الجمعة، 25 يونيو 2021

قراءة في قصّة «النشيد» من مجموعة «صوب البحر»

أحمد عمراني

قصة «النشيد» هي أوّل قصة تفتتح المجموعة القصصية التي تحمل عنوان «صوب البحر» للكاتب بوداود عمير الصادرة عن دار الكلمة بالجزائر سنة 2017. تضع هذه القصة القارئ مباشرة في صراع  الأجيال، وصراع الماضي مع الحاضر، وصراع الجغرافيا، وصراع تمثيل الواقع وعرضه، وصراع الوُجهات، وصراع المباريات. هذه الصراعات موضوعة في قالب زماني ومكاني محدود، لأن زمن أحداث القصة جدّ قصير: فترة الأخبار على التلفزيون. والمكان جد ضيّق أيضا : البيت. فالمكان والزمان ضيقان جدا ويحملان – على ضيقهما – عدة صراعات. فالقاصّ يعمل على تقنية الاختزال. وكلما كان اللجوء إلى التقليص والتضييق كانت رمزية الكلمات والمشاهد عديدة، وتحتمل أكثر من تأويل.

غلاف المجموعة القصصية

تتناول القصّة شخصية سي سليمان، وهو رجل شارك في حرب التحرير الجزائرية. شيخ كبير يعاني من عدة أمراض، يستلقي على  سريره ليستمع أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في غرفته. وفي الغرفة المقابلة يتفرج أبناؤه الثلاثة مباراة كرة قدم، ويستمعون للنشيد الوطني الفرنسي، قبيل بداية المباراة بين الفريق الفرنسي ونظيره الإيطالي. ثم يحدث خلاف بين الأب وأبنائه حول النشيد الفرنسي.

أوّل صراع يسجله الراوي العليم هو صراع الأجيال. ويتضح هذا الصراع  أو الاختلاف من خلال هموم كل جيل. مثلا شخصية سي سليمان المجاهد تشاهد الأخبار وبالخصوص أخبار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. أما الأبناء فيشاهدون في الغرفة المجاورة مباراة رياضية. حتى استعمال التلفزيون مختلف بين الأب وأبنائه: الأب يراه جهازًا للأخبار، والأبناء يرونه جهازا للتسلية. والصراع بين الفلسطينيين هو صراع حياة أو موت، أما صراع كرة القدم فهو صراع جوائز وأهداف. فليس مضمونا ما يشاهده كل جيل هو ما يهم السارد، بل أيضا كيف يتعامل كل جيل مع أجهزته. حتى مسألة وجود تلفازين في البيت له دلالته. لأن سي سليمان يقول إن فترة حرب التحرير كانت فترة تقارب بين الأفراد : «يتذكر أنه كان يتقاسم مع رفاق السلاح بعطف وأريحية رغيف الخبز المعجون بقليل من تراب الأرض، دون أن يشعروا في أية لحظة بالجوع. وكان يتقاسم معهم عبر إناء ممتلئ بماء الغدير الملوّث جرعات تقي بالحد الأدنى للعطش». فكلما كانت الندرة وقلة الأشياء الضرورية تَقارب الأفراد فيما بينهم، حتى وإن لم تجمعهم قرابة الدم أو المنبت، وكلما ظهر الثراء وكثرت الماديات وتنوّعت، صارت الاختلافات والفُرقة حتى بين أفراد نفس العائلة. وكأن الوطنية تصنعها قلة الماديات والندرة ويقتلها الثراء وكثرة الماديات. وهنا يتذكر سي سليمان نفسه في شبابه بقوله : «المبيت ليلا في العراء في عزّ الصقيع، إضافة إلى الركض لمسافات طويلة دون توقف أو استراحة، ثم الاكتفاء بأكل بسيط». وهذه العبارة تحمل مقارنة ضمنية بين شبابه هو وشباب أبنائه. لأنهم قابعون يتفرجون فقط، كما يصفهم الراوي : «توجه سي سليمان، صوب الغرفة المقابلة حيث يتواجد أبناؤه». فحركة بطل القصّة في شبابه يقابلها جلوس أبنائه الشباب. فجيل الأب قضى شبابه في الحركة أما جيل الأبناء فيقضيه في الجلوس. وحين يفضل الأبناء سجن أنفسهم في غرفة أمام جهاز التلفزيون، فإن سي سليمان كان يركض بين الجبال ويشرب من مياه الغدير.  يسجل البطل الصراع بين الأجيال بهذه العبارة : «إن ثمة خللا ما، في بناء جسر تواصل بين الأجيال». فهو يعترف بوجود خلل لكنه لا يعرف أين هو. ويكتفي بتشخيصه فقط وبتسجيل مختلف الفروقات. حتى الحوار بين الأب وأبنائه هو مقتضب ولا يصب في مسألة الصراع ولا يفتح الباب لتبادل هموم كل جيل. يسمع الأب النشيد الفرنسي «لامارسييز» في غرفة الأبناء فيتدخل ويأخذ في يده زر التلفزيون ويغلق «أمام دهشة أبنائه الجهاز». ثم يستغل صمت أبنائه ليقول لهم إن الاستعمار كان بهذا النشيد يقوم بحرق القرى والمدن، وبقتل النساء والأطفال، وبإعدام الناس، وبتقليد السفاحين أرفع الأوسمة. ثم بعد خطابه هذا، يترك سي سليمان أبناءه يشاهدون المباراة. يعني الصراع مازال موجودا ولم يُحَلّ بعد. فالصراع بين الأجيال هو عبارة عن توجه صوب البحر – إن أردنا التنبيه على عنوان المجموعة القصصية – حيث هو توجه نحو شيء واسع ومجهول ومخيف. وخوضه أمر عسير.

ثم ننتقل لصراع الجغرافيا. فيه يصوّر الراوي بجوّ حزين نوعا ما، حنينا إلى فترة حرب التحرير الجزائرية. يصوّرها البطل سي سليمان بشكل مثالي مُقترنٍ بذكريات تعمها «المثل الإنسانية» والأخوة التي يعبر عنها بمفردة «خاوة»، وبتقاسم الرغيف المخلوط بالتراب والماء المجلوب من الغدير الملوث. يتذكر البطل الجبال، فيقول عنها :«إن نسمات الهواء النقي للجبال التي كانت تتسلل منعشة قلوبنا وأفئدتنا». فجغرافية الماضي والذكريات هي جغرافية ثرية لأنها تخاطب كل الحواس الخمس : الشم والذوق والشرب والنظر والحس. ويرسم البطل ذكريات هذه الجغرافيا القديمة بأنها كانت حاملة للسعادة، فيستحضرها بهذه العبارة: «كنا برغم الإرهاق والتعب والقلق الدائم نعيش أجواء سعادة متدفقة، لا تفارق الابتسامة محيانا، حتى ونحن نواجه شبح الموت». لقد كان البطل يعيش جغرافيته ومكانه. بينما أبناؤه صارت لهم جغرافية أخرى : وراء البحر. إنهم يتفرجون على مباراة تدور رحاها في برلين، بين فريق فرنسي وآخر إيطالي. فَجغرافية الأبناء وهمهم صارا وراء البحر، بعيدا عن بلدهم وواقعهم. إنهم يعيشون استلابا فكريا : مأسورون في غرفة بأجسادهم، وأبصارهم على جهاز ينقل صوّرًا عن جغرافية بعيدة، وفكرهم وهمهم في صراع بعيد عنهم. حتى الأب لم يعد يعيش جغرافية واقعه المزري. يصوّر الراوي غرفة البطل فيقول عنها : «كان يتخذ من مخدة عالية الارتفاع، حاجزا يفصل بينه وبين جدار الحجرة، التي تآكل لون طلائها». ففي مقابل هذا المكان الرثّ نجد هَمّ البطل مُنصبّ على متابعة صراع جغرافي بعيد عن جغرافيته. إنه «يتابع على المباشر وقائع الاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة». لم يعد الوطن همّ أحد : لا الأبناء ولا الأب. فالجسم في جغرافية ومكان معين، والاهتمام منصب على جغرافية بعيدة جدا. يحسن بنا ربط كلمة «صوب» الموجود في عنوان المجموعة القصصية بصراع الجغرافيات، حيث كل واحد له وجهة أو صوب هو مُوَلّيه. فالسارد يرسم جيدا كيف تُهمل الشخصيات المكان أو الوطن الذي تعيش فيه ولا تهتم به، في حين تُتابع بعناية ما يحدث وراء البحار. إنه صراع الجغرافيات والأمكنة. ووجود الصراع يعني وجود خلل ما. وهذا ما يرسمه الروائي في كل فقرة من فقراته من خلال جسد سي سليمان المريض.

يعاني البطل من أمراض عديدة، ربما أهمُّها الشيخوخة والكبر. فقد صار جسمه نحيفا وبصره ضعيفا. ويشتكي من «آلام المفاصل» ويمشي «متكأ على عصاه». فالوطنية أصبحت مسألة ضبابية ولم تعد كما كانت واضحة، وأفضل ما يمثلها هو صراع الأجيال : الجيل الذي ينتمي له سي سليمان في خلاف مع جيل أبنائه وهمومهم. فالبطل لا يبصر جيدا أسباب أو دواعي هذا الخلل بين الأجيال فيعبر عنه بهذا التساؤل الضمني : «جيل الاستقلال لم يعد يكترث كثيرا بحكايا الثورة، وإرهاصات التاريخ. فكّر أن ثمة خللا ما، في بناء جسر تواصل بين الأجيال». فالبطل يبصر الخلل لكنه لا يعرف أسبابه. كما يشتكي من مفاصله، إنه مثل الوطن في علاقته بأبنائه. فالمفاصل هي الجسور التي تجمع أعضاء الجسم وأجيال الوطن الواحد. إن المفاصل لا تعمل عملها. بل عند كل حركة تحدث أوجاع وعند كل حوار بين الأب وأبنائه يحدث خلاف. وهذا الجسم الضعيف النحيل يرتكز على العصا. فلم يعد يحمل نفسه بل يحمله غيره. ولم يعد يمشي برجليه ويكتشف جغرافيته بل يعتمد على جهاز التلفزيون، يشارك الآخرين صراعاتهم أو مبارياتهم، ولا يكترث بمرضه ومشاكله وجغرافيته. فلم يعد مشاركا بل مجرد متفرج ومشاهد سلبي، ويناصر أو يعادي من بعيد. هذا هو التشخيص التي يضعه الراوي لمسألة الوطنية المريضة والضعيفة. ربما الاقتراح الوحيد لبعث الأمل وإعادة بناء الوطنية يتجسد في الحوار الذي دار بين الابن الأصغر وأبيه. فالروائي وضع هذه النقطة بالتحديد على شكل حوار لأهميتها، أما البقية فهي سرد بضمير الغائب. فعندما يلوم الأب أبناءه تشجيعهم للمنتخب الفرنسي يعقب : «أصغرهم وكأنه يحاول ببراءته توضيح الصورة أكثر لأبيه : الفريق الفرنسي يضم في صفوفه لاعبا من أصول جزائرية، ومنتخبه يتكوّن أغلبه من الأفارقة».  وكأن مشاركة لاعب جزائري في المنتخب الفرنسي هو نوع من بعث الوطنية الجزائرية. وترجع للوطنية قيمتها عندما يصبح الأبناء فاعلين وعاملين ومشاركين وليس مجرد متفرجين سلبيين.

فقد حاولنا الوقوف عند بعض الصراعات الموجودة في القصّة والتي يجمعها على العموم صراع الأجيال. وحاولنا أيضا ربط ضعف العلاقة بين الأجيال بضعف الوطنية، وضعف العلاقة بين الماضي والحاضر بالخلل الموجود بين أجيال هذا الوطن. وكيف أن خلل الوطنية مقترن بفكرة الاستلاب الجغرافي وأن الحل المنشود هو العمل وتركيز الأجيال همهم على واقعهم.

 

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …