الجمعة، 15 ديسمبر 2017

شعرة بين الإيمان والإلحاد.. قراءة في منهجي الغزالي وديكارت

عبيدين ملياني

أبو حامد الغزالي

بداية علينا أن نتفق جميعًا، أن الإنسان إنما تميّز بالعقل، ولذلك فالعقل ضروري جدًا للإيمان، وكلّ من يدعو لتعطيل العقل أو إبعاده، فهو يريد أن يجمع قطيعًا من الأنعام حوله، لذلك فمبدأ التسليم التامّ للموروث دون إعمال للعقل فيه، لا يوصل إلى الإيمان الحقيقي المنشود، وهذا التّسليم التّام هو ما تولّد عنه التعصب والتقوقع، ثم نشأ عن التّعصب الحقد والكراهية للآخر ثم زندقته وتكفيره، وبالتالي إهدار دمه وقتله.

والنّتيجة أن المتعصّب ملحد في حدّ ذاته، ذلك أنه في مسيرة إيمانه التّسليمي الخضوعي لموروثه، نشأ عنده شكّ إرتيابي في الآخر وفي أفكاره ، والشكّ الإرتيابي على عكس الشكّ المنهجي هو المدمّر للثّوابت العقلية وللإيمان.

وهنا يجدر بنا الإشارة إلى آية كريمة، يقول تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظنّ إن بعض الظن إثم”. فالواضح الظاهر من هذه الآية، أن هناك ظنا محمود، وأن هناك ظنا غير محمود ، الظنّ المحمود هو الشكّ المنهجي والذي هو في الأصل عملية عقلية آلية، الهدف منها بلوغ الحقيقة واليقين المطلق، وذلك المطلوب في إقامة إيمان يقيني صحيح، كذلك فإن الظنّ غير المحمود “إثم” هو الشكّ الإرتيابي، الذي لا هدف منه إلا التّشكيك في كلّ شيء، دون مبتغى الوصول إلى الحقيقة واليقين، لدرجة يشكّ الإنسان في حقيقة وجوده، ويفني حياته على ذلك الشكّ، ضاربًا عرض الحائط كلّ الدلائل العقلية والفلسفية والدينية.

الشّعرة الدّقيقة بين الإيمان والإلحاد هي الشكّ الإرتيابي المذموم: “إنّ بعض الظنّ إثم”.

ولا بأس أن أعطي مثالا بمفكرين يعتبران من روّاد المدرسة العقلية ومن منارات الفلسفة في العالم، أقصد حجّة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي وأبو الفلسفة الحديثة رينييه ديكارت، و ينبغي أن يكون واضحًا أن الشكّ الذي اتبعه كلّ من الإمام الغزالي وديكارت يختلف تمامًا عن الشكّ الإرتيابي الهدّام .
يصف حجة الإسلام في كتابه “المنقذ من الضلال”، كيف أصابه مرض الشكّ نتيجة المتناقضات الموجودة في عصره، بسبب التقليد الأعمى للاعتقادات والقيّم الموروثة، وهذا أمر لا يمكن تصوّره لأنها مذاهب يناقض بعضها بعضا، فإما أن تكون باطلة كلّها، وإما أن يكون أحدها صحيح والباقي باطلاً. فرأى أنه لا بدّ من الشكّ فيها، حتى يستقل بفكره ويكوّن رأيه. فلا خلاص إلا بالاستقلال والشكّ بالموروث، ويعبّر عن ذلك في قوله: “إن الشكوك هي الموصلة للحقائق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بات في العمى والضلال”.
أما ديكارت فقد تلقى تعليماً جيداً في بداية طفولته وشبابه الأول، لكنه أمضى عمره فيما بعد في غربلة هذه الثّقافة التي تلقاها، بل وفي نقدها وتدميرها أيضاً، فقد اتخذ ديكارت منهج الشكّ الحازم حول الأفكار التي يتصوّرها العقل، في وضوح ويقين كاملين، والتي كانت بدايتها متمثّلة في التقليد والتربية، في صوّر المعارف والحقائق التي تلقاها الإنسان منذ الطفولة، فأصبحت ضمن مجال اليقين الكامل، والعرف الذي لا يمكن التّفكير بعدم مصداقيته، فقد تجرّأ على نقد أكثر اليقينيات إنغراساً في نفسه، وأعزّ الأفكار والعقائد على قلبه، وعودة ديكارت إلي الأفكار الأولية للطفولة، يؤكّد إلحاحه الشّديد علي إعادة عملية الخلق والتّكوين، من حيث الأسس والبنى الفكرية، بالتوافق مع العلوم الجديدة في عصره، من أجل أن يبني في العلوم شيئًا ثابتًا ومستقرًا، خصوصًا بعد أن عمل التقليد على مفارقة العقل الإنساني لجميع مصادر السّؤال والشكّ، ومن هنا بدأ ديكارت الشكّ بهذه الأفكار لاكتشاف النّتائج الجديدة، من خلال التمييز بين الأفكار الواضحة التي لا تقبل الشكّ، وبين الأفكار التي من الممكن وصول الشك إليها.

لقد اتّبع كلّ من الغزالي وديكارت أسلوب الشكّ المنهجي، الذي هو ليس شكا حقيقيًا، بل هو منهج يفترضه صاحبة بإرادته، وذلك لاختيار معلوماته وتطهير عقله من الأخطاء وهو وسيلة وليس غاية وهو خطوة للوصول إلى اليقين .
يقول الغزالي: “إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بدّ من طلب حقيقة العلم ما هي”. أما ديكارت فيقول: “إن الأداة الحقيقية لكلّ علم وكذلك المنهج، يتمثلان في البحث عن السّؤال التّالي: ما هي المعرفة وما هو المدى الذي تمتدّ إليه؟”. يشترك الغزالي وديكارت في البداية المتمثلة في إرادتهما المطلقة لمعرفة الحقيقة. ويسيرا في الطريق الذي يقودهما إلى الشكّ المطلق، ويستمران في سيرهما حتى يصلا في النّهاية إلى نقطة التّغلب الحاسم على هذا الشك.

بعد أن رفض الغزالي المعلومات التي حصّلها عن طريق الحواس بالتّقليد والتّلقين، اتّجه إلى المحسوسات ينشد فيها اليقين، لكنه شكّ في المعرفة الحسية، لأن الحواس عرضة للخطأ كما في خداع الحواس. ويضرب مثالاً على ذلك بأننا نرى الكواكب صغيرة جدا في مقدار الدينار لكن الأدلة الهندسية تثبت عكس ما نرى، وأن الكواكب منها ما هو أكبر من الأرض. فمن أين الثّقة بالمحسوسات؟

ويقرر الغزالي في كتابه “المنقذ من الضلال” أن الحواس تخدعنا، وأن المعارف الحسية بناءً على ذلك عارية عن اليقين، ولهذا فلا يمكن أن تعد علمًا حقيقيًا. يقول في ذلك الغزالي: “من أين الثّقة بالمحسوسات وأقواها البصر، وهي تنظر إلى الظلّ فتراه واقفًا غير متحرّك وتحكم بنفي الحركة؟ ثم بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك وأنه لم يتحرك دفعة بغتة، بل على التدريج ذرّة ذرّة، حتى لم تكن له حالة وقوف. هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحسّ بأحكامه، ويكذّبه حاكم العقل ويخونه تكذيبًا لا سبيل إلى مدافعته. فقلت قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا”.

ديكارت

واستبعد ديكارت أيضا شهادة الحواس لأنّها تخدعنا أحياناً، ومن الفطنة ألاّ نأمن أمناً تامّاً لمن خدعنا مرَّةً، ويرى ديكارت أن اختلاف النّاس في أفكارهم واتجاهاتهم، ليس إلا نتيجة خداع الحواس في كثير من الأحيان. يقول ديكارت: “كلّ ما تلقيته حتى اليوم وآمنت بأنه أصدق الأشياء وأوثقها قد اكتسبته من الحواس أو بواسطة الحواس. غير أني جرّبت هذه الحواس في بعض الأحيان فوجدتها خدّاعة، ومن الحكمة أن لا نطمئن كل الاطمئنان إلى من خدعونا ولو مرة واحدة”.

وفي نهاية التأمل الفلسفي الثّاني، يتناول ديكارت كمثال قطعة الشمع، التي تم استخلاصها من خلية النحل: إنها صلبة وباردة ومتينة نسبيا، وعندما نلمسها يصدر عنها صوت، لكننا ما إن نقربها من النّار حتى تتغير تغيرا تامًا، فشكلها يتغير وتتحول إلى سائل، تسخن ولا يصدر عنها أي صوت.. لا يتم تصوّر الشمع إذن إلا عبر “فحص عقلي” كما استنتج ديكارت، والحواس لا تمنحنا مطلقا إلا معطيات هاربة، قابلة للامّحاء وغير منتظمة.

كتب ديكارت: “لا تقدّم لنا الحواس أية فكرة عن الأشياء كما نصوغها نحن بواسطة العقل”.

بعد أن رأى كلّ من الغزالي وديكارت ما تنطوي عليه المعارف الحسية من خداع وشكوك، قررا رفضها بصفة مبدئية وعدم الاعتداد في عملية بحثهما عن الحقيقة، وتحوّل كلّ منهما إلى البحث في مدى يقين المعارف العقلية الأولية .
يقصد الغزالي بالعقل العقل الفلسفي القائم على الاستدلال والاستنباط، وهو عرضة للخطأ، مما يوضح قصور العقل الإنساني في الوصول إلى العلم اليقيني. يقول الغزالي: “لقد بطلت الثّقة بالمحسوسات، فلعل لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من نوع أوليات الرياضيات، كقولنا العشرة أكبر من الثّلاثة. لكن الغزالي يصوّر شكّه في المعرفة العقلية في حوار بديع على لسان المحسوسات قائلاَ: “بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقًا بي فجاء حاكم العقل فكذّبني لولا حاكم العقل لكنت تستمر في تصديقي”.

ويتساءل الغزالي ماذا لو ظهر حاكم آخر كذب حاكم العقل وما هو؟ ويرى أن عدم وجود هذا الحاكم ليس دليلاً على استحالة وجوده، فقد يظهر في وقت ما ويثبت خطأ المعرفة العقلية. يقول الدكتور محمود زقزوق: “ومن خلال هذه النّظرة العميقة ينفتح عمق لا قرار له. إذ يبدو أن الشكّ قد اتسع نطاقه عن طريق هذه الأفكار إلى مدى ليست له نهاية”.

ويرى ديكارت أن العقل بحكم تكوينه قاصر عن إدراك الحقيقة كاملة، بل هو عرضة للوقوع في الخطأ أحيان كثيرة، فقد لاحظ ديكارت أن استدلالات العقل تختلف من شخص إلى آخر حتى فيما يتعلق بالاستدلالات الرياضية، ومن هنا وقوع بعض النّاس في الخطأ في استدلالاتهم الرياضية وعدم وقوع غيرهم.
بعد أن شكّ الغزالي في الحواس والعقل، وأثبت قصورهما في الوصول إلى اليقين، امتدّ هذا الشكّ إلى الحياة الشعورية بصفة عامة وشكّه في الحياة الشعورية، هو تأييد لشكّه في العقل، وإمكان وجود قوة أخرى تثبت خطأه، فمن يدري قد تكون الحياة كلّها مجرد وهم وخيال؟ ووجد الغزالي تأييدا لرأيه بأحوال المنام، فالإنسان يرى في أحلام النّوم أموراً ويتخيل أحوالا لا يشكّ في ثبوتها واستقرارها، وعندما يستيقظ يعلم أن ما رآه في الحلم مجرد وهم. ويرى الغزالي أنه إذا وردت تلك الحالة التي يكون فيها ما نعتقده في اليقظة بالحواس والعقل مجرد وهم وخيالات بالنسبة لها تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها.

افترض الغزالي أن حياتنا قد تكون حلما طويلا لم نستيقظ منه لنعرف حقيقة الأمور مستندا إلى الحديث :” الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا”.

بدوره يرى ديكارت إن الرؤيا وخداعها يدفعانه مثل الغزالي إلى الشكّ في الحياة بصفة عامّة. ولكنه يتناول المسألة من جانب آخر، إذ تدفعه هذه المشكلة إلى التّفكير في كيفية التمييز بين اليقظة والمنام. ويجد ديكارت أنه ليست هناك علامات مؤكدة للتمييز بينهما، يؤدي به ذلك إلى التّساؤل عما إذا كانت هناك معارف عقلية صادقة، سواء كان الإنسان نائما أو مستيقظا؟ وينتهي ديكارت إلى القول بأنه لا يمكن أن يُقال شيء يقيني عن وجود الأشياء، وبذلك تكون علوم الطبيعة والفلك والطب علوما معرّضة للشكّ القوي فيها. ولكن الحقائق الرياضية تبدو لديكارت مشتملة على يقين لا سبيل إلى الشك فيه.

كما لاحظنا عند الرّجلين، فالشكّ المنهجي كان ضروريا لبلوغهما إلى اليقين التامّ وبذلك يكون الإيمان مطلقا بحقيقة الأشياء، مبنيًّا على الدراسة والاستدلال .
بينما الانحراف بالعقل من الشكّ المنهجي إلى الشك الإرتيابي فيجعل الإنسان إما يعيش في متاهة من الخيال لا يكاد يعترف بحقيقة وجوده، وإما يعيش متعصبًا كارها للغير، متقوقعًا على موروثاته الفاسدة، يأكله الظنّ، معتقدًا أن كلّ غربلة لمسلماته إنما هي طعن في مقدساته، وتكون ردة فعله الطبيعية العنف والإرهاب ومحاولة القضاء على دور العقل في الإيمان.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جسد المرأة بين السّلطة والمال

سعاد زاهي في البداية وُلدتِ فتاة، حسناً، هذا أمر جيّد إلى حين، في مجتمع مازال …

سليمان مظهر: من يدّعي أن سبب تخلّفنا هو الاستعمار، فإنه يجهل أوضاعنا الاجتماعية

حوار: زهور شنّوف سنة مرّت على الرّحيل المفجع للبروفيسور سليمان مظهر (1944-2016)، أستاذ علم النّفس …