الجمعة، 25 يونيو 2021

ضجر البواخر.. شعر من قاع المدينة

ضياء البوسالمي

غلاف مجموعة ضجر البواخر

“ضجر البواخر”(منشورات المتوسط، 2016)، للشّاعر الجزائري صلاح باديس، يكشف عن تجربة شعريّة متفرّدة، فهو ينسج أفكاره ويضع القارئ أمام صور شعريّة مرتبطة ارتباطا وثيقًا بالمدينة وتفاصيلها.

هي تجربة شعريّة تظهر للوهلة الأولى رحلة ذاتيّة ومرآة عاكسة لوجهة نظر وجوديّة نتلمّس ملامحها في ثنايا النصّ إلاّ أنّها لا تمثّل العنصر الأهم الذي تدور في فلكه أبيات الشاعر.

ينتج صلاح باديس، من خلال باكورته الشّعرية، مستويات متنوّعة من القراءات التي تخوّل للقارئ أن يتوسّع في تأويلات الصّور وأن يضاعف من إمكانات فكّ رموز النّصوص التي كانت رمزيّتها هي السبيل الوحيد لاستيعاب الزخم الفكري الذي جاء في كلمات مختصرة ومقتضبة. لقد نجح صلاح باديس في تقديم نصّ شعري عماده المتروبول، السيرة الذاتيّة والرمزيّة.

المتروبول

المتروبول بتعريفه البسيط هو المدينة الأم التي تحتوي على نسبة سكان مرتفعة. ولا شكّ أن “جزائر” صلاح باديس هي من أهمّ العناصر التي صقلت نصوصه وساهمت في رسم ملامح تجربته، إذ يضع الشاعر المتروبول في قلب النصّ وكأنّه يطوّقه ويُحيط به من كلّ جانب. يقف الشاعر وحيدًا أمام هذا التدفّق المتروبولي الهادر فيستبطن حركات وهمسات المدينة ويعيد صياغتها بصور متجدّدة ومشوّشة خارجة عن المألوف وكاسرة للنّسق الرتيب غير مبالية بالقواعد.

لقد تتبّع الشاعر الحركات الميكانيكيّة المعادة مئات المرّات ليصدم بها المتلقي، وكأنّه يضعه وجها لوجه مع المنظر المفزع، الذي أفرغ الإنسان من كلّ معنى.

“نحن أيضًا في مدينة الجزائر

نُغالب أمواج البشر والمركبات

نبحث عن مساحات الظلّ

نصرف نقودنا على زجاجات المياه

نقطّر أعمارنا على الأسفلت…”

تعيد قصائد باديس رسم ملامح الجسد المديني المعتل، من خلال رصد طبيعة النّسيج العلائقي داخل هذا الجوّ، الذي لا مكان فيه للتنفّس، هو سجن لا مرئي يمنع أيّ فسحة أمل ولا يترك أي فرصة للخلاص.

“تتقيّأ مذيعات الراديو في آذاننا

وتتفتّت ركبنا من السّياقة…”

تطرق هذه المجموعة الشعريّة موضوع وضعيّة الفرد في المدينة. هنا يسائل الشاعر – بوسائل من قلب التجربة في حدّ ذاتها، نمط العيش، أي المجتمعات البشريّة التي سلبت منها الإنسانيّة وأضحت مجرّد حقل مراقبة يتوسّع يوميًا. تبدو فكرة الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو التي يشرح من خلالها آليات اشتغال مجتمع المراقبة متبلورة بوضوح أكبر في ثنايا شعر باديس حيث تستمدّ العبارات وقعها من اليومي.

صلاح باديس

السّيرة الذاتيّة

ينتقل صلاح باديس بشعره، من مجرّد كلمات إلى وسيلة لرصد لحظات مهمّة وتفاصيل دقيقة من سيرته الذاتيّة، فيكتب بطريقة سينمائية أي أنّ وصف وضعيات معيّنة يجعل القارئ أمام مشاهد متحرّكة نابضة بالحياة. إنّها محاولة لبثّ شكوى ومشاركة المتلقي ذلك الضّجر سعيًا منه إلى تجميل القبيح وإزالة ما علق بالسيرة من ذكريات حزينة تثقل الجسد المدينيّ العاشق.

لقد كانت مجموعة “ضجر البواخر” فرصة للشّاعر ليبث مقتطفات من تجربته، ليترك للقارئ مهمّة إعادة ترتيبها وفق تسلسل زمنيّ مناسب، لتكتمل الصّورة في ذهنه.

“لا أعلم إذا ما كان الأمر صحيحًا

لكني أعرف

أنّ أعلى رجل في المدينة اليوم

هو سائق الرافعة التي تبني هذه المئذنة…”

تظهر معاناة الشّاعر في هذا السجن المديني الذي يعتبر مسرحا للتغيرات التي تطرأ على حياته وهو في وضعيّة رفض للبقاء ثابتًا في مكان واحد، بل يتنقّل باحثا عن الحبّ والحبيبة الغائبة. يصبح المتلقي هنا أمام ثنائيّة الترحال (الّشاعر الذي يهيم بحثا عن الاستقرار والخلاص من سجن المدينة) والثّبات (الذي تمثّله حبيبة غائبة). ويلج باديس من خلال مجموعته أفقا جديدًا يرسمه وينشد من خلاله الانعتاق من وضعيّة حليّة يعيشها نشدانا لوضع آخر، متغيّر وكأنّ الجمل المقتضبة هي انعكاس لوضعيّة الشاعر المتعجّل والمتلهّف للخلاص.

الرمزيّة

لعلّ أبرز ما يميّز هذه المجموعة الشعريّة هو قدرة صاحبها على الجمع بين سهولة العبارة وبساطتها ودقّة التراكيب ورمزيّتها. فالرمزيّة هي ملاذه ليعبّر عما يختلج في صدره.

“شيء غريب يتكدّس

في مدخل العالم الجديد”.

إنّ ما يحسب لصلاح باديس هو هذه العبارات الوغلة في الرمزيّة والتي يطوعها بأسلوب سلس لتنكشف بعد فعل القراءة، لتفصح عن معانيها. يشكو الشّاعر ضجرًا يعتبره أخطر من الكآبة، يثقل كاهل كل متساكني العاصمة.

“الباخرة لم تدخل الميناء

ونحن لم نعد قراصنة

حتى نذهب ونسترجعها…”

“أنت لم ترجعي من غربتك”

“كلّما شاركتك التدخين على الشاطئ

(قبل ان يغريك البحر بعبوره)

كنت وحدي من يكمل السيجارة إلى آخر خيط…”

إنّ الحضور اللافت لمعجم البحر (الشاطئ، القراصنة، الباخرة…) هو دليل على توق الشّاعر إلى التّرحال والانعتاق من سلطة المدينة نحو فضاء أرحب أين يلاقي الحبيبة الغائبة. يجمع باديس، من خلال نصوصه، شتات أفكاره ويعبّر عن أزمته (الوجوديّة؟) فتزداد الغربة وتتعمّق الهوّة بين الأنا (الغائبة رغم حضورها) والحبيبة (الحاضرة رغم غيابها).

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …