الجمعة، 25 يونيو 2021

أبي حيّ.. بين رفوف المكتبة

زينب عتو

“عشت حياتي بأكملها دون خوف”.. “رجل لا يدخل قلبه الخوف”.. هكذا اعتاد الجميع مناداتي.. قبل أن تعرفيني حتى..

كنت حريصًا دومًا على معرفة نوع الرّمال التي سأضع عليها قدماي.. حتى إذا دست بالخطأ على رمال متحرّكة.. عرفت بالضّبط ما سأفعله.. أنتشل جسدي من وسطها بكلّ هدوء كلصّ آخر الليل..

التّخبط الكثير يجعلها تبتلعك وتهوي بك إلى القاع.. حيث يصبح الخروج مستحيلا.. لذا كنت اختار المواجهة.. الوقوف في وجه الموت كان سهلا على رجل مثلي..

لم أخبرك أنني سأرحل رغم أني كنت على دراية بالقادم!

هذا بالضبط سبب كتماني للأمر. لم يبد الأمر مخيفًا ولا كبيرًا لأخبرك به.. لا أعلم حتى لِم يخاف النّاس من الموت كثيرًا؟!

لكنني متأكّد أننا نخاف من المجهول فنترك الحياة تمرّ أمامنا دون أن نبذل جهدًا في أن نعيشها بلحظاتها.. التّفكير في القادم الغامض يقتل جمال الحياة ويغتال سعادة اللحظة..

لكنني الآن خائف وأنت تقرئين كلماتي. هل تدرين مما أخاف؟.. متأكّد أنك تعرفين.. لا شيء الآن سيضر رجلا ميتًا، لا تدري روحه أين مستقرّها!

لست تائهًا ولا ضائعًا ولا حتى بعيدًا.. أنا موجود حيث تضعينني حتى لو كان داخل علبة تونة..

تأكدي أنني لن اخرج منها دون علمك.. الأمر مضحك.. ها أنت تعلمين لأول مرة مكاني.. هل يجوز لجثة ان تتكلّم عن سخرية القدر؟!

حين يغادر الانسان عالمه.. لايهم إذا تمّ دفن جسده أو حرقه أو رميه متعفنا  للكلاب الجائعة.. ولا  روحه  تبدو مهمّة بأي أرض أو سماء هي تطفو.. طالما ترك ذلك الراحل من بعده من يذكره ويحتفظ بشيء منه بداخله.. وكذلك أنا تركتك من بعدي لأعيش بعد موتي..

“يالك من أناني”.. أجل.. هذا ما تفكرين فيه! الإنسان مفطور على الأنانية.. حتى في أعظم درجات الحبّ.. سيختار ذاته.. سيضحي من أجل من يحبّ. .ليحقق له سعادته بعيدًا عنه وبذلك يعيش هو مرتاحا بنهاية خدمته وصلاحيته في الحبّ..

ستفهمين ذلك كلّه يومًا ما.. يحزنني الغياب أيضًا.. في الحقيقة أتصوّر ذلك فقط، فلا أعرف بماذا أشعر الآن.. حزن أم خوف؟!

هل سأخاف هناك وأنا أدرك أنك تقرئينني هنا!.. لكني اخترت المواجهة… فاختاري ماذا ستفعلين… تقبلين دعوتي بالبقاء أم ستكتفين بإطار صورة تجمعنا!  تضعينها بجانب سريرك..تتطلعين إّّلى سقف الغرفة متيقّنة من رحيلي؟!

أعلم ان اليقين لم يكن مجالك يوما.. لذا ستفضلين بقائي في عالمك.

يُسعدني اختيارك كثيرًا، لذلك سأواصل ثرثرتي على غير العادة.. هل أدركت الآن أني أعرفك بالقدر الكافي! هل تصدقين أن التّواصل الدائم مع الأشخاص لايعني بالضّرورة قربهم من أرواحنا ومعرفتهم بحقيقة ذواتنا!.. طبعًا!.. لن تصدقي كلام رجل كان غائبًا في أعياد ميلادك كلها.. كان لدي الكثير لأخبرك به وأشاركك فيه.. لكنني كنت خائفا من الخسارة فلا يجدر بالتّاجر أن يخسر في لعبته المفضلة..

البعد كان خيارا مريحا أمام خسارتك.. أنا لم أنس أعياد ميلادك العشرين كلها.. اشتريت لك كتابا في كل ذكرى وأرفقته برسالة منّي لك.. لتقرئيها بعد كل كتاب.. “لِم لمْ تعطها لي؟”.. تتساءلين.. أعلم.. خبأتها لتقرئيها حين يحين الوقت.. وقد حان.. قد تبدو الكتب هدايا مبتذلة.. أعرف أني لست جيدا في أمور الهدايا والعائلة والعلاقات بأسرها، كيف برجل بائس مثلي أن يجيدها؟!.. لكنك ستجدينني في نهاية كلّ كتاب، فهل سيكون هذا كافيا ليبعد الابتذال؟ لم نحض بالكثير كأب وابنته.. ولا أعرف كيف يكون “أب وابنته” طالما كنت فاشلا ومجرد أحمق لم يستطع فهم ما تحتاجه طفلة صغيرة، فكيف وأنت شابة يافعة ثم امرأة..

لم أسألك يوما: “كيف حالك؟”..لتجيبي: “بخير”.. كان سيبدو سؤالا سخيفًا أمام الحقيقة المروعة التي كنت أراها في عينيك.. ابحثي عن رجل يجيد قراءة عينيك فسيغنيه ذلك عن مذلّة السّؤال كغريب يعبر سبيلك.. ليقهرك سؤاله الجاهل.. مثير للسّخرية أن أحدثك عن الحبّ هنا.. وأنا لم اخبرك يومًا أني أحبك.. تركي لك وحيدة بعدي يجعلني أكتب دون تلك الحدود التي رسمناها بيننا في اتفاقياتنا الصّامتة..

الحزن الذي كان بداخلك والفراغ الذي كان بداخلي.. ورحيل والدتك المبكّر.. .كلها أشياء منعتني من عبور الحدود إليك.. الأنثى تحتاج في حياتها إلى رجلين يغنيانها عن العالم بأسره.. والد يسندها بحنانه.. يلتقطها إذا سقطت.. وحبيب يأخذ بيدها.. أما أنت ياحبيبتي ولسوء حظّك  فقدت  الأوّل مرات كثيرة وها أنت تفقدينه الآن بألم أشدّ وقعا من خيبات أمله المتكررة..

رحلت يا ابنتي.. وبقي أنت والعالم من بعدي.. فلا تحزني لفراق أب فاشل في التعبير مثلي.. لم يكتب في حياته كلّها إلا لامرأتين. الأولى هي والدتك.. التي لم أكتب لها سوى مرة واحدة.. لم يكن للكلمات داع بيننا.. كنا ذاتا واحدة اختارت ان تسكن جسدين.. وأما الثّانية فقد شعرت بحاجة لأن أكتب لها منذ اقتحامها عالمي وهي تصرخ كأنها ترفض مجيئها.. كنت هكذا منذ ولادتك.. عنيدة مستقلة بعالمك.. فلتبقي كما أنت صغيرتي.. عالمنا.. أو بالأحرى عالمكم.. قاسٍ لا يرحم أنثى دون رجل في حياتها .وهذا ما يخيفني أكثرعالم متوحّش تركتك فيه وحيدة.. فما أنت صانعة!

آخر ما أضيفه وسط هذه الفوضى التي أسميها رسالة أولى هو أمنية، فلتعتبريها أمنية رجل ميّت.. أتمنّى أن تطّلع على رسائلي وأن تجدي فيها ما تشفعين به لي..

انتظر ردّك حتى وإن كان كلانا يدرك أن ردك لن يصلني.. لكنني انتظره بصبر..

والدك الرّاحل المحبّ.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …