الخميس، 27 فبراير 2020

الفرانسكية.. أمّ الفرنسية وابنتها أيضًا!

رشيد فيلالي

الفرانسكية”le francique”(بالألمانية: fränkisch) لها قصّة مثيرة وطريفة للغاية، إذ يمكن اعتبارها أمّ الفرنسية، لكونها ورثت منها اسمها، وابنتها في الوقت ذاته!

وذلك جراء تحوّل الفرانسكية إلى لغة أقليّة وجزء من اللغات الفرنسية الجهوية، وإذا عُدنا إلى الوراء عدّة قرون، وتحديدًا ضمن حدود البلد الأروربي الذي يسمى فرنسا اليوم نجد أن هذا البلد كان يعيش به شعب من أصول سلتية وهم الغاليون وكانوا يتكلمون لغة تسمى (le gaulois).

وفي عام 58 قبل الميلاد، أراد الرومان، بقيادة يوليوس قيصر، توسعة مناطق إمبراطوريتهم، فغزوا فرنسا وطبعًا كان الرومان يتكلّمون اللاتينية، وعندها اختلط الشعبان وصارت اللغة الغالية تتضمّن كلمات عديدة من أصل لاتيني أو قُل من لهجة عامية لاتينية، وفي القرن الخامس وقع الأمر ذاته عندما غزت بعض القبائل الجرمانية بقيادة قائد لها يدعى كلوفيس(منه اشتق اسم لويس) الأراضي الفرنسية ، وكانت هذه القبائل تتكلّم لغة تدعى الفرانسكية، أي لغة الإفرنجة أو الفرانكيين، وهي تصنف حسب فروعها من الألمانية العليا و الوسطى أو الدنيا، وكان أحد هذه الفروع ويسمى راينفرينكيش (Rheinfränkisch) كما يقول العديد من المؤرخين هو اللغة الأم للإمبراطور الشّهير شارلمان.

والعجيب في الأمر أن هؤلاء الغزاة الجدد الجرمان الذين كانوا أقلية سرعان ما تخلوا عن لغتهم الأصلية وصاروا يتكلمون لغة السّكان المحليين، وعلى امتداد عدة قرون وقعت تحوّلات محيّرة فعلاً ويصعب تفسيرها، حيث حملت لغة السكان الجديدة اسم الفرنسية متأثرة باسم الغزاة الجرمان رغم كونها لغة لاتينية عامية وغالية، وهذه الأخيرة ذات الأصول السلتية تراجعت ولم يبق من مفرداتها في الوقت الراهن سوى بضع عشرات من الكلمات تتراوح ما بين 71 إلى 150 كلمة فقط.

لكن لم يحدث هذا فحسب، حيث في الواقع لم تنقرض اللغة الفرانسكية، التي تصنف ضمن اللغات الجرمانية على غرار الألزاسية مثلا، وظلّت حيّة غير أنها بحكم موقع المتكلمين بها الموزعين على حدود مجموعة من الدول الأوروبية وهي لوكسمبورغ وبلجيكا وألمانيا وفرنسا، فقد انشق منها أربعة فروع بها اختلافات حتى من جهة النّطق والعديد من المفردات، وكل فرع منها يحمل بناء على ذلك خصائص الفضاء الثّقافي الذي يتم تداوله فيه.

الفرانسكية.. نريد أن نبقى ما نحن عليه

ففي فرنسا يطلق على هذه اللغة اسما مختلفا وهو “Platt” وتعني هذه الكلمة الواضح والمفهوم، لكن هذه الكلمة غير موجودة في القاموس الفرنسي ، وفي لوكسمبورغ تحمل اسم اللوكسمبورغية، أو كما يطلق عليها بهذه اللغة (Lëtzebuergesch)، وقد تم تصنيفها بتاريخ 24 فيفري عام 1984 لغة وطنية مع الفرنسية والألمانية.

وفي فرنسا حاليًا يحصى أزيد من 400 ألف متحدّث بهذه اللغة التي يطالب أصحابها وفق حملات نضالية لا تتوقف بتدريسها في المدارس والمحافظة عليها، وقد تمّ ذلك ضمن المناطق التي لا تزال مستعملة بها، كما تنشط عدة جمعيات ثقافية من أجل كسب مزيد من الحقوق الخاصّة بحرية استعمال الفرانسكية في الحياة اليومية والثقافية، حيث توجد لهذا الغرض مجلات ومطبوعات تنشر بهذه اللغة، فضلا عن مهرجانات ومسابقات تنظم سنويا، منها خاصة مهرجان مدينة سارغومين (Sarreguemines)، الذي تم ترسيمه منذ 1999 وينظم كل شهر أكتوبر.

كما نقرأ في واجهة بلدية لوكسمبورغ عبارة تختزل روح الهوية التي يريد السكان التّمسك بها وعدم التفريط فيها مهما كان الأمر، وهذه العبارة هي:Mir wölle bleiwe wat mir sin أي “نريد أن نبقى ما نحن عليه”.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …