الخميس، 27 فبراير 2020

الأمازيغية بحاجة إلى فترة زمنية طويلة لتصير لغة حضارية

رشيد فيلالي

اللغة الأمازيغية ما تزال لسانا مثقلا بالسّجالات البيزنطية والحمولات الإيديولوجية.

هذا الأمر أعاق حتى من تطورها الطّبيعي، وطبعًا يبدأ الإشكال من تحديد المصطلحات أصلا، هل نقول اللغة البربرية أو الأمازيغية؟!

ومن الطريف أن البروفيسور سالم شاكر – كبير المختصين في اللغة والأدب الأمازيغي – يستهل أحد دراساته حول هذه اللغة قائلا بالأمازيغية:

(Le berbère (ou Tamazight en berbère.. وترجمة ذلك حرفيا: “إن البربرية (أو الأمازيغية باللغة البربرية!..)”. ثم يواصل حديثه غافلا عن أنه ارتكب سقطة منهجية خطيرة، على اعتبار أننا يجب أن نختار حتى ولو تحدّثنا بالفرنسية أحد المصطلحين تامازيغت أو البربرية!

علما بأن المصطلح الثّاني كما نعلم هو من أصل لاتيني روماني، يتضمّن نزعة هجائية وعنصرية صارخة، لكن لا بأس سنتجاوز ذلك لدواع إجرائية، غير أننا هنا مع ذلك نصاب بارتباك كبير حين نتحدّث عن التنوعات الأخرى من الأمازيغية، وهي الشاوية والمزابية والترقية والشلحية(والريفية في المغرب) لأن كلّ متحدّث بواحدة من هذه التنوعات اللغوية يصرّ على التمسّك بمصطلحه الخاص به ولا يريد عنه بديلا.

وسنلاحظ في السّطور القادمة كيف أحدثت هذه الفوضى في المصطلحات والتعدّد في التّسميات  بلبلة كبيرة انجر عنها شرخ كبير في طريقة كتابة وتدوين اللغة الأمازيغية، فضلا عن معضلة أخرى لا تقل بلبلة، أقصد قضية توحيد وضبط القواعد و المصطلحات(Standardisation).

ويرى البروفيسور سالم شاكر أن عدد المتكلمين باللغة الأمازيغية هو 25 مليون نسمة، أغلبهم يتواجد في المغرب الشقيق و الجزائر، لكن الدكتورة مينة لفقيوي المعروفة بإسهاماتها الأكاديمية العديدة والجادة في هذا الميدان، تؤكد من جهتها أن العدد أكبر من ذلك بكثير، وتتحدث عن رقم 40 مليون متكلم باللغة الأمازيغية، منهم 2 مليون يعيشون في فرنسا وأغلبهم يحمل جنسيتها.

من المتّفق عليه الآن أن اللغة الأمازيغية لم تلق إلى غاية 1990 أي عناية و اهتمام أو اعتراف رسمي من سلطات البلدان التي يتكلم جزء من السّكان بها وهي خمس: الجزائر المغرب النيجر مالي ليبيا وبوركينافاسو، إضافة إلى ليبيا وتونس ومصر وموريتانيا، بأعداد أقل.. وقد كانت بداية التحول من الجزائر، حيث تم الإقرار عام 2002 بأن الأمازيغية لغة وطنية ثانية مع اللغة العربية.

وفي المغرب وتحديدا عام 2011 صارت اللغة الأمازيغية اللغة الرسمية الثانية مع اللغة العربية، علما بأن عدد المتكلمين بها في هذا البلد يصل إلى 40 في المائة من عدد السكان الإجمالي.

وبالنسبة للمتكلمين بالأمازيغة في فرنسا وعددهم 2 مليون نسمة أغلبهم يحمل الجنسية الفرنسية، فلا ننكر أن هذا البلد استقبل هجرات واسعة منذ مطلع القرن العشرين من الجزائريين ونسبة كبيرة منهم من الأمازيغ.

عدد المتكلمين باللغة الأمازيغية هو 25 مليون نسمة

كما أن الثقافة الأمازيغية حظيت برعاية نسبية من طرف السلطات الفرنسية، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، و التي مع ذلك ظلّت تضع خطا أحمر أمام كل اللغات بها مستثنية اللغة الفرنسية لغة رسمية وحيدة للبلاد، حيث لا تدرس اللغات الجهوية إضافة إلى اللغة الأمازيغية طبعا إلا في الحدود الدنيا ولا يعترف بها سوى كرافد ثقافي فلكلوري لا غير.

ونحن في هذا السّياق من حقنا أن نتساءل: كيف تشجع فرنسا على ترسيم اللغة الأمازيغية في الجزائر وترفضها في بلدها؟ هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن قضية تدريس اللغة الأمازيغية تبقى محل تجاذب شرس بين الكثير من الأطراف، إذ إلى حدّ الآن لا توجد أبجدية متفّق عليها بالإجماع من طرف المتحدثين باللغة الأمازيغية، وهذا من بين العوائق الكبيرة في سبيل تعلّمها، حيث توجد على الساحة الآن الأبجدية اللاتينية والعربية والتيفيناغ والليبيا القديمة والتيفيناغ الجديدة، التي تبنتها الأكاديمية البربرية في فرنسا عام 1970 وهي المستعملة في الجزائر والتيفيناغ التقليدية التاريخية، والتيفيناغ الجديدة التي تبناها المغرب عام 2002، وكلّ واحدة من هذه الأبجديات يختلف جذريا أو بقدر كبير عن الآخر، كما أن أبجدية التيفيناغ بكلّ تنوعاتها تتطلّب بذل جهد مضاعف للتمكن من استعمالها.

وعلى رغم أن اللغة الأمازيغية قطعت اليوم شوطا مقبولا في مجال تقعيدها وضبط قواعدها وإعداد مناهج تدريسها، إلا أنها مع ذلك ستظلّ بحاجة إلى فترة زمنية طويلة لكي تقتطع لها مكانا وسط اللغات الحضارية المعروفة، في انتظار تراكم الجهد الترجمي والإبداعي والاتصالي عموما، والمستقبل طبعا كفيل بالحسم في تحديد ثمرات هذا الجهد بالسّلب أو الإيجاب.

مع الإشارة إلى أن الفلكلور الأمازيغي أصلا ثري جدًا، ويكفي القول بأن هناك شبه إجماع على أن القصة العالمية الشهيرة “سندريلا” من أصل أمازيغي.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …