الجمعة، 25 يونيو 2021

قبل الحبّ بقليل.. رواية ببعد رابع، تعري الماضي وتكشف المستقبل

عبد اللطيف ولد عبد الله

غلاف الرواية

الحياة أماكن نرتادها ونجوب شوارعها، شاعرين بخيبتها وآمالها. وكما جاء على لسان بطل رواية ”هابيل”: ”الأماكن ناس وذكريات ولغات ”. هكذا عشت في مدينة وهران التي رسمها قلم أمين الزاوي بعناية ودقّة. كلّ شيء يبدأ بعد فترة الاستقلال، خلال السبعينيات ثم الثمانينيات. سيظهر معنى ”قبل الحبّ بقليل”(منشوزات الاختلاف وضفاف)، الذي هو عنوان الرواية من الصّفحات الأولى، فكلّ الحكاية ستروى في سرير داخل غرفة، بين ”هابيل”، بطل القصة وعشيقته ”سارة”، زوجة الجنرال الذي شارك في الثورة التحريرية ضدّ الاستعمار الفرنسي.

أيّ قارئ سيستنكر هذه الخيانة الزوجية ولكن بناء الشّخصيات وتفاعلها مع الأحداث سيجعله يتعاطف معهما مرغمًا ، ويدرك أن الحكم المسبق ما هو إلا وأد للحرية وللحياة نفسها.

يجمّد الكاتب الزّمن والمكان ليعود بالأحداث إلى الخلف، مستعملا تقنية الفلاش باك. وبحركة متسارعة تؤدي إلى اعوجاج المكان والزمان نكتشف عوالم عدة شخصيات من بينها شخصية هتشكوك العاشق للسينما والذي يحلم بإخراج فيلم ”لا عنب ولا قمح ”، ليمثل واقع الجزائري الخائب بعد نكسات البلد الاقتصادية والاجتماعية.  يسكن فندق ”المهاجرين” وهناك يلتقي ﺑ”كريمو”، شخصية كوميدية ومرحة تقوم بالإشراف على تسيير الفندق والاهتمام بنزلائه.

وفي مكان غير بعيد عن فندق المهاجرين، يُقيم ”بابا سليمان”، في مرآب سيارات داخل غرفة حقيرة وهو مثال للرجل المثقف والملتزم بمبادئه، هذه الشخصية قلقة لها ذاكرة متميّزة ومثيرة لعدة تساؤلات يطرحها الجزائري على نفسه. هل كل المعمرين في الجزائر كانوا فرنسيين فقط؟ وهل هناك من بينهم من رفض الظلم والعنف الموجه للشعب الجزائري؟!

الرواية أحيانا تجعل القارئ يقف في عدة مواضع ليتأمّلها وربما تضطره للسؤال عن تاريخه مجددا والمطالبة بالحقيقة كاملة.

يرافق ”بابا سليمان” دائما شخصية محورية في القصة ﻓ”هابيل” بطل الرواية يمتهن بيع الكتب في ساحة عمومية ويقيم معه في نفس الغرفة، فنرى من زاويتين مختلفتين حالة المجتمع المنفتح على الثقافات الأخرى والتدهور الذي يطال القيم أمام الزحف السلفي، فتشهد الجزائر زلزالا فكريا ثم اقتصاديا بعد رفض السّلطات، تحت تأثير الفكر السلفي، لفتوى مشهورة أفتاها أحد الرجال الغيورين على الوطن تقتضي بشراء كلّ مواطن جزائري للنبيذ الوطني لإنقاذ الكروم المهدّدة بالضياع.

لنعد مرة أخرى إلى قصة ”هابيل”، فالكتب لم تعد شاغله فقد شاءت الصدف أن تجعله كاتبا لمذكرات الجنرال ”سي سفيان”، ذو الأرجل الاصطناعية السبعة. رجل لكل يوم من أيام الأسبوع . تدخل الأحداث في منعطف آخر عندما يبدأ ”هابيل” بالتردد على قصر الجنرال كل يوم لتدوين حياته الثورية فيلتقي هناك بسارة الزوجة الشابة والفاتنة والتي تعاني من حرمان عاطفي وجنسي سببه أنانية الجنرال وحبّ تملكه على حساب الجميع.

يردد الجنرال دائمًا عبارة هي كالمتلازمة في الرواية: ”أنتم جيل ضائع”. ويجيبه هابيل في أحد المقاطع: ”أنا لم أقم بثورة في حياتي ولم أقد جيشا، ولدت فوجدتهم يقولون الاستقلال تضحية والوطن وديعة”. يعترف الجنرال سي سفيان بأمور خطيرة حدثت بين الثوريين الجزائريين في اجتماع بتطوان في المغرب الشقيق في أيام الكفاح. حيث كان حاضرا في تجمع رؤساء المناضلين هناك وأمر بدفن رفيقهم بعد أن تكالبوا عليه وقتلوه في نهاية الاجتماع. حيث يقول الجنرال: ”شاهدت مجموعة تسحب السّيد الذي يشبه الشعراء والأنبياء وهو يندد ويقول كلاما عن الخيانة والتاريخ والمستقبل ”قام سي سفيان بدفن ذلك الرجل الذي يشبه الأنبياء وبعد ذلك بأيام تمت ترقيته إلى ”نقيب’.’

تتعقد حياة ”هابيل” أكثر عندما يطرد من إقامته بعد أن توفى ”بابا سليمان”، فيجد نفسه بمساعدة صديقه ”هتشكوك” في الطابق التحتي للفندق. كان سببا في منع بعض المتشددين بتحويل تلك الغرفة إلى مصلّى مما عكّر صفو السلفي الذي يقيم في نفس الفندق.

يتجلّى المشهد الإنساني في أجمل صوره من خلال تشييع جنازة ”بابا سليمان”، الذي بكت لفراقه السّماء ونسيه الجميع لأن الأنظار كانت متوجّهة نحو وفاة الرئيس بومدين في نفس اليوم الذي دفن فيه ”بابا سليمان”، هذا اللغز الجزائري الذي حمل قيم المحبة والتسامح يغادر في صمت مقابل شعب يحب دكتاتوره حتى البكاء.

أمين الزّاوي

ألبير كامو و رواية الطاعون ومقهى ”سنترا”، ذاكرة لا تزال حية وتفنن أمين الزاوي في جعلها ثلاثية الأبعاد بعد ان كانت مستوية لا يعيشها إلا من قرأ رواية الطاعون وعرف وهران آنذاك فقط.

تستمر الحكاية ولا يزال الزمن متوقفا ولكننا نقترب من العودة إلى نقطة البداية بعد أن بدأت سارة تتردد على الفندق لتلتقي بهابيل ويمارسا الحب هناك بشغف وحياة متجددة، ولكن كل ذلك لن يستمر طويلا فيخيّل إلى القارئ أن الكاتب يمارس عليه نوعا من السّحر في قالب خيال ولكن الحقيقة أنه يرتبك وهو يمرّ على الصفحات الأخيرة، سعادة هابيل لن تدوم طويلا فمدينة وهران تغيّرت كثيرًا أمام الزحف السلفي، ”غدت ثقافة العنف تغزو اللغة والنفوس، المحبة التي حملناها لبعضنا البعض عشية الاستقلال خبت، الشوارع تلبس السواد والأوساخ تتراكم على الأرصفة وقدام أبواب العمارات وفي القلوب”.

وتستمر محنة هابيل الذي يبيع الكتب عندما خاطبه أحد الملتحين بألبسة أفغانية بلهجة حادّة وآمرة أن هذه الكتب ضدّ الشّريعة و ضدّ الدّين. وأن عليه سحبها من السّوق فورًا. فلغة الكفّار في نظرهم هي لغة الاستعمار ولغة الغرب الكافر متعللين أن اللغة العربية هي لغة الجنّة. فخيروه بين أن يرفع طاولته و يُغادر المكان أو يُغير من كتبه. قفل راجعا إلى غرفته في الطّابق السفلي داخل الفندق مكتئبا تمر أمامه الأيام وتستمر شرطة الأخلاق في فرض سيطرتها على الناس و على الأفكار. فتتعرض شقة المخرج السينمائي هتشكوك للتخريب، وبعد أيام سيغتاله التيار السلفي في نفس الفندق بطريقة خفية وهنا تغادر سارة دون رجعة وتستمر الحكاية في ذاكرة كلّ واحد منا، فلكل منا نهاية تناسب خياله.

الكاتب ترك النهاية مفتوحة على جميع الاحتمالات بعد أن غادرت سارة السرير وانتهكت حكاية هابيل.

هده الرواية مقلقة ومزعجة للقارئ إنها بمثابة وخز لضمير القارئ  لينظر إلى ماضيه ويوقظ فيه إحساسه بأهمية التاريخ والذاكرة. فهل سنستمر في طرح هذه الأسئلة لنجد لها أجوبة مقنعة؟ أم أننا سنستمر في تجاهلنا للماضي ونعمد إلى دفنه كما دفن الجنرال سي سفيان ذلك الثوري لنستمر في تخبطنا العشوائي و خطايانا ضد الإنسانية والحرية،  نمارس العنف الفكري ضد بعضنا البعض؟! بهذا الكلمة سنستمر في الحكاية رغم أن هابيل سافر إلى لبنان ليجد السلام والأمن هناك. حكاية أفلتها الكاتب ليضعها بين أيدينا نحن القراء كأمانة لنقدّمها للأجيال القادمة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …