الخميس، 27 فبراير 2020

الكرانطيطة.. وخطأ فرويد القاتل!!

رشيد فيلالي

الكرانطيطة هي الأكلة الشّعبية الشّهيرة في الجزائر العاصمة ووهران، ومن الأكلات التي تمّ ابتكارها في ظروف تاريخية معقّدة وشديدة الخصوصية، ربما يجهلها الكثير ممن يقبلون على أكلها أو طهيها في منازلهم.

طبعًا يبدأ التّساؤل من طبيعة وتركيبة اسم هذه الأكلة الغريب، والذي يبدو من أول وهلة وكأنه تركي أو فارسي على غرار الكثير من الكلمات المتداولة بكثرة في لهجاتنا الشعبية: مثل طنجرة، بشماق(حذاء ربّة البيت في المنزل، بالتركية) ولالة(سيدتي، بالفارسية) وهكذا دواليك..

وشخصيًا كثيرًا ما يلفت انتباهي مثل هذه الكلمات الأجنبية المتداولة في لهجتنا وأحاول قدر استطاعتي إرجاعها إلى أصلها الأول، فأوفق أحيانا وأخفق في أحيان أخرى لأسباب موضوعية متعددة..

نعود إلى كلمتنا في هذه الوقفة وهي “كرانطيطة”، فما هو أصل هذه الأكلة ذات الشعبية الجارفة؟

في الحقيقة أن هناك عدة طروحات في هذا المجال، غير أن الخيط الرابط فيما بينها كلها، هو القول بأنها كلمة إسبانية الأصل، وهي مشتقة أو محرفة من كلمة كلنتيكا (calentica)، التي تعني “الحارّ والسّاخن”.

لكن ما هي العلاقة بين الأصل الإسباني والأكلة الشعبية الكرانطيطة؟

هنا نفتح قوسًا ونعود إلى عقود من الزّمن إلى الوراء، وتحديدًا إلى القرن الثامن عشر، حيث كانت مجموعة من العساكر الإسبان يتحصنون داخل  قلعة متينة تسمى “سانتا كروز” تقع بمدينة وهران، وكان هؤلاء العساكر قد استهلكوا الكثير من مأونتهم بعدما طالت مدة الحصار التي قادها الباي بوالشلاغم.

وعندما وجد أولئك العساكر بأن مخازنهم من الطّعام توشك على النفاد، غير أنها لا تزال تحتوي على كميات كبيرة من الحمص، عندها قاموا بطحنه وصنع من دقيقه أكلة جديدة بعد إضافة لها القليل من الكمون والملح وزيت الزيتون، وأطلقوا على هذا الطبق الجديد اسم “كلنتيكا”، التي تغيّر نطقها عدّة مرات في اللهجة المحلية، لتصبح اليوم تسمى” كرانطيطة”.

وهكذا نلاحظ أن الطّعام أيضا له حكاياته وأسراره الطريفة و”الكرنطيطة” شأنها في ذلك شأن مثلا “الملوخية” التي أصلها “الملوكية” كونها صنعت في مصر في عصر المماليك.. وغيرها من الأكلات الشائعة جدًا اليوم عندنا، والتي يجهل الكثيرون قصّة ابتكارها، فيعتقدون بأنها مجرد طبق بسيط يُضاف إلى ديكور موائدهم لتسكين حدّة الجوع وكفى..

فرويد

فرويد..المجنون!

والحقّ أننا إذا تحوّلنا إلى موضوع آخر، بخصوص دلالات الأسماء العامّة الشّائعة على وجه التحديد، وابتعدنا عن قصد وتعمد من فذلكة الأكاديميين وجهازهم المفاهيمي الجافّ الموغل في التعقيد والإبهام والبرودة، فقد نلحظ بأن الكثير من هذه الأسماء العامة و الشائعة في مجتمعاتنا تضمنت في الأول بعض الدلالات الغريبة، قبل أن يتعوّد المستعملون لها عليها وينسونها أو أنهم يجهلونها أصلا باستثناء المختصين طبعًا.

وسأختار في هذه الوقفة الاسم الطريف والظريف لمخدر صلب خطير هو الهيروين(Héroïne)، هذا المخدّر للعلم تم صناعته كيماويًا على أساس أنه دواء مسكّن لعدد من الأمراض المزمنة، وكان ذلك من طرف البريطاني أدلر رايت عام 1874، قبل أن ينسى أمره ويعاود الصيدلي الألماني هاينريش دريزر عام 1898 أو بالتحديد فيليكس هوفمان العامل في شركته للأدوية “باير، Bayer” صناعته وتسويقه من جديد، وهذا المخدر أو الدواء مصنّع وفق توليفة كيماوية أساسها المورفين وذلك لمساعدة المدمنين على التخلّص من إدمانهم للمورفين أصلاً!

ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، حيث راح الصيادلة ومن ورائهم الأطباء يبيعونه على شكل أقراص وحبوب في الصيدليات كونه دواء ضدّ الربو والإسهال والسلّ، كما تمّ وصفه لأطفال كمنوم!! المثير في الأمر أن  دريزر العالم الكيماوي العامل بشركة باير استغل المخدر الجديد كدواء ضد الآلام وصعوبات التنفس وأمراض خطيرة من بينها السلّ، الذي يعد أشهر أمراض القرن التاسع عشر وأكثرها فتكا، وأطلق على المخدر اسمHeroin  المشتق من الكلمة الألمانية(Heroisch)، التي تعني “البطولة” وذلك لكون هذا العالم اعتقد بأن المخدّر الجديد هو عبارة عن دواء فعّال جدًا في معالجة عدة أمراض وخاصة الإدمان على المخدرات، وهو من ثمة يعد بطل الأدوية بلا منازع!

وبناء على ذلك استمر الهروين يُباع في الصيدليات قبل أن يكتشف بأنه أخطر بكثير من المورفين والأفيون، وسحب من الصيدليات نهائيًا.

والغريب أن المخدّر الآخر الذي صنع من ورق الكوكا أقصد الكوكايين، هو أيضا كان يُباع على شكل دواء في الصيدليات، والأعجب في الأمر أن العلاّمة سيغموند فرويد الذي يعتبر في الأصل طبيب أعصاب وليس عالمًا نفسانيًا كما صار شائعا اليوم، كان يصف لمرضاه الكوكايين ومن هؤلاء زوجته شخصيا، لكن فيما بعد تم اكتشاف خطورة الكوكايين أيضا وتم تصنيفه مثل الهيروين من المخدرات الصّلبة الخطيرة على صحة الإنسان.

غير أن عصابات المافيا – مع الأسف – دخلت على الخطّ وسيطرت على تجارة هذا النوع من المخدرات الصّلبة الذي يدر الملايير من الدولارات، ولاسيما في الولايات المتحدة، حيث كان من بين أكبر مسوّقي الهيروين أحد عتاة الإجرام ومشاهيره وهو “لوكي لوتشيانو”، قبل أن تنتشر هذه التجارة غير الشرعية في العالم أجمع وأضحى الإدمان عليها وباء يصعب التخلص منه.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …