الأربعاء، 26 فبراير 2020

ديهية لويز .. سكنت جسد الكتابة

ما يميّز ديهية لويز (1985-2017)، الكاتبة الشابة التي فقدتها الساحة الأدبية الجزائرية مؤخرًا، في كتاباتها ومواقفها ونظرتها الثاقبة للأشياء، رغم حداثة تجربتها الإبداعية، على نقيض الكثير من الكتّاب – بما في ذلك الكتّاب المكرّسين- أنها استطاعت التصالح مع إشكالية اللغة المطروحة بحدّة في الجزائر، وتتجاوز بالتالي عقدة الكتابة بهذه اللغة أو تلك، ليس هذا فحسب، بل وتتفوّق في تجربتها المتفرّدة، الجديرة بالتمعّن. هكذا كتبت باللغة العربية روايتين مهمّتين، نالتا استحسان النقّاد. الرواية الأولى صدرت باللغة العربية سنة 2012 تحت عنوان «جسد يسكنني»، وأتبعتها برواية ثانية في العام الموالي بعنوان: «سأقذف نفسي أمامك» عن منشورات ضفاف والاختلاف. وهي الرواية التي تناولت فيها الكاتبة موضوعا سياسيا وثقافيا حساسا جدًا، لم يسبق طرحه على الأقل كثيمة رئيسة في أعمال سردية من قبل، على مستوى الكتابة باللغة العربية تحديدًا، ويتعلق الأمر بأحداث ما أطلق عليه الربيع الأمازيغي، في أبريل 2001، ستتطرق إلى أسبابه ودوافعه، سياقاته التاريخية، وتبعاته. تقول ديهيل لويز: «الموضوع الرئيسي في الرواية كان فعلا الربيع الأمازيغي، تحديدا الربيع الأسود الذي عاشته منطقة القبائل سنة 2001. تدور أحداث الرواية في هذه الفترة الصعبة، أين يحتدم الصراع من أجل الاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغية، كجزء من الهوية الجزائرية».

ديهية لويز

تعترف ديهيا لويز، أن في الجزائر تحديدًا، يعتبر موضوع الهوية موضوعا شائكا، «لم نتمكن من فصله أو الخوض فيه بعمق حتى اليوم. الاعتراف بالجانب الامازيغي للهوية الجزائرية لم يكن سهلا، كان نتاج نضال مرير وطويل. أعتقد أننا بحاجة إلى الوقت لتندمل الجراح، ونتمكن من فهم ما معنى أن تكون جزائريا، وأن تنتمي إلى وطن يسمى الجزائر. في اعتقادي أن الانتماء إلى الطائفة أو العشيرة مفهوم مغالط لتعريف الهوية، لكن الوطن يكفي للتعريف عن انتماء شخص إلى رقعة جغرافية محددة، ثقافة مشتركة، تاريخ واحد وتحديات مشتركة».
لم يقتصر دفاعها على الثقافة الأمازيغية، من خلال قنوات أخرى وبلغات أخرى، بل ستتبنّى لغة أمها كتابة وموقفا، ستكتب رواية باللغة الامازيغية، وستنجح عن جدارة في افتكاك جائزة محمد ديب للرواية الأمازيغية لعام 2016.  الرواية بعنوان «بين السماء والأرض» تتناول قصة شهيدة أثناء ثورة التحرير، قدمت كل ما لديها من أجل حرية الوطن، حتى حياتها. الرواية كما تقول الكاتبة «تعتمد على تقنية الرسائل التي تصل إلى الراوية، هذه الرسائل التي تسرد قصّة هذه الشهيدة، والأحداث التي مرّت بها الجزائر بعد الاستقلال إلى اليوم». وباللغة الأمازيغية كذلك، شاركت مع نخبة من الكتّاب الجزائريين والمغاربة والليبيين، في تأليف كتاب ضمّ باقة من القصص القصيرة. كانت الراحلة تفكر في جمعهما في كتاب.

روايتها باللغة الامازيغية

وستكتب ديهية لويز أيضا باللغة الفرنسية، مساهمة بمقال لها مع نخبة من الكتّاب، ضمن كتاب أشرف على انجازه أمين الزاوي، عن مولود معمري، الإنسان والمناضل والكاتب، بعنوان : «مولود معمري، مفكرا ليس كالآخرين».

في صفحتها على الفايسبوك، تكتب ديهية لويز باللغة العربية وبالأمازيغية وبالدارجة الجزائرية وبالانجليزية والفرنسية. حسب الاستعداد، والمزاج والظروف، دون عقدة أو مركب نقص. ستجد في أبيات محمود درويش السلوى، وهي تصارع قلق الأسئلة الوجودية، هكذا تستشهد بأبيات من درويش، التي تبدو قارئة له، عاشقة لشعره العميق، وكأنه يحقق لها شيئا من الراحة النفسية، وهي تصارع المرض العضال: «الموت لا يعني لنا شيئا / نكون فلا يكون / الموت لا يعني لنا شيئا / يكون فلا نكون»

أو في أبيات أخرى تختارها لشاعر الثورة الفلسطينية: «تنسى كأنك لم تكن شخصا ونصّا/ تنسى/ وكأنك لم تكن خبرا ولا أثرا/ تنسى / فأشهَد أني حرّ وحيّ حين أُنسى».

وستنهي شغفها بشعر عميق من أبيات منتقاة بعناية من رباعيات الخيام، سيختارها القدر كآخر ما كتبت : «أحسُّ في نفسي دبيب الفناء/ ولم أصَب في العيشِ إلاّ الشقاء / يا حسرتا إن حانَ حيني / ولم يُتحْ لفكري حلّ لُغز القضاء».

كانت تبدو ، وهي تصارع المرض العضال، مسحة الحزن طاغية على كتاباتها، ولكنه حزن لا يرتبط بالمرض وحده، بل بتأزّم الأشياء في بلدها والعالم، هكذا ستكتب مفتتحة روايتها الثانية الموسومة: «سأقذف نفسي أمامك» : «ما جدوى البقاء في حياة ليست لنا أيّة سلطة عليها؟»

رواياتان باللغة العربية

فلسفتها في الحياة تلخصها في إجابتها عن سؤال الحلم والواقع، تقول ديهيا : «أعتقد أني واقعية، لست حالمة متوهمة، ولست سوداوية متشائمة. يكفي أن نتمكن من فهم الحياة، وإدراك ما يحيط بنا من تناقضات وتحديات، لنعرف أن الأمل وحده لن يغيّر الكثير، إن لم نتمكن من تشريح عقدنا ومشاكلنا العميقة».

هكذا وجدت في الكتابة متنفساً لها، وهي تتألم في صمت، ستجد فيها «شيئاً من السعادة وتجد منفذا للتحايل على هذا الواقع المرّ» . تضيف ديهيا : «الكتابة بالنسبة إلي متعة قبل كلّ شيء، أسافر من خلالها إلى كل المتاهات الممكنة في النفس البشرية، وأكتشف نفسي والآخرين أكثر من خلالها، ليس هناك أجمل من لحظة أتداخل فيها مع الكلمات وهي تتدفق من داخلي وتتشبث بالأوراق، إنها اللحظة التي تحررني من كل شيء» .

 

 

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ريلكه

أن تقرأ ريلكه بالعربية

محمد الصّالح قارف مرّت عشر سنوات على ترجمة كاظم جهاد لأهم الآثار الشّعرية لراينر ماريا …

الرواية الجزائرية تتألق في الجائزة العالمية للرواية العربية

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية هذا الثلاثاء، عن الروايات المرشّحة للقائمة الطويلة بدورتها للعام 2020، …