الجمعة، 15 ديسمبر 2017

ديباك تشوبرا: القصّة الأخرى للنّبي محمد(ص)

حاورته: بثينة سرمدة

ديباك تشوبرا

ديباك تشوبرا(1946-)، الذي اشتهر بكتاباته عن علم الأديان، كتب عن النّبي محمد(ص)، في الوقت انتشر فيه خطاب الكراهية في أميركا، عقب أحداث سبتمبر2001.

واجه ديباك تشوبرا(وهو أميركي من أصول هندية) حملة مقاطعة، بسب رواية له عن محمد “آخر الأنبياء المرسلين”. القنوات الفضائية قاطعته بعد صدور كتابه، كما أشاعت جرائد على أنه من المدافعين عن الإسلام في امريكا، رغم انه ليس مسلم – حسب التّعريف الكلاسيكي لمن هو مسلم –.

ما يُحزننا في الأمر كله ليس عجائية الإعلام، بل تنكّر أتباع محمد(ص) لكاتب نصر نبيهم لكنه لم يجد شكرًا أو دعمًا. وجد نفسه وحيدًا مدافعًا عن النّبي محمد.

فيما يلي حوار متخيّل مع ديباك شوبرا، إجاباته مستمدّة من كتابه، الذي لم يترجم لحدّ الآن إلى العربية، رغم ترجمته للغات عالمية عديدة.

لقد كتبت رواية عن محمد(ص)، وكأنك تُحاول أن تُصدّر لمحمد غير محمد(ص) الذي نعرفه في السّيرة النّبوية الشّريفة؟! كأنك تختلق شخصًا آخر حسب رؤيتك أنت؟!

لا يحقّ لأيّ كاتب أن يتدخّل، ليؤثرّ على آراء قرائه، لكن رغم ذلك، أريد القول أن ما دفعني لكتابة هذه القصّة هو انبهاري بالطريقة التي يسمو بها الوعي إلى درجة القداسة، وهو الأمر الذي يشترك فيه كل من بوذا وعيسى ومحمد(ص). ويعتبر سمو الوعي ظاهرة كونية والغاية الأسمى لهذه الحياة الأرضيّة. ولولا وجود هؤلاء المرشدين الذين بلغوا درجة الوعي السّامي، لحُرِم العالَمُ من أعظم حالميه حرمانًا فيه هلاكه في الواقع.

وقد استشعر محمد(ص) هذا الفراغ المؤلم في العالم من حوله، وكان أكثر ما جذبني إليه أنه أعاد بناء العالم بالتوجّه نحو الباطن، ولا يتحقّق مثل هذا النّوع من الإنجازات إلا بالسّير في الطّريق الرّوحي. وعلى ضوء ما حققه النّبي، ارتفعت آمالي في أننا جميعًا، نحن الذين نحيا حياة عادية، يمكننا أيضا أن نحظى بلمسة إلهية.

ويستحق القرآن مكانته كقصيدة للرّوح، ليُمجّد حيثما كان للرّوح قيمة.

الرواية أتت بلسان أقارب وزوجات وأصحاب النّبي(ص). كيف استطعت أن تختزل النّبي(ص) في حكايات بسيطة وهو المعجزة بذاتها؟

لطالما رأى محمد(ص) نفسه رجلًا عاديًا، ولم يكن أقرباؤه ولا جيرانه يفسحون له الطّريق حين يسير في أزقة مكّة الجافّة والمغبرة. وعدا تيتّمه حين كان في السّادسة من عمره، لم يظهر عليه أي شيء استثنائي سوى قدرته على البقاء. ولأنه كان يعيش في مجتمع قبليّ شرس، فقد كان لديه أبناء عمومة كثر من عشيرة بني هاشم يحيطون به كعائلة واسعة. ولم تكن تظهر عليه أي إرهاصات إلهية (عدا تلك التي اختلقها المؤرخون في وقت لاحق حين ازدهر الإسلام وانتشر).

وكبر محمّد(ص) ليصبح تاجرًا ثم تزوّج أرملة غنيّة تدعى “خديجة”، رغم أنها كانت تكبره بخمس عشرة سنة. كان محمد يُرافق القوافل إلى الشّام في أحد الفصول وإلى اليمن في الفصل الذي يليه، وكان ازدهار مكّة يعود إلى تجارة القوافل.

ورغم أن هذه الرّحلات كانت تعجّ بالمخاطر، فقد توفيّ عبد الله والد محمد(ص) المحبوب في طريق عودته من إحداها، إلا أن التّجار من أمثال محمد(ص) كانوا يُسافرون بشكل مستمر عبر الصّحراء في رحلات تدوم أشهرا عديدة كل مرّة. والمدهش في قصّة محمد(ص) أن تحوّله شهد العديد من الإرهاصات الإنسانية العادية. وبينما تعالى يسوع ولُقِّب بابن الله، اختلط محمّد طواعية بالنّاس حين اعتبر نفسه “رجلًا من بين الرّجال”. ولم يكن قادرا على القراءة ولا الكتابة، الأمر الذي كان شائعًا بكثرة آنذاك، حتى بين عِلية القوم. وكان له أربع بنات، وولدان ماتا في سنّ مبكّرة جدًّا.

هل يمكن لنبي أن يكون شخصًا عاديًا؟!

ربما قوّة محمد(ص) صناعته من الحياة البسيطة معجزة، فهو لم يكن مدعيا وعاش كأي إنسان آخر، ولا يمكن تفسير أن يتدخل الله في الحياة المستقرة لزوج وأب ليَبلغه كلامه.

لكن أكثر حقيقة ملفتة بخصوص محمد(ص) هي أنه كان يشبهنا كثيرا، إلى أن ضربت هزّة القدر الأعظم في التّاريخ. في عام 610 بعد الميلاد، نزل محمد(ص)، التّاجر ذو الأربعين عامًا – والملقّب بالأمين – من الجبال، أو بالأحرى من كهف في التّلال شبّه المخضرة المحيطة بمكّة، وبدا مشتتًا ومرتعبًا. رجع إلى بيته حيث اختبأ هناك تحت الأغطية إلى أن استعاد وعيه، بعدها جمع القلة الذين كان يثق بهم وأعلن لهم عن أمرٍ لا يُصدّق. لقد زاره مَلَكٌ في الكهف الذي كان يذهب إليه باستمرار هروبًا من فساد مكّة وتوترها باحثًا فيه عن السّلام والوحدة، لكن كلاهما تلاشى حين ظهر جبريل، كبير الملائكة الذي زار العذراء والذي حرس الجنّة بسيف من نار بعد أن نفى الله منها آدم وحواء، ليأمر محمدًّا فجأة بأن “يقرأ”.

في كتابتك أحلت إلى أن محمد(ص) رفض الرّسالة الإلهية. هل اطلعت على حقيقة الوحي؟!

يمكن لبغلةٍ أن تذهب إلى مكّة، لكن هذا لا يجعل منها حاجّة! الوحي أكبر من مسألة التلقي إنما هو استسلام كلّي للذّات الإلهية. لقد كان محمد(ص) في الأربعين من العمر حينها، وقد ظلّ يعيش الظلم أمام عينيه، فقد رأى عبيدا يعذبون حتى الموت لمجرد نزوة تجتاح أسيادهم. وقبائل متنافرة تستنزف رجالها عن آخرهم، لأن أحدهم قد بُصِقَ على نعله. وقد كان يُتاجر مع رجال أتوا فعلا بمثل هذه الأفعال، والذين كانوا يهزون رؤوسهم استنكارًا حين يتحدّث محمد(ص) عن مدى الحبّ الذي يكنّه لبناته الأربع.

كان محمد(ص) يبتسم لأصحابه وأبنائهم الفتيان، لكن في قلبه فقط كان يسأل الله لماذا توفيّ ولداه وهو في المهد! وفقط في قلبه كان يبوح بالأمر الوحيد الذي أحدث فرقا. لذلك فالوحي هو استسلام تامّ لرسالة حتى قبل مجيئها فقد كان يردّد لن أدير وجهي عنك، ربي، حتى ولو أخذت كلّ شخص أحبّه. لقد صوّرت النّبي محمد كالنبي إلياس اليهودي الذي رفض رسالة السّماء: لم يستطع المَلَك إقناع محمد بسهولة، فاضطر إلى أن يضمّه ضمّة قوية لثلاث مرات – وهو رقم ذو دلالة روحانية غامضة – قبل أن يُوافق على أن يقرأ. ما خرج من فم النّبي لم تكن كلماته الخاصّة، وبالنّسبة له وللذين بدأوا بالإيمان برسالته، فإن حقيقة أن محمد لم يسبق وأن أنشد شعرًا على الملأ في حياته تُثبت أن كلماته آتية من عند الله.

وإلى غاية يومنا هذا، تعتبر اللغة العربية التي صيغ بها القرآن فريدة، مبدعةً في أسلوبها الخاصّ وعالمها التعبيري. وبعيدًا عن الإسلام، فإن المقارنة الوحيدة المناسبة قد تكون ربما الكتاب المقدّس للملك جيمس، الذي تتردد لغته على أسماع المتكلمين بالإنجليزية كما لو أنها من الله أو من شخص مختار وُهبت له مرتبة إلهية في البلاغة.

تكتب عن النّبي محمد وفي الوقت نفسه تنتقد الذين يُدافعون عليه ويدعون لمقاطعة الغرب، أليس تناقضا؟!

في حماس أتباعه وتعصّبهم لحفظ عالم النبي وكلماته قد حفظوا بذلك نفس عادات العصور القديمة فاستمرت إلى يومنا هذا. وفي كتابي هذا، أصف مكّة كما كانت فعلا، يعني بكل قسوتها ووحشيتها، وللتّخفيف من تأثير أحكام عصرنا الحالي، لجأت إلى عدة رواة ليشاركوني حكاية القصة، رواة من نساء ورجال من جميع الطّوائف، عبيد وتجار أثرياء، مؤمنون ومشككون، وثنيون وأتباع متحمسون لرسالة محمد، كلّ على حدّ سواء. وكان لأول من سمعوا القرآن ردود أفعال مختلفة تماما كردّة فعلي وردة فعلك لو أن صديقنا المقرّب قصّ علينا عن زيارة كبير الملائكة له في منتصف الليل.

محمد(ص) مقدّس عن المسلمين وأنت أنزلته لمرتبة البشر العاديين؟

هو كان يقول عن نفسه بأنه بشر لم أكتب هذا الكتاب لأزيد من قداسة محمد، بل كتبته لأبيّن أن القداسة في القرن السّابع كانت مربكة، مخيفة وجليلة تمامًا كما كانت لتكون في يومنا هذا فقد تغيرت المعاني والنظرة العامة للأمور لذلك كان من المهم الاطلاع على حياة النبي ضمن بيئته، كانت تنتظرني مفاجأة كبرى حين شرعت في كتابة قصّة محمد(ص)، آخر الأنبياء الذي ظهر من صحراء الشّرق الأوسط، تلك الأرض القاحلة، المنعزلة والممتدة لانهائيا، التي أخرجت موسى وعيسى. وعلى مدى قرون عانى محمد من النكران خارج العالم الإسلامي، وعصرنا ليس بالعصر الأول الذي يَظهر فيه النّاس الارتياب حين يعلمون من أتباع محمد أن كلمة “إسلام” تعني “السّلام”. ويزيد ذاك الارتياب سوءًا حين يصبح المتطرفون الجهاديون إرهابيين باسم محمد!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رودريغو بلانكو كالديرون.. لا فرق بين الجزائر وفنزويلا

 ترجمة: سماعن جلال الدين نشرت مجلة “لير” الفرنسية، العام الماضي، مقالا عن الكاتب الفنزويلي رودريغو …

“مولانا” يعيد فتح جراح الجسد العربي

زهور شنوف أخيرًا، وصل فيلم “مولانا”، إلى الجزائر، وعُرض مؤخرًا ضمن “مهرجان وهران الدّولي للفيلم …