليمة واللي ربّيتيني نبينا”

بهذه الترنيمة افتُتح، كما كل مرّة، موسم المولد النبوي. سكان المنطقة يسمونه المولد. لدى حلوله يرددون على السطوح بالبندير ما حُفظ عن الأولين:

” يا عايشة لا ترقدي

حلّي الباب واتصنتي

والليله يزيد النبي”.

وأبدا أذكر غيرتي الأولى من الزهرة وأنا أشهد طوافها على المنازل توزع أكلة “الرّوينة”، التي تعدها نساؤنا من القمح المحمص على النار والمطحون على رحى الحجرة القديمة والمعجون بالماء والسكر والزبدة أحيانا والقرفة أحيانا والمكور كويرات بحجم الكف، يُتصدّق به على الجيران السبعة المقاربين لمنزل والدها، مثلما كانت تطوف أيام صباها بالمنازل حاملة لوحتها التي تحفظ بها القرآن في الكتّاب كلما ختمت حزبا، طارقة الأبواب فيبارك كل من فتح لها بقمح أو شعير أو بيض أو تمر أو دقيق مرتبة كل ذلك في سلتها من السعف، وإن لم يجد فبدعوات بالحفظ وبالتسخير وبالرجل الصالح.

لا يزال البرد بين الحين والحين يقرص ذاكرتي فأرده بما احتفظت به وحافظت عليه بعد رحيلك: برنسك الأزرق الذي أهديتني إياه قبل أن تزوجك عمتي صفية للزهرة ابنة أختها. بمَ فضلتها علي وهي تعلم حبي لك وحبك لي؟ آه عمتي، لا أستطيع أن أسامحك حتى وأنت أمامي في أرذل العمر. كان عنادك الذي قهرني أكبر من غفراني، ومن صبري عليه.

يوم عرسكَ لم أعرف كيف طاوعتني قدماي على الرقص، كأني أبرر لنفسي وللجميع أنني أستطيع نسيانك. رقصتُ كي لا تأسرني غيرتي، كيلا يقتلني حبك. ولم أكن أدرك أني أرسل إليك جسدي حركةً حركةً في بيت “الحضرة” الذي يقام عند “المقدمة”، تلك الصالحة التي كانت تفتح باب منزلها كل جمعة فتقصده النساء بعد صلاة الظهر، وقد أُحميت لهن البنادير الجلدية على النار وفُرش لهنّ في البهو الفسيح، فيرددن مدائح عن الرسول على تصفيق تهتز له كل نفس مسكونة شجنا يثيره ضرب على الدف يهيج إيقاعه الصدور  فتلفظ، كما بحر، كل ألم دفين. هذه امرأة تدخل بلا استئذان جاذبة فانحلت عقدة خمارها وانفكت ضفائرها فتطاير شعرها ثم سقطت أرضا بتوقف النقر فهرع إليها بعض أهلها من الحاضرات ورششن على أنفها عطرا وتبخيرة “سبعة وعشرين”. أما هذه المرأة الثانية التي جذبت، في الجولة الثانية، فكانت بلا أهل. كانت ترقص داخل الحلقة وقد حزمت خصرها بخمارها كلما فقدت توازنها شدتها من أحد طرفيه هذه أو تلك من النساء إلى أن غشي عليها وسقطت فقامت المقدْمة صاحبة المنزل وتكفلت بها.

كان طقَس الرقص لا ينتهي إلا مع آخر خيط تغيب فيه الشمس من وراء جنان “حمّو” خلف القصر فتخرج كل واحدة منتشية وقد نفضت حزنها  كما تنفض نساء التويزة دقيق السميد المتطاير من حجورهن كلما أنهين فتل الكسكس تحضيرًا لوليمة أو عرس.

يومها لم تكن هناك يد تشدني ولا خيط يلف خصري. فقد سقطت بعد ذلك على قدري وانتثرت في عرسك كل أحلامي فداستها قدم أمك وهي تقول لأختها التالية: “أحمد للزّهرة والزّهرة لأحمد”.

أيّ ريشة رُسمت بها طريق قدري وأي حبر؟ وأي فاجعة استفاقت عليها أمانينا في أواخر ذلك الشهر؟ شهر فرحك وسنة حزني الذي كاد يودي بي للجنون. ذاك المساء بكيت، جننت، تهت. وحدها “سمرا الخديمة” جالستني عند الشعبة المالحة وهي ترى دمعي. أحسست غيظا يخنق صوتها وهي تقول: “أنا ابنة شيخ قبيلة، أتعلمين؟ كان له أزواج وأبناء، وأمي كانت مملوكته التي أقام لها خلف خيامهم ڤيطونا صغيرا تأوي إليه كلما أنهت أشغالها. كانت تعلّف الماشية وترعى الإبل و تجمع الحطب. لا تعود إلا آخر الليل.

وتستفيق قبل آخر نجمة، “نجمة الوضّاح” التي تنبئ بطلوع فجر جديد. يوم وضعتني وأسمتني “سمرا” استنكرتني نساء أبي وكرهني أبناؤه كرها شديدا فعاملوني كما يُعامل العبيد لأني في نظرهم كذلك. لما اشتد عودي تركوا لي مهمة رعي الإبل، فاستضعفني الرعاة وهتكوا عرضي وغدا أمر حملي يخيف أمي المسكينة التي ما تركت عشبة تُسقط الجنين إلا وناولتني إياها من إكليل جبل وقرطوفة وحشائش لم أعرف تسمياتها، دون جدوى، حتى الكمأة السريعة المفعول لم تنفع معها وكأن ابن الخطيئة يتمسك بوالدته كعقاب. أمي تقول “ابن الحرام يلتصق مثل العلقة “. وحين استنفذتْ كل الطرق حزمتْ لي ملابس قليلة داخل قطعة قماش وبعضا من خبز بارد وماء، وأعدّت لي جَملا للسفر. ثم ليلا ودّعتني بالدمع. كنت أحس قلبها ينفطر. سمعت نحيبها تناثر على أرض لم تفرح بها يوما. كتمت صوتها خشية أن يسمعني أحد إخوتي فيذبحني. صبح ذاك استفاق الإخوة، الذين لا يعترفون لي بأخوة، على سباب لعقته أمي فاطمة ختموه لها بإخلاء الديار.

سكتت “سمرا الخديمة”، تمسح بطرف منديلها الأزرق الملفوف على رأسها دمعا لا بد تساقط جمراً أحرقها بالتذكار. أضافت بحسرة: “قصصهم تشيّب الغراب اللّي عمره ما شاب. وتفرّق أكثر من سحر اليهود بين لحباب”. ردّت خالتي مريم، التي جلست بمحاذاة سمرا، واضعة يدا على خدّها وبالأخرى تمسّح فراش الصوف الذي أحضرته فبسطته على الأرض بحنين خفي إلى تذكار من ذلك الزمن: ” الله يرحم ترابك يا فاطمة وما شفتي في دنيتك غير العجب”.

تابعت سمرا بعدما استفسرتُ منها: “ولمَ لم يتدخل والدك وهو رجل حق كما سمعت؟” تنهدتْ. أحسست أني نكأت لها جرحا لم يندمل تماما. قالت، كأنها تنفخ في بوغة تذكار توهّج جمره من جديد: “والدي كان في حكم الله. لا من درى ولا من خبر ليه جاب. وأمي، آه يا أمي!” استحثتها خالتي مريم في استغراب: “وماذا حدث لك ولوالدتك الوليّة المسكينة؟”

قالت: “في تلك الصبيحة حزمتُ أمتعتي القليلة ورحلت. كانت أمي قضت نحبها في جبل عنتر بعدما شلها البرد وجمد حركة دمها. كان ذلك فاجعة هدّتني”.

أنهت حديثها حين رأت موكب عرسكَ مقبلا. ذلك قطع كل أمل في اجتماعي بك ثانية وفتح لسمرا بابا آخر استعرضت عبره حزنها على الحاضرين. فرقصت ورقصت. من الغبن أنا صفقت. هززتُ. رقصتُ أيضا.

الآن أستفيق من ذكرى مرت كحلم في لحظة من لحظات حياتي. تعاودني أماسي الطبل والبندير وأصوات “الغايطة” أسمعها من هذا البيت أو ذاك حيث يقام عرس أو احتفال، على رجْع صدى طلقات البارود والزغاريد، وفي فؤادي للرّغبة كل ما منع وزجر. منك الزهو والفرح. مني جَلَد الطبل على القرع يا حلمي فانفخ من ودّك بروحي  ودع “السي لحبيب” يغنّي إلى آخر الليل موّالا يشبه موّالي.

لا تزال الزهرة وحماتها تنامان متوسدتين رزمة الذكرى وسعيد ابنك يتوسد ركبة أمه وأنا مستيقظة أقلب جرحي على نار غيرتي كلما رأيتها تذكرك. أتراني صرتُ أتتبع أخبارك وأبحث عنك في كل الأماكن والأشياء؟ أجننت كما المقاول الذي أتلف عقله حب الخامسة؟

يسألني من حيث لا يبصرون: “من تكون الخامسة؟”ذكر الشّيخ سليمان لمّا جلس ذات مساء مسندا ظهر ذكرياته على جدار الحاج الشّيخ، بعد أن كان ابن أحد مقاولي المدينة سأله عن امرأة سكنت قلب والده فأوصى لها بنصف تركته ولم تكن أقامت عنده إلا أوائل أيام عرسها ثم لم تصبح بعدها، متأملا شجيرات الرّتم المزهرة ممررا يده اليسرى على لحيته المتناسل فيها بياض ضارٍ، ثم شقّ ورقة شمة بأصابعه الغليظة ملأها تبغا وكورها فدحاها بين لثته وشفته السفلى ثم بصق أمامه على الأرض، غضبا على المقاول الذي اغتصب منه حبه للخامسة، راسما بيده اليمنى خطوطا على الرمل: “الخامسة يا ولدي كانت امرأة تغار منها نساء القبيلة ويتمنى وصالها رجالها. يوم وقفت عند مدخل الخيمة لتستقبل أهل العريس الذي كان وافدا معهم أبوك ليأخذوا عروسهم لابنهم لمحها تصطفّ مع جمع من النسوة كعمود خيمة شامخ، وجنتاها مغمّزتان وعيناها بالكحل مرقومتان. من يومها لم تفارق ذهنه حتى حصل له ما أراد. ولأنها كانت ترغب ابن عمتها زوجا لم يطب لها البقاء مع والدك. أبوها هو الذي أكرهها على ذاك الزواج. ليلة عرسها، قيل، سامرته حتى نام. ثم ارتدت برنسه وسلهامه وتسلحت بخنجره وتلثمت بشاشه العسلي وخرجت من خالْفة الخيمة هاربة. فلم تكشف عن وجهها إلا حين اطمأنت على أنها ابتعدت بما يضمن لها توههم إن هم لاحقوها. كان الليل يا ولدي بخيلا حتى بنجمة تستبين بها طريقها. وهي كذلك، تبصّر لها رجل عجبا.

كان يجلس على حجر كأنه شاهد قبر. سيجارته في فمه لم تنطفئ. تسمّرت خوفا في مكانها للحظات. وإذ أحسّت قدميها تسعفانها على الفرار ركضت. من حين لحين تلتفت فلا ترى من الشبح إلا جمرة سيجارته يخفت احمرارها إلى أن أفلت. وما فارق الخوف نفسها. كان قلبها يحدس الطريق إلى خيمة من يحب. ولكن ما أن طلع فجر تلك الليلة حتى تشرّب الرمل آخر قطرات دم العاشقين الخامسة ومومن. قيل أحضرها ابن عمتها ليلا حين لم يستطع عليها صبرا بعد أن قتل حبيبها. وقيل قتلتهما يد والدك التي امتدت لعنة إليهما. بعدها، قيل أيضا صار صوتها يُسمع بأنين موجع إلى حبيبها كلما هبّت من الغرب ريح باردة فدثرت كل زوج زوجها وأخفت كل أم طفلها وبكت النوق داخل زرائب وهاج حنين العاشق:

اسقيني لا تعذبيني..  خمر عيونك يسبيني.. همس شفايفك بين ثغرك عسل.. وعلى ناسي وأهلي  بعدوني.. قولوا للي ما عرف كيف الحب ينصاب.. أنا ما اخترت لكن عيونك خيروني.. قرّب لي يا نديمي..  ومن خمر ريقك اسقيني.. واسقيني لا تعذبيني“.

ثم جرت قصة الخامسة ومومن على كل لسان في كل الصور. جدتك العجوز، يا ولدي، هي التي نطقت بهذا السر قبل وفاتها بأيام، لما كانت تروي للأحفاد من قصص أشباح الموتى التي كانت تعود ليلا في آخر صورة قتلت عليها. قالت: “المقتول غدرا تصحو روحه ويصرخ دمه مرددا آخر ما نطق”. وما أكثر، يا ولدي، ما كانت أرواح أولئك الذين قتلهم الاستعمار!

تقول الزّهرة: “حين انتقلنا من الخيمة إلى المدينة الحدودية “سيدي سليمان” بالقرب من فيڤيڤ المغربية، كان أول منازلنا منزلا عتيقا بناه الفرنسيون حين وطئت أقدامهم أرضنا. كان بناء شاسعا وسط المدينة له أربع واجهات كل منها مزينة بأقواس وبين كل قوسين باب كبير يمتد إلى السقف منتهاه ونوافذ كأنها أبواب محكمة بسياج حديدي. فتح والدي البوابة بمفتاح كبير كأنه لقلعة، ممسكا طرف الباب بدائرة حديدية شبيهة بقرط غولة قائلا: “ادخلوا بحذر”. كنت بحجمي الصغير أبدو وكأنني في عالم آخر كبير كبر تلك الأبواب والنوافذ، عميق عمق جرح فراق قبيلتي، كانت أمي تكنس بحذائها الجلدي أرضيتها المليئة ببقايا زجاجات البيرّا الخضراء والبنية وتشرّع النوافذ كأنما لتفسح إلى الأرواح لتغادر. الأروقة واسعة جدا والسقوف عالية. كنا نتبع أمي وهي تشق أمامنا الطريق فتكتشف عدد الغرف وتتأمل تصاميمها. وحين فتحت باباً عريضا من شقين تصّاعد الغبار من أسفله لفح أنوفنا. وطلعت رائحة كأنما للغدر أشبه. وانفرج الفضاء عن قاعة جلوس مربعة بنافذتين كبيرتين وستائر بيضاء أكل الغبار لونها. وعلى الجدار المقابل للباب مدفأة تقليدية كبيرة محشوة ببقايا سمر. اقتربت أمي وأنا خلفها بينما أبي كان يشد على  مقبض النافذة محاولا فتحها ليدخل الهواء النقي. انتبهت لأمي شاخصة بفوهة المدفأة تحرك بقطعة حديد صدئة كأنها مسطرة كانت قد التقطتها، ونحن عند مدخل القاعة لعلها لأحد النوافذ، قد شهقت ويدها على صدرها. أسرعت لأرى ما أدهشها. دفعتني خلفها بيدها وغطت المشهد عني بمنديلها. كنت، كما في حلم، لمحت ضفيرةً طويلة لشقراء معقوفة بشريط وردي قد برقع الرماد بهاءه وأظافرَ طويلة بطلاء أحمر ترقد في صمت. كان أبي، وقد وقف يستطلع الأمر، قال: ” هكذا يفعل غالبا سكان الدار الكبيرة”. لاحقا، أدركت أن “الدار الكبيرة” تعني الماخور. ثم وجدت من أمي تفسيرا لما وقفنا عليه”.

أنظر إليك فلا أجدك. لكني أحسك بينما زهرة وحماتها لا تريانك. وحدي أشاهدك تنتقل سابحا في هذا الفضاء كأن قدميك لا تمشيان على الأرض وصورتك تخترق بك الحواجز وتطوي بك الأماكن.

تستفيق زهرة. تسألني وهي تدير بصرها يمينا وشمالا كأنما بحثا عن مصدر هذه الثغرة التي تسرب لنا كل هذا الهواء البارد:

-“أنت بخير؟”

لماذا تسألني أنا، أتسخر مني وهي تراني أفتش عنك ضائعة بين ظلام هذا الليل وبين هذا الذي يرفض مغادرتي، يلازمني دون أن أراه حقا أو ألمس بعضا منه.لم أتكلم. فقد بلعت الغيرة لساني. أومأت لها فقط برأسي أن “نعم” وهرّبت نظري نحوه، أستحثه على الكلام، فلم يجب. كنت أراه طيفا؟ حقيقة؟ لكنه نظر إلي وقال:”بريق عينك مخيف. أتمنى أن تكوني أنت هي.” ضم يديه في تشابك ثم بلغة الأمر قال:” أرني كفك اليسرى” فبسطتها دونما تردد. ما كاد يلمحها حتى شهق وغطى بيديه وجهه واستدار ضاما رداءه على جسمه وهو يقول: “يدك زهرية. يدك كنزي. أنت هي.” قلت: “كيف؟”

سمعتُ نباحاً غير بعيد كلما اقتربنا ارتفع صوته الذي أفزع سعيد فدثرته أمه وأقلق غفوة عمتي صفية التي تعوذت من الشيطان الرجيم، معتقدة  أن الكلاب لا تنبح إلا لرؤية أناس من العالم الآخر.

بارد هذا الليل، بارد جدا. والشاحنة لم تعد تسير بوتيرة منتظمة. أزعجت نومنا بعدما حادت عن الطريق المعبد. لم أكن أعرف أين وجهتنا.كلّما سألتُ الزهرة بعثرتْ سؤالي بابتسامتها الهادئة: “سنصل،لم يبق الكثير.” حتى عمتي هي الأخرى لم تتقن المراوغة. أجابتني حين ألححت، ممسّدة على رأسي في حنوّ بأننا ذاهبون لأرض رجال الله الصالحين وأنني سأشفى برضاهم وبركاتهم. فلم أفهم. ضحك الطيف بجانبي، ساخرا: “ما يقدر عليا حتى طالب”.

تذكرت أني سمعت هذه الكلمة لأول مرة عند الراقي الشرعي الذي كانوا يلقبونه بــ”طالب العفاريت” حين اصطحبتني عنده جارتنا خالتي ربيحة التي كانت قد أصيبت ابنتها مسعودة صديقتي بمس. كنا رفقة والدها الذي أحكم يديها بخمار أسود ورجليها بآخر أحمر عليه رسوم بتلات صفراء. لا أنسى أن الطالب لما اقترب منها وضع يده على جبهتها وردد: “باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك.” ثم أردف يتلو آيات “الصافات”.

تخبطت مسعودة محاولة التخلص من تلك القيود. تألمت والدتها. تململ والدها. قال الطالب بغضب:  “من أنت؟ ولماذا سكنتها؟” فردت مسعودة، التي لم تكن مسعودة: “أنا لم أظلم أحدا هي من تجرأت وسكنت منزلي، بل وأحرقت أطفالي بالماء الساخن في مجرى المياه.” قال الطالب: “ولكن المنزل منزلها ولابد أن تغادري أنت وأطفالك، ابحثي عن مكان آخر.” تعاند مسعودة التي لم تكن هي: “لن أغادر جسدها حتى تغادر منزلي.” يغضب الطالب ويجلد بالسوط قدمي مسعودة فتصرخ: “لن أخرج. قلت لن أخرج حتى ترحل عن داري.” يهددها: “سأحرقك.” تتخبط مسعودة ويصمت الصوت داخلها، فيرفع الطالب بالسوط مجددا على قدميها، ويرتفع الصراخ.

رأيت لأول مرة مسعودة بتلك الجرأة وذلك الصوت المخيف الذي لا يشبه صوتها العادي وتلك النظرة التي أرعبتني كلما حولتْ نظرها نحوي. مسعودة ترتجف بين يدي الراقي، ووالدها يشد على يديها بقوة، ووالدتها ترقب قرب الباب واقفة في ذهول، متضرعة، وخديم الراقي غير بعيد عنه بانتظار إشارة منه، وأنا قد سكنني خوف رهيب لم أعرفه يوما. يعاود الطالب تلاوة آيات الرقية “وحفظا من كل شيطان مارد.  لا يسّمّعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب. دحورا ولهم عذاب واصب.” ترتعد مسعودة. يعاود الطالب تهديده: “تخرجين طوعا أم كرها؟” تعاند: “ما يقدر عليا حتى طالب”. يهز الراقي رأسه لخديمه أنِ “افعلْ” فيتجه نحو صندوق أخضر من الخشب. يخرج فتيلة بنّية. يشعل طرفها ويضع طرفها الآخر في يد سيده فيهدد: “سأحرقك، أمازلت عند رأيك؟” فيجيب الصوت نفسه بالحدة ذاتها: “لن أخرج!” يُدخل الطالب الفتيلة في منخر مسعودة فتصرخ بأعلى صوتها متخبطة فيخرج الدخان من المنخر الآخر، ثم تسقط مغشيا عليها. تهرول لها خالتي ربيحة. تحضنها في بكاء خالطته شكوى: “حسبي الله ونعم الوكيل في اللّي كان السبب، حسبي الله ونعم الوكيل”.

تلك المشاهد لا تزال ترعبني، كأنها استوطنت ذاكرتي بالأمس. صوت الطالب لا يفتأ يتردد في مسمعي، طالبا من تلك الجنية أن تختار كيف تخرج، كما صوت مسعودة، الذي لم يكن صوتها: “من النافذة!” حينها، فقط، فُتحت وأخليت الطريق. فاستفاقت مسعودة على هيئتها العادية. حضنتها أمها باكية: “حمدا لله على سلامتك يا كبدي”.

الصبح بدأ يجر نسيمه البارد العليل والشمس من خلف جبل “بْرام” تبزغ في حياء جميل. والزهرة تهز ولدها أن استفق. وعمتي صفية في حركة ثقيلة للنهوض تمسح بعينيها أرض الأولياء الصالحين. وأنا مازلت أجلس على شوقي بحثا عنك متعبة، متعبة جدا يا رفيق درب مشتبك. أراك تسكن عالمي بكل تفاصيله ثم تغادرني في هدوء كأن لم تكن.

استدرت لأتأكد من الطيف الذي رافقني طيلة الليل فلم أجده، كأنما تبخر.

ها هي أصوات بدأت ترتفع من تلك الخيام المشمرة ورائحة حساء متبّل بالحشائش الصحراوية اختلطت برائحة قهوة بالشّيح، وصياح أغنام بانتظار النحر لهذا الولي الصالح، وصوت ابن عمي يأتينا من خلف الشاحنة مادّاً يده لمساعدتنا على النزول قبل أن ينزل أمتعتنا ويدقّ أوتاد خيمتنا، وعمتي صفية تردد: “مْسلْمين يا رجال الله الصالحين، مسلمين ليك يا بوحميّر”. مثلها، بخشوع نزلتُ.

كانت تلك بداية الوعدة لهذا الموسم.

ذلك كل ما كنت، عن الزيارة، سأحكيه لهؤلاء النساء اللواتي جلسن على كثبان الرمل المحاذي لضريح “سيدي بوجمعة” والمطل على الوادي الذي يفصل القصر عن المدينة، بعدما وجدن باب الضريح مقفلا. قالت لي العمة صفية: “يا بنتي، الحمد لله اللي سكنك كان مسلم وإلا ما كنا شفناك رجعتي لنا شافية مرة أخرى. يوم كلّمك الطالب كان اللي ساكنك يقول: “أنا سكنت شافية وشافية سكنها أحمد.” فاستفسرتُها بخجل: ” وماذا قال الطالب؟” أجابتني: “اقرا عليه من كتاب الرحمن وبقدرة الله ورجال لبلاد خرج طايع”.

قالت امرأة ممن سمعن الحكاية: “مفروض عليك كل سنة تخرجي زيارة على نفسك.” فأومأت، حاملة شمعة من حين لحين أبرم فتيلتها كأنها الروح الذي سكنني قبل أن أشعلها داخل المزار.

بعد انتهاء صلاة الجمعة، ظهر البواب من خلف الجدار الأبيض للضريح وفتح البوابة. فنفضت النسوة رمل كلامهن واتجهن نحو المزار داعيات بالبركات مبتهلات مسلِّمات.

جلستُ قرب الضّريح. أزاحت النقاب. فاجأتني امرأة قامت تخرج: “يا ربي، وجهك أبيض ناصع وتزينه الشامة على خدك”. ضغطت ارتباكي أركز الشمعة بالشمعدان النحاسي. وبعود ثقاب أشعلت الفتيلة فانتشر نورها الخافت وسط برودة العتمة. لحركةٍ خلفي التفتُّ. أبصرتُ طيفا لدى مدخل المزار يرتدي عباءة بيضاء. حرك رأسه في تعب، كأنما بحثا عن شخص مفقود. همس: “شافية!” فصككت خدي، في ذهول، شاهقة: “أحمد؟”.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …