الأربعاء، 26 فبراير 2020

فتنة في السويد.. تعرّف على السّبب!

رشيد فيلالي

في شهر جويلية من عام 2014، أعلنت الأكاديمية السويدية عن تبني ضمير جديد في اللغة المحلية، وهو “هان”(hen).

هذا الضمير يعتبر حياديًا ويطلق على الجنسين معًا الذّكر والأنثى، مع استمرار طبعا استعمال الضميرين الآخرين وهما “han: هو” و”hon: هي”.

الهدف من هذه الخطوة الثورية تطبيق المساواة بين الجنسين والعدل بينهما، والقضاء من ثمّة على الكثير من الكليشيهات العنصرية والصّور النمطية، التي كانت المرأة تحديدا ضحية لها طوال قرون من الزمن.

وطبعا تم ذلك في طبعة 2015 من الموسوعة السويدية، غير أن هذا الوافد اللغوي الجديد أثار موجة من الجدل في المجتمع السويدي بين مدافع عنه ومعارض، على اعتبار أن المساواة مطلوبة ويجب الإقرار بها، لكن ليس بهذه الطّريقة التي تزرع الغموض والتشتت الفكري وسط المجتمع.

والجدير ذكره أن ضمير “هان” لم يوجد في السنوات الأخيرة، بل أن أول ظهور له كان عام 1966 على يد صحفي سويدي يدعى رولف دوناس (Rolf Dunås)، الذي وظفه في صحيفة  أوبسالا نيا تيدنيينغ، حيث تأثر بالضمير الحيادي في اللغة الفنلندية(hän)وحاول من ثمة استغلاله في اللغة السويدية، وكان ذلك أيام بلوغ الحركات النسائية ذروة نشاطها.

غير أنه سرعان ما نسي هذا الضمير وهجر استعماله تماما، قبل أن يعاود الظهور من جديد و بقوة ، بداية من سنة 2000 ليتم الاعتراف به رسميا هذه المرّة، مما فتح المجال واسعا لجدل ساخن في المجتمع السويدي، الذي يبقى مع ذلك من أكثر المجتمعات مساواة بين الجنسين، حيث يحتل المرتبة الرابعة عالميا في تقرير دولي صدر عام 2014 (الجزائر في المرتبة 126 من بين 142 بلد).

وقد ازداد الجدل سخونة مع صدور كتاب خاص بالأطفال يوظف هذا الضمير اللغوي الحيادي ويحمل عنوان “كيفي والكلب المتوحش:Kivi och Monsterhund” للكاتب ياسبير لوندكفيست(Jesper Lundqvist)، حيث أوضح المعارضون بأن على الكبار أن يجنبوا الصغار صراعاتهم الإيديولوجية لكي يحافظوا على نظرتهم العفوية والطبيعية للجنسين،

والمثير في الأمر أن الكثير من المدارس التربوية ودور الحضانة في السويد سارعت إلى تبني هذا الضّمير الجديد واستعماله في منظومتها التعليمية، كما عملت في الوقت نفسه على محو الفوارق التقليدية بين الجنسين، إذ صار بالإمكان في مناهجها مثلا تغيير فكرة منح الدمية للطفلة والسيارة للطفل.

الضمير الحيادي الذي لجأ إلى استعماله السويديون يعتبر حلا ارتجاليًا

كما برزت في المجتمع السويدي أسماء بدون جنس محدد، أي يمكن إطلاقها على الذكر والأنثى معًا، وبلغ عددها اليوم ما يزيد عن 170 اسم، كما صار من المقبول جدا إطلاق اسم ليزا على ذكر وجاك على أنثى، وليس هذا فحسب، حيث عمدت بلديات عديدة إلى محو لافتة مرحاض خاص بالنساء والرجال وصارت كلّ المراحيض موحدة للجنسين معا!

ونحن لا نشك إطلاقا في أن المجتمع السويدي بلغ شأوا بعيدا بخصوص المساواة في الحقوق بين المرأة والرجل، متجاوزا مجتمعات كثيرة بما فيها الغربية المتقدمة في هذا المجال، غير أن الملاحظ أن ابتكار ضمير لتكريس هذه النزعة الديمقراطية في التعامل مع الجنسين لا يعتبر حلا مجديا، إذ على العكس قد يكون مجرد نتاج مرحلة زمنية عرفت صعود موجة الحركة النسائية في هذا البلد، بمعنى أنه ثمرة توجّه إيديولوجي وليس استجابة لحاجة اجتماعية ضرورية، والدليل على ذلك أن هناك بلدان متخلفة تستعمل ما يشبه هذا الضمير الحيادي في لغاتها، فيما الفوارق بين الجنسين لا تزال صارخة ومتطرفة، على غرار مجتمع بنغلادش، الذي يحتل المرتبة 68 في التقرير الدولي المشار إليه أعلاه.

وفي لغة هذا البلد الأسيوي ذي الكثافة السكانية العالية يطلق على المخنثين أو الجنس الثالث الحيادي، اسما غريبا يعود إلى أصول عربية وهو”هجرة: Hijra” كما يوجد في اللغة التركية ضمير آخر مماثل وهو “0” ومع ذلك فالمجتمع التركي أبوي النّزعة وبعيد كل البعد عن المساواة بين الجنسين رغم التقدم الاقتصادي الذي أحرزه في العشرية الزمنية الأخيرة.

وبناء عليه فإن الضمير الحيادي الذي لجأ إلى استعماله السويديون يعتبر كما قلنا حلا ارتجاليًا مستعجلا، وقد يسهم في إحداث شرخ في المفاهيم لدى أفراد هذا المجتمع مع مرور الزمن، مثلما أقرّ بذلك المعارضون السويديون لهذا الضمير المقحم عنوة في القاموس السويدي الجديد، ويبقى الاستعمال مع ذلك هو المحكّ الأخير مثلما يحدث في كلّ اللغات.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …