الأربعاء، 26 فبراير 2020

فيلم «تحت الرماد» لماذا يرفض التلفزيون الجزائري عرضه ؟

في نهاية الثمانينيات، انتقل إلى منطقة العين الصفراء في الجنوب الغربي الجزائري،  فريق عمل تلفزيوني جزائري، لتصوير فيلم عن واحد من أكبر المعتقلات التي بناها الاستعمار الفرنسي في الجنوب الغربي: معتقل جنين بورزق. أهمية هذا المعتقل الرهيب، تكمن في أنه ضمّ بين جدرانه وغرفه المظلمة مسجونين من مختلف الأطياف الإيديولوجية والسياسية، من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومن مناضلي الحركة الوطنية، وشيوعيين، ومناضلين أوروبيين، اشتركوا جميعهم في الانتصار للقضية الوطنية والتنديد بممارسات الاستعمار.

الفكرة بعمق دلالاتها ومعانيها، استهوت المخرج الجزائري عبد الكريم بابا عيسى. وسرعان ما شرع في بحث تاريخي عميق عن تاريخ المعتقل قصد إعداد سيناريو الفيلم. هكذا اختار نخبة من الممثلين على رأسهم المسرحي الراحل عبد القادر علولة، إلى جانب مصطفى العنقا، وردية وسيراط بومدين وممثلين آخرين… ثم شرع في التصوير داخل المعتقل، والمنطقة عموما.

تدور أحداث الفيلم أثناء الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وبعد أن تكبدت فرنسا، هزيمة نكراء مع الألمان، أمضى الجنرال بيتان، الهدنة التي تخوّل له السلطات الكاملة، هكذا قررت السلطات الاستعمارية الفرنسية إقصاء جميع أنواع المعارضة ومنع الأحزاب السياسية والنقابات من النشاط، والزج بمسؤولي الأحزاب والنقابات في السجون والمعتقلات، ولعل أشهرهم معتقل جنين بورزق الذي يقع في جنوب الغرب الجزائري بين ولايتي بشار والنعامة.

أحد المعتقلات في الجنوب الغربي الجزائري

 

بعد عام من التصوير، أي في حدود سنة 1990، انتهى عبد الكريم بابا عيسى، من انجاز الفيلم اختار له كعنوان : «تحت الرماد» Sous la cendre. وكما جرت العادة، قدم عرضا أوليا للفيلم بحضور الصحافة الوطنية. ثم فجأة وبلا سابق إنذار غاب الفيلم وغاب المخرج عن الأنظار. لم يُعرض الفيلم لا في السينما ولا في التلفزيون، لم تتحدث عنه الصحافة، ولا هو تحدث عن فيلمه. الملايين تبخرت في إنتاج فيلم لم يُعرض، ولا يعرف إلى الآن مصيره، وما سبب عدم عرضه !

أسئلة كثيرة تُطرح بخصوص هذا الفيلم، فقد كان مفترضا أن يحتجّ مخرج الفيلم، أن يندد ويطالب بالإفراج عن فيلمه، لماذا سكت؟ ولماذا غاب عن الأنظار ؟ مع أنه سبق لمخرج «تحت الرماد» أن أخرج عددا من الأشرطة الوثائقية، من بينها شريط عن الخط العربي (1977)، وشريط آخر عن الاستعمار الفرنسي في ثلاثة أجزاء (1980)،  كما جسّد دور “دحمان” في فيلم عمر قتلاتو لمرزاق علواش.

 

فيلم القلعة الممنوع في التلفزيون الجزائري

 

كان من الأولى أن يتولى التلفزيون الجزائري عرض الفيلم، باعتباره الجهة الوحيدة المنتجة للفيلم، ويترك بالتالي للمشاهدين حرية المشاهدة والانتقاد، بعيدا عن الرقابة والوصاية، على الأقل يقضي على رتابة البرمجة في إعادة أفلام بعينها لدرجة الابتذال.

وكان الأمر سيهون لو اقتصرت عملية المنع على فيلم واحد أو فيلمين، بل امتد الحظر لبشمل باقة من الأفلام الجزائرية المهمة، توّج بعضها بجوائز دولية، يصرّ التلفزيون الجزائري على عدم عرضها لأسباب تبدو تافهة، وأحيانا بدون سبب، من بين تلك الأفلام على سبيل المثال لا الحصر: القلعة لمحمد شويخ، الصورة الأخيرة لمحمد الأخضر حامينة، ايزابيل ايبرهارت لجعفر دمرجي، إلى جانب الأفلام الأخيرة لمرزاق علواش …الخ

 

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاطئ : حلبة جديدة بين الدين والفلسفة

أحمد عمراني الشاطئ موضوع فلسفي مهم وجديد. قد يبدو للوهلة الأولى أنه موضوع سوسيولوجي أو …

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …