الجمعة، 25 يونيو 2021

كـافكا .. ونحن والأخريات

أسماء جزائري

لا يولد الكُتّاب دائماً، بل لا يولدون إلا قليلا ونادراً، ولهذا فإنهم الأكثر عرضة للخلود، ففي اعتقادي دائما أن الكتّاب هم شهادة ميلاد ممتدّة عبر الأجيال، أما وفاتهم الجسدية فذلك شأن الطبيعة، لأننا كقرّاء مخلصين ننتمي للعمل الأدبي لا لمن قدّمه، نكون أوفياء للكاتب فيه أكثر من أن نكون أتباعاً لطريقته في الحياة، فكلّ مقلد لحياة عظيم لن يحصل على النتائج ذاتها، لأنه ثمة فارق وفرق، الأوّل بين من يتنفّس عبر الكتابة، ومن يجعل من الكتابة شأن متنافسٌ عليه، أما الثانية  فتكمن بين من صنعه بؤسه، ومن يستورد بؤس الآخرين ليكتب به، فحتى لو عشت الآلام ذاتها، فإنك في الأخير لن تحصل على الفكرة نفسها، وهذا ما وقع فيه الكثير من  البشر الكتّاب لا الكتّاب البشر .

فرانز كافكا

في داخل كل رجل، جانب كفكاويّ يدعمه الخوف المطلق من الإخفاق، خاصة فيما يتعلّق بمسألة الارتباط، هذا الأمر لا نجده عند ما دون عتبة الثلاثين إلا نادراً، بعد هذا العمر تصبحُ الحياة عبارة عن فيديو من التصوير البطيء، لكل ما عليكَ الإقدام عليه، فتطرح التفاصيل دقتها وفرصتها الحقيقية في الظهور، عكس ما كان يدمجه التسارع، العتبة ذاتها التّي حين تجاوزها كافكا، تحرّر من سادية والده، التي شكلت منه كائنا لا يصلح لشيء، فانتقم بالكتابة من كل ما كان يرفضهُ، وحوّله إلى غابة متوحشّة من الحشرات والحيوانات الغريبة، التّي ترمز لألم جذريّ جراء اقتلاع روحه، فجاءت افتتاحيته الروائيّة الشهيرة عن عمل “المسخ” لتدعم ذلك : “استيقظ غريغور سامسا في فراشه ذات صباح بعد أحلام مزعجة، فوجد نفسه قد تحوّل في فراشه إلى حشرة هائلة الحجم “. ويقول الكاتب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز أن “هذه الافتتاحية الروائيّة بالذات هي  التي جعلته يتخذ أهم قرار في حياته : أن يصبح كاتباً” ، وفي كتاب معطف فوق سرير العالم مقال لجوزيف إيستن  يعبّر فيه الناقد جيرمي آلدر قائلا : “كافكا أقل إبهارا من بروست، وأقل ابتكارا للأفكار من جويس، ولكن رؤيته أشدّ قسوة بكلّ معنى الكلمة، أشدّ ألماً، وأكثر كونيّة من غيرها ”

رواية المسخ لكفكا

يعرّف كافكا بعلاقاته أيضاً وبرسائله مع ميلينا وفيليس والرسالة الوحيدة إلى والده والتي لم ترسل له، لكنه يعترض على الأمر فهو لم يكتب فقط رسائل إلى ميلينا، فالعبث معه لعبة لزجة، والواقعيّة صفة دوريّة، السرياليّة ضحكة مكتسبة الملامح، الرمزيّة غريبٌ عابر على جسر الصدفة، الكائن الذي اجتمعت فيه المتناقضات، الحالم بكابوسيّة أبديّة، والانعزاليّ  كصفة مميتة، والمريض كخبز يتورّم في بقعة ماء، القراءة لكافكا هي منحدر خطير، يبدأ بنوم بطيء ثمّ يتحوّلُ إلى توقّع مسحوق تحت حوافر الحياة، التّي قدّمت نفسها إليه كحيوان شرس، لا يعتقد إلا برحمة الألم .

فما الذي أحبّه كافكا؟

يعرّف الحب أحياناً بتلك القدرة الهائلة للخوف على الشيء، وتلخّص هذه المقدرة الوسائل القتاليّة العاطفيّة للمحافظة عليه، عند كافكا الأمر ذاته الحب عبارة عن مشاعر مُتصاعدة من الخوف، لكنّها لا تعني بالتمسك بل بالتّخلي، كانت فكرته في التعامل مع المرأة، هي ذاتها طريقته في التفكير يبدأ من المطلق وينتهي بالتفاصيل، والتفصيل الوحيد الذّي كان يصلُ إليه هو الكتابة، المرأة كانت وسيلته ليكتب لا غايته، وعلى عكس البعض الذين كتبوا للحصول على امرأة، كان هو  يحصل على المرأة حتى يحصل على المزيد من الكتابة، ويتخلى عن المرأة حتى لا يفقد الكتابة، إذ شكلت الأنثى كائنا كتابيا أكبر من أن تكون شريكة حياتية، فلطالما أخافته العلاقات الأبديّة أو الطويلة المدى، فتربكه فكرة الزواج المرتبطة مباشرة بالجنس، وبمخدع الزوجية، الذي يثير غثيانه، معترفاً في يومياته بأن الرغبة الجنسيّة ترهقه ليلا ونهاراً، ويجدر به ليتخطاها، أن يتخطّى خوفه وخجله وحزنه أيضاً، واضعاً نفسهُ أمام  شروطه التعجيزيّة، لأنّه يدركُ تماماً أنه كائنٌ أليم، وأن مخزونه الكتابيّ نابع من حزنه وخوفه من التسلط عبر أيّ عاطفة كانت، كان الكائن الذي سهل على والده تدميره والتخلي عن الاعتناء به، بالاعتداء عليه روحياً، لهذا لا يجد أيّ التزام تجاه الحبّ الذي لم يحصل عليه ليقدّمه للأخريات، فهل حقا فاقد الشيء لا يعطيه ؟ لا أعتقد.

رواية المحاكمة

في الحقيقة ما كان يخيفه أيضاً هو عجزه عن الوفاء لعلاقتين معاً، وفي آن واحد، علاقته بالكتابة وعلاقته بالمرأة، واللتان كانتاَ متلازمتين، ثمّ عكسيتين، عند عتبة ما، وبما أن الكتابة كانت تمنحه السلام الداخليّ، فيما تمنحه العلاقات الالتزام الذّي سيؤذي وفاءه غالباً بمتطلبات الحياة، ويعرض اهتمامه بألمه الوجودي إلى التقليل ويصابُ قلمهُ بانتكاسة، فضّل أن تكون المرأة القريبة لقلمه بعيدة عن متناول جسده، وما إن يحب حتى يترك، وما إن تبتعد عنه المرأة، حتى يسارع لاستردادها، مخافة من فقدانها، فليس التي خطبها ثم تركها، ثم عاد وخطبها، وعاد وتركها، تعبّر عن قلقه وتردّده، وتشكل جوانبه الكبيرة من الخوف، معبّرًا عن ذلك الخوف، برسالة يقول فيها لها، بعد أن ردت  بنعم على طلب زواجه منها: “أطلب الزواج وأنا أشعر بوهن شديد، حتى أن ركبتيّ ترتعشان لدى قراءتي كلمة نعم، في بطاقتك البريدية “. وقد أسهبت جاكلين راول دوفال في كتابها ” الخاطب الخالد ” في استعادة كافكا من علاقاته، وتابع الباحث الفرنسي دانيال ديماركت عواطف كافكا في عمل عنونه بـ”كافكا والفتيات”، ومثلت رواية “المحاكمة” رداً على ذلك الصراع الوجودي الذي لخصته علاقته بفيليس، ما بين التخلي والتمسّك، ما بين التنفير والتنازل، والذي أدّى بفليس إلى الاستعانة بصديقتها غريت بلوخ، للتوسّط بينهما، في محاولة لإقناع كافكا بالارتباط الرسميّ، وسريعاً تحوّلت عواطف كافكا واهتمامه إلى غريت بالمراسلات التّي أساء فيها لفيليس والتّي أبقتها غريت سراً، ولم تجد هذه الصديقة سوى المواجهة، وكان ذلك ما حدث فعلاً وكانت بلوخ هي القاضية في رواية “المحاكمة” بينما تخلى كافكا عن الدفاع عن نفسه بالصّمت، الذّي يظهر جلياً في فصول الرواية وهي طريقة استسلام، رافقته طويلاً في حياته، كان يرد بالصمت لأنّه كان يريدُ اقتصاصاً، ولو أدبياً، لمرافعة يحصل فيها على الإعدام، ليقلبَ  صفحة المشهد .

لهذا علينا أن نتساءل عن العاطفة كحرج فعليّ؟

المرأة كائنٌ لطيف، بالقدر الذّي يستدعيكَ لتذكر قسوة الحياة عليك، ثمّة من يراه نوعا من العلاج، وثمة من يراه استرجاعاً لمواجعه وآلامه، العواطف المعتنية بالذين لم يُعتن بهم مطلقا، تشعرهم بالحرج، فيتوجهون لما هو عابر كتجريب أو كحاجة، فمثلت بائعات الهوى والخادمات جانباً مهما في حياة كافكا، وحتى انتقاله من علاقة إلى أخرى، المرأة التّي تفرض غيابها وتخليها عنك سلفاً، والتّي تدعم نفسها كرغبة تنطفئ، وتستبدل ويطرق عليها تعديلٌ، المرأة المرادفة للتغذية الجسدية، التّي في إمكانك أن تأكل اليوم سمكاً وغدًا بطاطا مقلية، وبعد غد يمكنك أن تصوم دون الشعور بأي ذنبٍ كان، وقد عبّر كافكا عن هذا قائلا في يومياته، “أنه لا يصلح إلا للمواخير، وأن كل ما يستحقه، هو هذه المرأة العجوز المجهولة  الوسخة صاحبة الساقين المتهدلتين، التّي تسحب منيه بلحظة واحدة، وماله، ثم تستعجل الذهاب إلى الغرفة المجاورة حيث ينتظرها زبون آخر”. كان الكائن العظيم الذي بالغت الحياة في حرمانه، ثم بالغ هو بدوره في حرمانها منه.

 

 

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …