الجمعة، 25 يونيو 2021

الموت هو حياة أخرى.. علينا مواجهته بهدوء، أن نحضنه ونعيش معه

ما الموت؟!.. كان السّؤال دائما يُواجهني

الموت كان علامة ثابتة، في يوميات الجزائر، في تسعينيات القرن الماضي. كانت المواجهة مفتوحة، في حرب تعدّدت مسمياتها. في الحلقة السّابعة من هذا الحوار – الشّهادة، يحكي احميدة عياشي علاقته بالموت.

 لم نتّفق – لحدّ الآن – على توصيف مشترك لما حصل في الجزائر سنوات التسعينيات، هل كانت حرباً أم شيئاً آخر؟

احميدة عياشي: كان الناس في حرب حقيقية. كانت حرباً أهلية من طراز جديد. لكنهم كلهم كان يرفضون تسميتها بدقة ووضوح ويفضلون أن تحتفظ تلك الحرب بعناوين مطاطية ومتضاربة وغامضة.

كانت السّلطة تصف الإسلاميين بالمرتزقة والمجرمين، ومن السياسيين من يطلقون على الإسلاميين الجهاديين وصف المسلحين، وهؤلاء يصفون أنفسهم بالمجاهدين في سبيل الله وضّد الطاغوت، أما الحرب فكانت تتّخذ أوصافا تتراوح مابين الفتنة، المحنة، الإرهاب، الجهاد، الدّفاع عن الشرعية، وعند المواطنين الممزّقين مابين الوقوف إلى جانب الإسلاميين أو الحياد أو الوقوف إلى جانب السلطة فلقد كانوا يجردون الحرب من كل تسمية ويفضلون استعمال التورية، مثل الجمرة، ويقولون في لحظة عجز،”ربي يطفي هذي الجمرة، ونرجع مثلما كنا زمان” ويسمونها أيضا “هذي الحيّة” أي الشّيء الذي لا اسم له.

مثل صحافيين آخرين، كان الموت يحوم بالقرب منك؟

احميدة عياشي: كانت حياتي مُعرضة للقتل كوني كنت صحافيًا، ومعروف عني – حيث كنت أقيم – بأنني يساريا حتى وإن كنت شخصا مستقلا وغير منتمي لأي تشكيل سياسي أو أيديولوجي، لكن نشاطي السّابق في المسرح، ونقدي للإسلامويين في الصّحافة والنشاطات الثّقافية ورواياتي الجريئة في مُساءلة اليقينيات وتعرّضها إلى تناول الجسد اختزلتني في الشّخص اليساري المُعادي للدين والتّقاليد، وشعرت بذلك بشكل قوي عندما انتقلت للسكن في بوفاريك في نهاية الثمانينيات، عندما تعرفت على فاطمة الزهراء، الطالبة بالمدرسة العليا للتّعليم والتي ستصبح شريكة حياتي.

يومها كنت أقيم عند بعض الأصدقاء بالعاصمة حيث كنت أسدد لهم بمساعدتي لهم في تحمّل أعباء الحياة ما يُقابل ثمن الكراء والإقامة، وانتقلت للحياة معها بعد زواجنا الذي تم بسرعة، أي في نفس السّنة، التي تعارفنا فيها عن طريق الصدفة بالحي الجامعي للبنات العالية بباب الزوار، عندما كنت أقدم عرضًا مسرحيًا، من عملي “قدور البلاندي”، وكانت فاطمة الزهراء من الأعضاء النشيطين في اللجنة الثّقافية للحي الجامعي..

وفي الحقيقة الشّقة الذي أقمت فيها مع زوجتي، كان تابعا لثانوية ابن تومرت ببلدة بوفاريك، وهي تابعة لولاية البليدة وتبعد بحوالي ثلاثين كيلومتر غرب الجزائر العاصمة.. وكانت متكوّنة من ثلاث غرف ومطبخ وحمام، وكنا نتقاسم الشّقة مع أزواج أخرين، وشعرت في البداية بنوع من الضّيق والرّقابة الخفية وأنا ألتحق بزوجتي في هذا المسكن الذي ذكرني بأجواء الحياة الستالينية التي اختبرتها من خلال قراءاتي للأدباء الروس المنشقين، من أمثال سولجينستين وأدباء ماك انت تسمى بالدول الشرقية، مثل التشيكي ميلان كونديرا.

أن تعيش في بوفاريك، يعني أنك كنت قريباً من معاقل الإسلامويين؟!

احميدة عياشي: قضيت في بوفاريك حوالي ستّ سنوات، وكانت هذه السّنوات صاخبة وعميقة التّأثير في حياتي من حيث تشكيل نظرتي لما حدث في التسعينيات، لقد وجدتني في معقل رئيسي من معاقل الإسلام السياسي والنشاط السلفي الجهادي المسلّح مع لحظة إيقاف المسار الانتخابي الذي أقصيت فيه الجبهة الإسلامية من اللعبة الانتخابية والسياسية واقتيد مناضلوها ومناصروها إلى السّجون والمعتقلات، في حين التحق البعض من محبيها والمتعاطفين معها بالعمل المسلح، وآخرون اختاروا طريق المنفى.

تحتفظ بوفاريك بعمرانها الكولونيالي لكن كذلك بعقلية المنحدرين من الأهالي وعالم الهامش الذين يضمرون حقدًا دفينا وصامتا تجاه كل ماهو سلطوي وحداثي، تشعر في بوفاريك وأنت تتجوّل في شوارعها وتعيش مع الناس في مقاهيها أنك تحت الرقابة الخفية، يتصرف البوفاريكيون في الظاهر بعكس مايضمرون، يمتلكون خطابا مزدوجا يوظّف بحسب الحاجة والمصلحة، يتعايشون مع الخوف بشكل ملتوي ومعقد، مما يجعل من الشخصية المنافقة هي من تتصدر الواجهة وتهيمن، تتعلم في بوفاريك كيف تخفي مشاعرك الحقيقية وتتطاهر بمشاعر تتماشى والذّوق العام والأحكام المستساغة، وبرغم ماضيها الكولونيالي والمسحة الحداثية التي تميّز الكثير من العائلات البوفاريكية إلا أن المرأة تفتقد إلى الحضور المنسجم داخل الفضاء العام، هي غير مرحّب بها في الفضاء العام وذلك برغم تواجدها القوي في صناعة القرار داخل البيت.

تعيش بوفاريك معركة تقليدية ضد الفوقية التي يتباهى بها ضدهم أناس البليدة وسكانها، الذين يعتبرون أنفسهم أكثر تحضرًا ورقيًا من البوفاريكيين لكن في الوقت ذاته تعيش معركة ضد نفسها، ظاهرها في معركة شبه يومية ومؤلمة ضد باطنها، تعيش انفصاما في الشّخصية مما جعل منها في وقت واحد قلعة اليسار والاسلاميين المتشددين معا، قلعة الإرهابيين والمقاومين في الوقت نفسه.

لقد خرج من معطف بوفاريك أحد قادة الجماعة الاسلامية المسلحة(الجيا) عنتر الزوابري، وكذلك منها سطع نجم محمد سلامي قائد المقاومة المسلحة ضد الجماعات الإسلامية الإرهابية..

لقد عشت لحظات صعود جبهة الإنقاذ وأنا في بوفاريك، وانتقال الجزائر إلى زمن الإرهاب والحرب الأهلية وأنا أقطن في وسط مدينة بوفاريك، بعد أن غادرت شقّة ثانوية ابن تومرت لانتقل إلى شارع التطور القريب من سوق بوفاريك الشّهير.

تحتفظ بوفاريك بعمرانها الكولونيالي

كيف عشت تحوّل المدينة إلى الخيار الإسلاموي؟

احميدة عياشي: كنت – وقتها – أتردّد، كل جمعة، على مسجد سي ناصر، الإمام التقليدي، الذي كان معروفا بنقديته المزدوجة للسّلطة والإسلامويين، وربطت علاقات صداقة مع العديد من الشّباب الذين كانوا يرافقونني في الطريق وأنا قادم أو متوجّه إلى العاصمة، على متن القطار أو في سيارة أجرة، ليفتحوا معي نقاشات طويلة ومتشعّبة معظمها كانت مرتبطة بقضايا اللحظة الراهنة السياسية والأيديولوجية والثقافية.

في 1993، عندما تم اغتيال الاستاذ والوزير السّابق للتعليم العالي جيلالي اليابس، الذي كانت تربطني به علاقة الطالب بالأستاذ وعلاقة الصّداقة الهادئة والمعجب باستقامته الفكرية والأخلاقية وتواضعه المعرفي، حيث تعرفت عليه في البداية عن كثب حينما قدم إلى معهد العلوم السياسية والإعلامية ليقدم محاضراته، وجعلني احتكاكي به في معهد العلوم السياسية، الكائن في ذلك الوقت بمقر معهد الحقوق والعلوم الإدارية بابن عكنون، أكنّ له احتراما لم يتزعزع حتى عندما أصبح وزيرا للتعليم العالي وخرج وقتها زملاؤه إلى شوارع العاصمة في مظاهرات تعرضوا فيها إلى الضرب بالهروات من طرف قوات مكافحة للشغب.

كان هدوءه يأسرني، وطريقته الكارتيزانية مثيرة للإعجاب، كان فرنكفونيا لكنه تعرّب وبات يتحدّث اللغة العربية بطريقة سلسة وجميلة وحديثة يجعل من العربية لغة جذابة وذات إيقاع مميّز ومثير وجذاب. قرأت له بعض المقالات العلمية اللافتة وكتابه حول القطاع الخاص في الجزائر، وهو في الأصل عبارة عن شهادته لرسالة الدكتوراه، كان الجيلالي اليابس ينحدر من مدينتي سيدي بلعباس لكن عرفت ذلك إلا بعد لحظة اغتياله، وقامت سيدي بلعباس بتكريمه بإطلاق اسمه على جامعتها المركزية، في الحقيقة هذا النوع من التكريمات لا يعجبني ويثير انزعاجي، عندما نسعى في الجزائر إلى اختزال الابطال في الثقافة والسياسة والفن وغير ذلك في مسقط رأسهم.

لقد أصبت بالصدمة عندما علمت بنبأ اغتيال الجيلالي.. رصاصات في الرأس أطلق عليه مجهولون لاذوا بالفرار، جعلته يقضي نحبه وهو مضرج في بركة من الدم، في مساء ذلك اليوم تنقلت كاميرا التلفزيون إلى شقته، وصورت الغرفة التي كان يشتغل بها، لازلت أحتفظ بتلك اللقطة التي ركزت على كتبه وهي مصففة فوق مكتبه بصورة دقيقة وذلك عكس طريقتي في ترتيب مكتبي، حيث تطغى عليه الفوضى المنظمة التي لا يفهم أسرارها وجماليتها سواي.

كنت جالسا في مقهى الحاج بورقعة الكائنة بوسط مدينة بوفاريك عندما فجعت بالنبأ، وأتذكّر أني دخلت وقتها في حوار متشنج مع أحد الموظفين في إدارة الضرائب الجهوية بالبليدة، كان يقطن غير بعيد عن الحيّ الذي كنت أقيم بالقرب منه، في زنقة العرب ببوفاريك، ويدعى هذا الشخص عبد الناصر، لم يكن من مناضلي الجبهة الاسلامية للإنقاذ إلا أنه كان ذو ميولات إسلامية، متوسط القامة، ذو لحية سوداء كثيفة ويرتدي قميصا ناصع البياض طوال الوقت، قال لي وهو يصافحني، ووجهه مغمورا بالفرحة: “هه لقد قضى الإخوة على الطاغوت”.. نظرت إليه وأنا غير قادر على استيعاب كلامه وأنا أقول له: “كيف تقول على شخص لا تعرفه عنه طاغوت؟!”. قال لي “ألم يكن يكن وزيرا للتعليم العالي!؟ألم يخطط لهؤلاء الطواغيت بالفكر كي يستمروا في تقتيل أولاد الشعب؟!”.

جيلالي اليابس

شعرت بالدوار والغضب ووجدت لاجدوى من مواصلة النقاش العقيم الذي كاد يفقدني توازني وصوتي، غادرت المقهى ورحت لا ألوي على شيء، كنت أشعر بالرغبة الجامحة في القيئ وفي رمي كلّ الأشياء الكريهة والمميتة التي كانت تسكن بداخلنا، كنت أعرف أن عبد الناصر كان يمثّل دورا في المقهى حماية لنفسه، كان يعلم أن ثمة عيونا بالمقهى ستنقل ما حدث إلى أسماع الجماعات السلفية المسلحة التي راحت تحظى بمكانة شبه أسطورية عند الناس.

اهتزّ الرأي العام لخبر اغتيال اليابس الذي سيلحقه السوسيولوجي محمد بوخبزة، صاحب كتاب “أكتوبر، ثورة أم تطور؟!”. ظلّ الشك يحوم حول هوية منفذي الجريمة في وقت متقارب ضد الجيلالي اليابس، الذي كان على رأس معهد الدراسات الاستراتيجية وضد خليفته على رأس نفس المعهد محمد بوخبزة..

لقد قررالشخص الثالث وهو مثقف نوعي ومتميز وكان مرشحا لخلافتهما على رأس مركز الدراسات الاستراتيجية أن يغادر البلاد في حالة كارثية وهو السوسيولوجي علي الكنز. لقد رفض المناصب التي عُرضت عليه في ذلك الوقت من طرف السلطة، وكان خلاصه في مغادرة البلاد للنّجاة بنفسه.

في تلك الأسابيع شددت زوجتي عليّ النصائح أن أكون حذرا في تحركاتي، وبرغم أنني كنت أحاول طمأنتها إلا آنني كنت أنتظر دوري براحة بال، لقد قتلوا معظم زملائي الواحد تلو الاخر، بشكل يجردك في نهاية المطاف من الخوف ومن ذلك الشّعور الذي تسعى من خلاله إلى حماية نفسك، لم أقم حتى بوضع باب حديدي مثل الآخرين لأحمي به نفسي وعائلتي، لقد سيطرت علي تجاه الموت حالة من القدرية واللامبالاة، وهي في كلّ الحالات ليست شجاعة أو شيء من هذا القبيل، لكنها حالة لامبالية بالموت تمنحك الحرية والقدرة على تحمل موتك وموت أحبتك وأقربائك.

كان – آنذاك – الموت فعلا مبتذلاً؟!

احميدة عياشي: ما الموت؟!.. كان السّؤال دائما يُواجهني وأنا أشعر بحالة فيزيولوجية أمام أخبار رحيل الأصدقاء شبه اليومي في تلك الأيام التي يمكنني وصفها اليوم بالأيام المجنونة.. الموت هو حياة أخرى، كنت أقول لنفسي، وكثيرا مارحت أبحث عن كتب تتحدّث عن الموت، لفلاسفة ومفكّرين، معظمها مكتوب بغير العربية، بيني وبين الموت خلقت ألفة وعلاقة حميمية جعلتني أنسجم مع حالة الفقدان والخراب والانتقال من مكان إلى أخر، لقد انتقلت بعائلتي من بوفاريك إلى سيدي بلعباس ومن سيدي بلعباس إلى البيرين بالجلفة، وانتقلت برأسي من حي الشومانيف إلى القبّة ومن القبّة إلى ساكريكور بديدوش مراد ومن الجزائر إلى باريس ثم العودة بعد شهور إلى حيّ الشّراقة ثم إلى الدرارية لينتهي بي وبعائلتي المطاف إلى وسط الجزائر العاصمة..

الموت كان علي مواجهته بهدوء لاتجاوزه، وبالتالي لأحضنه في حياتي اليومية وأعيش معه لا غريبا عليه، الموت يطلب منا صداقتنا له، لكننا دائما نغلق قلوبنا في وجهه ونتجنب ملاقاته أو الاستماع إلى صوته أو النّظر إلى ملامحه وهو يقترب منا ويأخذ منا كلّ عزيز علينا وفي الوقت نفسه كل من لاتربطنا به علاقة آو محبة أو شعورا ما، لقد اكتشفت في تلك الأيام أن الموت برغم أنه صار جزءًا من يومياتنا الخاصة والعامة إلا أننا لم نكن نمتلك تلك الثقافة في محاورته والتّعايش معه لا ضده أو خارجا عنه بالرغم أنه يصعب أن نتجاهله تواجده في داخل محيطنا..

بدأت أقرأ كتبا عديدة عن الموت، لكن أهمها كان كتابان، الأول للفيلسوف جان كيليفتش بعنوان “الموت”، يثير من خلال مواجهة الموت أسئلة تجرّده من قدسيته وغرائبيته وقوته الصّادمة وسلطة المخاوف التي يثيرها بداخلنا، برغم أن الموت ظاهرة قديمة وتكاد تكون طبيعية مثل الولادة والزلازل، وسقوط الأمطار والإصابة بالأمراض والاعتراء بالشيخوخة إلا أنها ظلت تبدو لنا مع ذلك جديدة وطارئة وصادمة، ويضع الموت في إطار قابل للنقاش وبالتالي للتّفكير وإعادة التّفكير، أما الكتاب الثاني فهو للمؤرخ فيليب أرياس، يحمل عنوان” الإنسان أمام الموت”، وهو من جزأين، يتعرّض فيه من خلال اعتماده على النصوص الأدبية ترجع إلى العصور الوسطى كيف يتصرّف الإنسان أمام الموت، ماهي الحالات التي نصنعها تجاه الموت، لحظة النهاية والانتقال من حالة الحضور إلى حالة الغياب المطلق.

ينطلق الموت ويتشكّل من لحظة الصّراع مع النّفس وضد الآخر، أبا كان هذا الآخر، قدرًا، مرضًا، حالة مرئية أو خفية، ذكر الموت في غالب الأحيان يشلنا عن التفكير وعن التصرف الواعي والخلاّق، يجعل من صاحبه مسلوب الإرادة وكان ذلك ما يهدف إلى تحقيقه المتصارعين على الحياة ممثلة في امتلاك السّلطة وممارستها على النّاس في حياتهم وموتهم.. لقد تأثث الخطاب الديني الإسلاموي بالموت وجعل منه زاده وسلاحه في مواجهة خصومه ووسيلته المكيافيلية في جذب أنصاره ووضعهم تحت تصرّف خطابه السياسي الدنيوي.

يحرص الدعاة الإسلامويون وهم يدعون الناس إلى مذاهبهم وفكرتهم على البكاء حتى أنهم يوظّفون أحاديث تنسب إلى الرسول محمد(ص)فيها إشادة بالبكاء عند تلاوة القرآن، ورفع الأدعية وممارسة الذكر، ولذا كثيرًا ما نرى تلك الجموع تتنخرط في بكاء هستيري جماعي في المناسبات الدينية وفي المظاهرات التي يقودها الإسلامويون وهم يشحنون الجماهير المؤمنة من أجل تحقيق أهداف سياسية أو انتخابية أو أشياء دنيوية.

كلما واجهنا الموت بشكل طبيعي كلما تخلّصنا منه، وتمكّنا من الاستمرار في الحياة وإن كان ذلك في عالم آيل إلى الانهيار والخراب والموت الكامل.. ظلت مثل هذه الخواطر تداعبني وأنا أفكر في الموت العنيف للجلالي اليابس وزميله محمد بوخبزة والذي تلقيت نبأ وفاته وأنا لازلت صحفيا بجريدة “الحدث” ومقيما ببلدة بوفاريك..

كنت في دار الصّحافة في مساء يوم إغتياله عندما التقيت بالزميلة نون، صحافية في جريدة لوماتان الناطقة باللغة الفرنسية، وهي مقربة من عائلة المتخصص في علم الاجتماع الريفي محمد بوخبزة، كانت عائدة لتوها وهي في حالة من التوتر، قالت لي ونحن نجلس في مقهى دار الصّحافة بساحة أول ماي، أن زوجة محمد بوخبزة روت لها أن الأشخاص الذين قدموا إلى البيت في مرتفعات العاصمة، غير بعيد عن شارع أديس أبابا، كانوا يرتادون بدلات أنيقة، كانوا قد هدّدوا السّائق الذي جاء كما العادة لينقل محمد بوخبزة إلى مقر عمله بمركز الدراسات الاستراتيجية ليمشي أمامهم باتجاه شقّة بوخبزة.

ما إن صعدوا العمارة وفتح للسّائق دخلوا هؤلاء الاشخاص الذين كان عددهم أربعة، وكانوا يتحدثون بلغة فرنسية راقية، وعندئذ قالوا لمحمد بوخبزة وهم يحملون أسلحتهم الآلية: “لقد حان الوقت لتبكي عائلتك”. ثم بعد كلام هادئ أقتادوه إلى الحمام وهناك قاموا بذبحه.. كانت الزميلة تتحدث إلي بنرفزة هادئة وحيرة كأنها تقذف في وجهي بكابوس مرعب، مقزّز ومثير للغثيان والغضب الشديدين، ظل كلامها محفورا في ذاكرتي، لست أدري إن سألتها، وهي مارأيها في هوية هؤلاء القتلة.. هل كان بوخبزة واليابس وربما مرباح ولوناس معطوب وجاووت ضحية لعبة سياسية غذتها صراعات العصب من جهة والحرب ضد الاسلاموية الراديكالية؟!

محمد بوخبزة

في وسط الخراب، وأخبار الموت، كنت تحاول أن تعيش حياة عائلية هادئة، ورزقت بابنة حينها؟

احميدة عياشي: لادخان بلا نار كما يقولون، ولا جريمة بلا قتلة ولا حرب بلا مجانين السّلطة والله.. وفي ظلّ هذا الهوس بالموت في تلك الأسابيع الحالكة رزقت بابنتي الثّانية ابتهال، كانت السّاعة تشير إلى السّادسة والنّصف عندما عدت من سوق زنقة العرب ووجدت زوجتي وهي تحاول عبثا إخفاء الآلام التي راح يتسسب فيها المخاض، نطرت إليّ وقالت أنها تشعر ببعض الآلام في البطن، توترت قليلا، ورحت أتصرف كطفل أرعن وكأني أريد أن أقول لها: “بالله عليك ليس الآن”. غادرنا البيت وتركنا ابنتنا الصّغيرة سارة لدى جارتنا، وتوجهنا نحو الطبيب ليعاينها. قال لنا أن علينا الذّهاب حالا الى المشفى، لقد حدث ما كنت أخشاه، الوقت متأخر ونحن بدون سيارة، والعيادة الخاصّة التي سجلت فيها زهرة تبعد بحوالي أربعين كيلومترا، توجد بالأبيار في مرتفعات الجزائر العاصمة.

عدنا إلى البيت وأنا في حالة من القلق الشّديد، حضرت زهرة حوائجها وهي مسيطرة تماما على أعصابها وتبدو وكأنها برغم الألم في حالة جدّ عادية، كانت تهدئ من روعي من شدة الخوف عليها، كانت لحظة مفارقة كبيرة في حياتي، لحظة الميلاد في قلب لحظة الموت الطّاغي الذي يهدد الجميع في كلّ الأوقات، اتصلت بصديقنا بوزيد، مدير ثانوية ابن تومرت، التي تدرّس فيها زهرة، شرحت له الوضع أننا في هذا الوقت الذي تندر فيه سيارات الأجرة نحن بحاجة إلى الذهاب إلى الأبيار، استجاب بفرح رفقة زوج ابنته حياة جمال، توجهنا على جناح السرعة وذلك لنتمكن من العودة إلى بوفاريك قبل أن يحين وقت حظر التّجوال على الساعة العاشرة مساءًا.

كنا في أواخر شهر ماي، على أبواب الصيف في مدينة شهيدة كلّ يوم تلفظ أبناءها في موتات تراجيدية، طيلة الطريق ظلّ بوزيد يرفع من معنويات زهرة بنكاته وحكاياته المشّعة، بينما لم يكن يبدو على زهرة، زوجتي الحبيبة، أي قلق أو توتر أو خوف، كانت أعصابها باردة ولها قدرة لافتة على التّحمل وهذه الميزة فقدتها في السنوات التي خرجنا منها من تلك المرحلة شديدة التوتر والعنف، صارت لا تتحمل العودة إلى ذلك الزمن الذي عانينا فيه من التشرد من مكان إلى مكان، ومغادرة شقتنا التي تمكنا بعد معاناة من شرائها، بعد سنوات الإدخار القاسي والركض وراء البحث عن مسكن متواضع يتماشى وقدراتنا المالية.. دخلت زهرة  صالة الولادة وهي وترسم على شفتيها ابتسامة موصية إياي بالاعتناء بابنتنا سارة، بقينا أنا وبوزيد ننتظر لحظة الولادة، وبعد وقت طويل بدا كالقرون جاءت الممرضة لتبشرني أن لحظة الولادة مرّت بسلام، هكذا كان ميلاد ابنتنا ابتهال الذي ستتخرج بعد سنوات من الجامعة، تخصص علوم مالية وستصبح مدرّستي في اللغة الإنجليزية..

كانت السّاعة تجاوزت العاشرة مساءًا، قرّرنا العودة، مسلّمين أمرنا لله، كنا نسير في ذلك المساء وسط الصمت المطبق المخيف، وكانت الحواجز العسكرية في كل مكان، وكانت قلوبنا تخفق ونحن نسير بدون الحصول على ترخيص، كنت أخطط في ذهني لعشرات السيناريوهات والإجابات لو تمّ توقيفنا من طرف الحواجز الأمنية أو العسكرية، لكننا عدنا إلى بوفاريك دون أن يوقفنا أي حاجز، كم كنا محظوظين، قضيت تلك الليلة مع ابنتي سارة التي لم تكن تتجاوز العامين وأنا أستعيد صور اليوم بكامله وأهيم في ذلك السيل من التخمينات والتأملات، كانت سارة غارقة في نوم عميق بعد أن جئت بها من عند جارتنا، أنرت الغرفة بعد أن رفض النوم أن يعانقني وجلست إلى مكتبتي المكوّنة من كتب معظمها مكدّس في أعلى جدار بالحمام، ورحت أقاوم القلق بالقراءة ووضع بعض الملاحظات على هوامش كراسة القراءة..

عادت زهرة بعد ثلاثة أيام من العيادة إلى شقتنا ببوفاريك وتعرضت ابتهال في يوم خروجها إلى صعوبة في التنفس كادت أن تعرضها إلى تعقيدات، ولم تطل إقامتنا في بوفاريك سوى أشهر قليلة بعد ميلاد ابتهال، عقب محاولة تعرضي إلى اختطاف من طرف مجموعات تنتمي إلى جهات أمنية، بعد المواقف التي سجلتها في عدة افتتاحية من العسكر، كانت محاولة اختطافي فاشلة وعاد الدور في الحظّ الذي أرادني أن أعيش بعد تلك الليلة التي تعرض فيها الكثير من المختطفين يومها إلى القتل انتقاما، وكان من بينهم سعيد، وهو شاب ذو ميولات فكرية إسلاموية، كان سعيد معجبا بفكر مالك بن نبي، وكانت نقاشتنا حول كتابات صاحب وجهة العالم الإسلامي تكاد لاتنتهي، لم يكن يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، كان رافصا للعنف ورافضا الانضمام إلى جماعات الجيا التي انصم اليها الكثير من آترابه في بوفاريك، لقد داهموه ووجدوه بعد أسبوع قتيلا، مذبوحا في العراء، رفقةً شباب مختطفين آخرين، قيل فيما بعد أنه كان مشتبها فيهم.

وفي ذلك العام  التقيت بوزير الداخلية سليم سعدي في بيته وكان رفقتي أحد المتعاونين مع جريدتي الحدث، وهو صحافي مخصرم، يدعى جعفر سليم، اشتغل كمستشار إعلامي لرئيس الحكومة بلعيد عبد السلام، الذي شنّ حربا ضد الأوساط المناوئة لسياسته في المجال الإعلامي والسياسي والتي كانت توصف بجماعات الاستئصال، وهي من أنصار الحلّ الأمني الشامل ضد الإسلامويين، تعرفت على جعفر سليم في الجامعة حيث كنا في نفس المعهد، معهد العلوم السياسية والإعلامية، وكان جعفر ناشطا في حزب الطليعة الاشتراكية.

وعندما التحق بالخدمة الوطنية، اشتغل برئاسة الجمهورية وهو الصحافي البارز في وكالة الأنباء الجزائرية، تعرف في الرئاسة على بعض الأفراد الذين كان لهم دورا في الحياة السياسية الجزائرية منهم مولود حمروش، ورجل الظلال مثل محمد مقدم صديق رجل المخابرات محمد مدين الشهير بتوفيق، وتوفيق الذي كان وقتها في خلية الوقاية والدفاع برئاسة الجمهورية، ووجد جعفر نفسه يدفع ثمن تعاونه مع بلعيد عبد السلام بعد مغادرة هذا الأخير رئاسة الحكومة بحيث أقاله وزير الدفاع خالد نزار والمقرب منه الجنرال تواتي الرأس المدبر للمجموعة المسماة بالاستئصاليين، أعاد جعفر النظر في أفكاره ومنذ ذلك الوقت سيصبح قريبا من مجموعة سانت ايجيديو وعبد الحميد مهري وجبهة القوى الاشتراكية والتي سيكون من عناصرها المؤثرة في صناعة القرار داخل الأفافاس ومن رجال الظل فيها..

لقد أصبح من كتاب جريدة “الحدث” إلى غاية ايقافها، وتتميز مقالاته بالدقة والحصافة وبعد النظر، وكانت مشكلته تتمثل في نرفزته الكبيرة عندما يختلف مع خصم أيديولوجي وسياسي، وكانت حادثة مواجهته مع الوزير الأسبق للداخلية سليم سعدي لا يمكنني نسيانها أو عدم ذكرها، انتقلنا وجعفر إلى بيت سليم سعدي بعد أن أخذت معه موعدا بواسطة صديق لي، استقبلنا سليم سعدي بلباقة، وكان محاطا في بيته بمجموعة من الحراس المدنيين، تناولنا القهوة والشاي وباشرنا في الحوار الذي تركه جعفر ودخل في نقاش حاد مع سليم سعدي، وزير الداخلية العتيد والذي تصرف في كلامه كعسكري مع جعفر مما جعل هذا الأخير يترك المكان ويقول له، بأنه ليس مستعدا لمحاورة ديكتاتور وغادر برغم محاولتي إثنائه عن مثل ذلك التصرف.

ما أثار حنق زميلي جعفر سعيد هو جوابه عن سؤال طرحته على السيد وزير الداخلية في حكومة رضا مالك، حيث قلت له بصريح العبارة بأنني كدت أن أتعرّض الى إختطاف من جماعات أمنية سرية كانت تشبه ألوية الموت في أمريكا اللاتينية، وطلبت منه رأيه وموقفه من تلك التصرفات التي كانت تسلكها السّلطة وهي تظهر بذلك كأنها مجموعة من المجموعات المسلحة وليس معبّرة عن روح الدولة والقانون، لم ينف سليم سعدي وجود مثل هذه المجموعات التي كانت تتصرف خارج القانون، إلا أنه هون من الأمر أمام تعاظم  النشاط الإرهابي..

يتبع..  

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عندما دافع كاتب ياسين عن الأمير عبد القادر وأشاد بفكره وجهاده

لم يكن الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين، يبلغ من العمر سوى 17 عاما، عندما قدم …

يوم زارت ايزابيل ايبرهارت عنابة، واعتنقت الإسلام

في شهر ماي من سنة 1897م، جاءت إيزابيل إيبرهارت إلى الجزائر، وعمرها لا يتجاوز العشرين …