الأربعاء، 21 أغسطس 2019

صلاح باديس يكتب: ديوانُ الغُربة

صلاح باديس

تذكر السِيرُ أنّ سي مُحنْد أومْحَنْد كان شاعراً جوّالاً، ليس رغبة في أن يصير ملاكاً سماوياً متشرّداً، بل لأنّه كان هارباً.

فكّك المُستعمِر قبيلته وبعثرها، كما فعل مع عشرات القبائل بعد ثورة المقراني سنة 1871، امّحى شرفه وماله ووجاهة قبيلته وقُتِل والده.

مئات الرجال قتلوا، والمئات اُخذوا إلى سجن وسط المحيط، جزيرة كاليدونيا على بُعد 31,000 كلم، أولئك اللّذين صاروا يعرفون بجزائريو المحيط الهادي. زُرِعوا زرعاً وفرّخوا حنيناً في نسلهم.

تذكُرُ السِيرُ أن شِعر سي مُحنْد أومْحَنْد عن الحنين والغُربة كان وصفاً لهذا الخراب الذي يُشير له بإسم “القرن ربعطاش”.. القرن الذي سيفنى فيه العالم، لكن الغرُبة التي كان يُنْشِدُها لم تكن غُربة المنفي من بلده..

وقته لم يعرف الهجرات الكُبرى بعد، لذلك بدى المنفيّون والمُهجّرون كأسماك اُخرجت من الماء، تقول السِيرُ أنّ غُربةُ سي مُحنْد أومْحَنْد كانت غُربة المنفي في بلده، الهائم بلا دار ولا أهل، والذي اختار التغرّب داخل بلده كسبيلٍ  للهروب من العبودية وليس كقدَر.

* * *

هاجر مالك من قريته مع مئات الرّجال بعد الحرب العالمية الثّانية إلى فرنسا، للعمل في مناجم الشمال، ركبوا البابور كالماشية وابتعد بهم، بعضهم لم ينزل من الجبل عُمره ولم يرى عُمراناً ولا مُدنا، وصل إلى الميناء في شاحنة لا يرى منها الضّوء، ثم حُمّلُ في البابور..

يتزعزع قلبُه ويتقلّب بطنه ويتقيّأ طيلة الرحلة. بعد شهر من العمل هرب مالك إلى باريس، لم يستحمل حياة المناجم الصّعبة، وهناك كان له بعض المعارف والأصدقاء، عاش متخفّياً يعمل قهواجي عند رجلٍ من وهران يُقال له الحاج رشيد. أحد أبناء القرية كان يعمل حارساً في كباريه “طم طم”، حيث كان يغنّي كبار مطربي المشرق والمغرب، وكان مالك بمعرفة صديقه هذا يحضر سهرات عديدة.

في الخمسينات لمع نجم آكلي يحياتن مع أغاني السّجن، خاصة “يا المنفي” و”يا المُجرب”، كان قلب مالك يدقّ بقوّة كلّما اعتلى آكلي المسرح، وعندما يبدأ الأخير في الغناء، يصعدُ في جسد مالك حنينٌ كالمدّ في البحر.. ويفيض. الحياة في باريس الخمسينات كانت صعبة، وكان مالك يتحاشى الشّرطة، يعيش بلا ظلّ، لا يُرى في المترو ولا في الشوارع، شبحٌ كآلاف العُمّال الجزائريين.

لكن يوم خرجت الأشباح إلى ضوء النّهار، أشهر قليلة قبل إستقلال البلاد، خرجوا للتّظاهر ومالك بينهم، كان يصرخ في داخله بكلمات الأغنية، سأدخل في “ست بيبان والسابع فيه الجدعان”. كل هؤلاء الجدعان الذين يصرخون إلى جانبي، تفقّد علبة السجائر في جيبه، ولما يقولوا لي كاشِ دخّان سأعطيهم من علبتي، ستكفي السجائر كلّ السجناء، سنصنع غيمة من الدخان في السجن. لكن الشرطة لم تأخذ مالك سجيناً، بل رمته في نهر السين ليغرق ويموت.

* * *

في بداية التسعينيات كان مُنير قد ترك دراسته في كليّة الحقوق ليلتحق بعملٍ إداري في الصّحراء، لكنّ الأمور لم تسِر كما خُطّط لها، لأنّه لم يكُن قد أدى الخدمة العسكرية. فصار غريباً في كلّ الإدارات والمؤسسات لأنّه لا يملك ورقة إعفاء صفراء اللون. رفضت العائلة بالإجماع أن يتقدّم للخدمة، ولو على حساب العمل. كانت سيّارات الشرطة تتوقف كل يومٍ في حومتهم لينزل منها رجالٌ مقنّعون، “النينجا” كما يُسمَّوْن، يأخذون النّاس من بيوتهم.. مشبوهون، إرهابيون، مظلومون، شبابٌ تأخروا عن أداء الخدمة العسكرية. لكنّه نجا. قضى جُلّ التسعينيات في غرفته، التي صارت له وحده بعد موت جدّه. ينام حتى منتصف النّهار ثم يخرج. لا يبتعد عن العمارة مسافة خمسون متراً.

يجلس عند صديقه مالك محلّ الفيديوتيك، وقبل أن يعود لبيتهم في العشيّة يأخذ معه أفلاماً للسّهرة. كان قد أًصلح الفيديو(Jvc)الذي تملكه العائلة منذ الثمانينيات، يسهرُ ليله يُدخّن ويشاهد قنوات فرنسية تبث بورنو كلّ ليلة أحد، أو يضع فيلماً. وهكذا كان قد شاهد سنة 1998 فيلم التيتانيك بعد أن استلف شريط الفيديو من عند صاحب الفيديوتيك، والذي بدوره كان قد نسخه من شريط فيديو بنتٍ يعرفها أتت به من فرنسا.

حضّر سهرة خفيفة لنفسه في الغرفة وأطفأ النور. طيلة ثلاثة ساعات، ضلّ ينكمشُ ويتمدّد ثم يعود ليجلس في فراشه وهو يعضّ على وسادته، هزّه الفيلم وبكى في النهاية، كانت تُمطر طيلة الليل مما زاد من وحشته وشعوره بالغُربة رغم أن شقتهم دافئة. كان يخاف أن يطلع له آيس-برغ من الفراش.

* * *

سعيد لم يتغرّب، سعيد حرق البحر، يعني أنّه صار مهاجراً غير شرعي بلغة القانون.

وهو هنا حرق القانون.

لكن الغربة واحدة.

يُقال أنّ الغُربة بمعناها الحالي والذي يقتربُ من شبه المنفى الإختياري جاءت من جغرافيا اللّغة، غرب اللغة العربية أي شمال إفريقيا، من تغريبة بنو هلال، يُقال أنهم حملوا حنيناً في ركابهم وزرعوه في اللّغة، وهنا تقول الدراسات أن أصول موسيقى الراي الأولى هي حركة شعرية هلالية في البادية. يقول آخرون أن كلمة غُربة جاءت من فقدان جهة الغرب، بدوٌ رُحلْ كانوا يستهدون في الصّحراء بنجمة غربية إن هم ضيّعوها.. ضاعوا.

لكن عندما ركب سعيد البحر في بداية الألفية، كانت هنالك عبارة شائعة بين الشباب يومها “لا تفقِد الشِمال يا صاح”.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …