السبت، 6 مارس 2021

كاتب ياسين ومحمد أركون.. وحروب السّلطة على المثقفين

كاتب ياسين

كاتب ياسين(1929-1989) عاش سنوات صعبة، في الجزائر، بسبب حملة إعلامية موسّعة، أرادت تشويه صورته، وشيطنته. بحسب الكاتب والإعلامي احميدة عياشي، فإن الوزير السّابق الدّكتور أحمد طالب الإبراهيمي هو من كان يقف وراء محاولات النّيل من كاتب ياسين، كما فعل الأمر نفسه مع مالك بن نبي ومحمد أركون، الذي عاش منفياً ودُفن في منفى.

 رغم نزعة أحمد طالب الإبراهيمي التّسلطية لا ننفي أنه كان شخصية محورية في قاطرة الحكم؟

احميدة عياشي: الدكتور طالب يمثّل شخصية مُثيرة في لعبة الحكم الجزائري، فهو ينحدر من عائلة تنتمي إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. والده الشّيخ البشير الإبراهيمي كان الرّجل الثّاني لهذه الجمعية، في حياة الشّيخ عبد الحميد بن باديس، ليصبح بعد وفاة المؤسّس رجل الجمعية القوي الذي سيصبح شخصية دينية في العالم العربي والإسلامي، جعلت منه رمزيته شخصية لها ثقلها بعد الاستقلال، وجعل منه عدم توافقه مع أول رئيس دولة مستقلة جزائرية أحد الرموز الدينية المُعارضة للنظام، أضفت عليه وفاته في سنوات الاستقلال المبكّر هالة ستجعل من نجله شخصية تحظى بالاحترام من قبل خصم أحمد بن بلة، الكولونيل هواري بومدين، وزير دفاع بن بلة.

لقد قضى الدكتور شهورا في سجون أحمد بن بلة مما أثار حزنا في نفس والده، جعله ينقم على أحمد بن بلة، الذي لم تكن علاقته به جيدة منذ تواجدهما في القاهرة في الخمسينيات..

الشّيخ الإبراهيمي شعر بالإهانة عدّة مرات لما وجد نفسه يُهان من طرف أصدقاء وعرّابي بن بلة في القاهرة، أقصد رجال جمال عبد النّاصر الأقوياء، على رأسهم رئيس جهاز الاستخبارات فتحي الديب الذي راهن على الشّاب أحمد بن بلة منذ أن رأه، لأوّل مرّة، في القاهرة يأخذ الكلمة في أحد اللقاءات السياسية للمناضلين المغاربيين..

وجد فيه روح الشّاب الثّائر، المصمّم على انتهاج طريق غير طريق الأحزاب السياسية التقليدية المغاربية في مواجهة الاستعمار.. كان يتحدّث بفيض ثوري وتسامي روحي جذّاب مما أغرى رجل ناصر العتيد في ذلك الوقت بأن يسأل عنه مخضرما سياسيا مثل محمد خيضر، عن هدا الشّاب اللافت للنّظر، صاحب اللهجة الثورية المختلفة عن لغة الوطنيين التقليديين المنتمين إلى أحزاب مثل “حزب الشّعب” الجزائري وحزب “الاستقلال” المغربي وحزب “الدستور” التونسي..

منذ اللقاء الأول الذي تمّ بواسطة خيضر، صار أحمد بن بلة الشّاب الأكثر قرباً من مخابرات ناصر ليعوّل عليه كشريك ورجل مخلص لسياسة مصر الناصرية في دعمها للثورة الناشئة، وهي في لحظاتها المبكّرة وخطواتها الأولى، في حين كان الشّيخ الابراهيمي المقيم في القاهرة آنذاك منذ 1952 يمثّل التيار المُهادن للاستعمار، حيث كان ما يهمه إصلاحات تقوم بها الإدارة الاستعمارية تُمكّن جمعية العلماء – التي كان على رأسها – أن تصبح الممثلة الحقيقية على صعيد الدّين للجزائريين المسلمين وذلك من خلال إدارتها دون تدخل الإدارة الفرنسية في المساجد والشّعائر الإسلامية ولا في المدارس التي تُدرّس فيها اللغة العربية والعقيدة الإسلامية ولكل ما يمكنه أن يمثّل الإشراف على ممارسة العقائد الدينية وكان هذا المطلب الرئيس لجمعية العلماء يتمثل في إقامة مجلس إسلامي أعلى يكون بمثابة الإطار الرسمي للمسلمين الفرنسيين في الجزائر الاستعمارية..

كان الإبراهيمي في نظر بن بلة وجماعته الثّورية رجلا رجعيا اندماجيا سياسيا ومدافعا عن الأحوال الشخصية وذلك يتناقض مع وجهة النّظر الثورية التي كان يصبو إليها الشّبان الجزائريين من خلال تفجير ثورة جذرية المتمثلة في الكفاح المسلّح ضد الاستعمار.

بفضل هذا التصميم لأحمد بن بلة ورفاقه، وجد هؤلاء كلّ الدعم من رجال ناصر مما أفقد الشيخ الابراهيمي مكانته وقوة تأثيره، خاصّة وأن موقفه الإيجابي من الثّورة المسلحة جاء شبه مفروض من قبل جماعة بن بلة وانخرط في دعمه كأمر واقع مفروض وترتّب عن هذه الثورة إلغاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وانخراطها في جبهة التّحرير كأفراد، أي ذوبانها كليا وتواريها وراء أسماء جديدة فرضت واقعًا جديدًا ومشهدًا جديدًا تجاوز كلّ الماضي السياسي والاصلاحي للحركات والاتجاهات السياسية والثقافية في ظلّ المرحلة الاستعمارية.

رغم أن رجال الجمعية راحوا يدافعون عن موقفهم من الثورة مبعدين شبهات التأخر من الالتحاق بها، من خلال بيان نشر للإبراهيمي تحت الضغط في إحدى الجرائر المصرية، إلا أنها فعلا كانت قد فقدت تلك المكانة المؤثّرة التي كانت تحتفظ بها قبل انفجار حرب التحرير الوطنية، ولم يعد الشّيخ الإبراهيمي يحظى بتلك المكانة المبجلة، بل صارت تحرّكاته تحت الرّقابة من جبهة التحرير بمساعدة مصالح الأمن المصرية، فلم ينتقل إلى خارج مصر إلا بإذن من السّلطات المصرية، ولم يدخل الإبراهيمي مع المنتصرين عشية الاستقلال من الحدود المغربية، بل دخل وحيدًا، حاملا في في أعماقه مشاعر الكآبة والمهانة التي لم يستطع غفرانها لرجال الحرب المنتصرين وعلى رأسهم أحمد بن بلة.

الشّيخ البشير الإبراهيمي

لقد مكث الإبراهيمي ببيته في تجاهل تامّ من السّلطات الجزائرية الجديدة، وزاده الوضع سوءا عندما تعرّض نجله للحبس في تلك الظّروف غير المستقرة التي أعقبت استيلاء جماعة “وجدة” على الحكم وانفجار الصّراع الدامي بين قادة الولايات ودخول الإخوة الأعداء في حرب شبه أهلية قادت شخصيات تاريخية مثل أيت أحمد إلى حمل السلاح مجددا، ومحمد بوضياف إلى الدّعوة للتمرّد المسلح والعقيد شعباني إلى شقّ عصا الطّاعة في وجه وزير دفاعه العقيد هواري بومدين، حيث مات وهو في السابعة والعشرين محكوماً عليه بالإعدام..

وفي ظل هذه الظّروف سيلجأ الإبراهيمي، لأول مرّة، بعد أن سكت السّلاح ليُدلي بنقده لتوجّهات نظام الحكم تحت بن بلة، ببيان دعا فيه إلى احترام ما ضحّى من أجله الشّهداء وحذّر من الاستبداد الذي قد يقود البلاد إلى حرب أهلية، وصبّ عليه مثل هذا البيان جام غضب بن بلة الذي كان لا يحتمل أي نقد أو إعتراض، مما عرّض الشّيخ لإقامة جبرية، لم يطل العمر بعدها برئيس الجمعية ليُغادر الحياة، وكانت وفاته في ظروف اشتد فيها الصّراع بين بن بلة ووزير دفاعه العقيد هواري بومدين، مما جعل هذا الأخير ينتقل إلى تقديم العزاء لعائلة الشيخ الإبراهيمي ويقول لنجله أحمد طالب أنهم لم يفقدوا والدا وحسب بل كلّ الجزائر، معها العالم الإسلامي، فقدت رجلا وعالم دين جليل..

كانت تلك الزّيارة رسالة بليغة من بومدين إلى أحمد بن بلة وتوجهاته الأيديولوجية التي اعتبرها بومدين في تلك الفترة باتت قريبة من الشيوعيين يساريي الأممية الرابعة، ولم تمر أشهر حتى تمكّن بومدين من الإطاحة بن بلة، الذي أقتيد إلى معتقل بالجزائر العاصمة لم يخرج منه إلا بعد وفاة بومدين ومجيئ خليفته الشاذلي بن جديد في بداية الثمانينيات..

كان نجل الإبراهيمي من بين الرّجال الذين أختارهم بومدين ليكونوا من مساعديه ورجاله، فصار وزيرا للتّربية ثم للثّقافة ومن الشّخصيات الثقافية التي تدعم موقعها بإحرازها مكانة داخل السلطة، ومع الوقت راح الدكتور أحمد طالب، كونه ابن شخصية دينية وسياسية، يصنع لنفسه، داخل طاقم الحكم ثورة ارستقراطية، تجمع بين العلم والسياسة والثقافة.. هذا ما كان يجعله في صدام نفسي وأخلاقي مع الشّخصيات الثقافية الجزائرية الأخرى، التي كانت تحظى بمكانة كبيرة في الأوساط الثقافية في الجزائر وخارجها..

لقد كان الدكتور أحمد طالب يشدّد على سعة ثقافته وعلى حرصه لأن يبدو في تلك المكانة التي كانت للكاتب والوزير الفرنسي – صاحب رواية “الأمل” – أندري مالرو، في ظلّ حكم شارل ديغول، وهذا ما كان يجعله يعدّد من لقاءاته مع الطلبة الجامعيين والمثقفين في المناسبات والمهرجانات التي كانت تنظمها وزارته أو من خلال مشاركاته في مناسبات عربية ودولية وكتاباته في مجلات جزائرية تابعة لوزارته أو في منابر عربية وفرنسية مختلفة.

ولقد قام بنشر مقالاته ومحاضراته ورسائله في السّجن في كتب، منها “رسائل السجن” و”من تصفية الاستعمار إلى الاستقلال”. يتعرض في هذا الأخير إلى مسألة الثّورة الثّقافية التي كانت في تلك الفترة من القضايا المثيرة للجدل بحكم النقاشات الأيديولوجية التي أثارتها تجربة ماوتسي تونغ في الصّين، داخل الأوساط الثقافية في العالم، وإلى قضية ألبير كامو والثورة الجزائرية، وسرده قصّة لقائه معه في الخمسينيات لإقناعه بمساندة الثّورة الجزائرية..

هذا التّركيز على أرستقراطيته الثّقافية داخل السّلطة، كانت له – في نظري – خلفيات نفسية كانت تدفعه لأن يظهر بأنه مثقفا وليس مجرد وزير دفعت به الظّروف والصّدف لأن يصبح في حكومة بومدين، وهو بذلك – ضمنيًا – كان يسعى لأن يميّز نفسه عن رجال بومدين الذين كانت مرجعيتهم تختزل في مرافقتهم له أيام الثورة، من المحسوبين على عصبته الشهيرة بعصبة وجدة، مثل عبد العزيز بوتفليقة الذي سيصبح وزير خارجيته وشريف بلقاسم الذي يغدو من رجاله المقربين والمشرف على حزب الأفالان ووزيرا في حكومته إلى غاية استقالته في 1975..

هذا الهوس بأرستقراطيته الثقافية التي ملأته بعقدة الإحساس بالتفوق جعلت أحمد طالب الإبراهيمي يضيق ذرعا بشهرة أشخاص مستقلين مثل كاتب ياسين الروائي والشاعر والمثقف النقدي، والمفكر الإسلامي محمد أركون والفيلسوف مالك بن نبي..

لقد قاد أحمد طالب الإبراهيمي حرباً نفسية ضد مثقفين، من بينهم مالك بن نبي وكاتب ياسين ومحمد أركون..

احميدة عياشي: لم يكن الوزير أحمد طالب يحتمل مالك بن نبي. كان هذا الأخير يشعر بالاضطهاد إلى درجة الانسكان بطالب الإبراهيمي، الذي كان في يومياته المنشورة بعد وفاته يصفه بالسيد (إكس) تارة ويصفه ﺒ”le sieur” تارة أخرى وفي بعض الأحيان يذكره بالاسم.

كان مالك بن نبي وقتها موظفا في وزارة التربية التي يقودها طالب، كان كما يذكر مالك بن نبي يتعمّد إهانته كلما طلب مالك مقابلته. يفرض على نشاطاته الثقافية حصارا، يحاربه نفسيا ويغلق أمامه منافذ الاتصال واللقاءات مع الطّلبة، يشي به إلى بومدين، إلخ.

كانت تظهر معاناة مالك من وزيره بشكل يبدو في بعض المرات قريبا من الهوس والمرض النفسي. هل كان مالك بن نبي مبالغا في ذلك؟ هل ما كان يشعر به من إضطهاد وتآمر من طرف الوزير كان مجرد توهّم؟!.. إذن لماذا اضطر مالك بن نبي في نهاية المطاف إلى الاستقالة من منصبه في وزارة طالب كمدير مركزي بعد أن فقد القدرة على مواجهة الضغوط التي يقف وراءها الدّكتور طالب؟! وتفرّغ في بيته لتقديم لقاءاته الفكرية الأسبوعية إلى أن وافاه الأجل في 1973..

إن هذا الجحيم الذي عاشه المفكّر مالك بن نبي ويصفه بشكل مؤلم في يومياته سيتكرر مع كاتب يختلف جذريا من حيث التوجهات والأفكار مع المفكر الإسلامي صاحب “الظاهرة القرآنية”، إنه صاحب “نجمة”، الجبهوي التاريخي واليساري، كاتب ياسين.. لقد كانت كراهية طالب لكاتب ياسين بصورة آثرت بشكل لافت على نفسية ياسين.

عندما تعرّفت على كاتب ياسين – وقتها كنت شابا في ثانوية الحواس بسيدي بلعباس –، ثم بعد ذلك معاونا لكاتب ياسين في المسرح، مع بداية الثمانينيات، لما التقينا بابن عكنون بالعاصمة، كنت وقتها طالبا وصحفيا مبتدئا في الوقت نفسه، مؤسس فرقة مسرحية هي فرقة كمال آمزال الملتزمة، وهو مقيم في عزلته بإقامة المركز العائلي بابن عكنون. في تلك الفترة أخبرني كاتب ياسين عن الرقابة التي كان يقف وراءها الوزير طالب الابراهيمي لمسرحياته في التلفزيون، ولم يكن ياسين يحتفظ بذلك لنفسه مثلما كان يفعل ذلك المفكر الإسلامي مالك بن نبي، بل كان يندّد بالوزير دون هوادة في كلّ اللقاءات والتّجمعات الثّقافية التي كان ينشطها، وفي بعض الأحيان كان يثير بهذه التصريحات بعض المضايقات الأمنية.

لكن كاتب ياسين لم يكن يبالي بذلك، ربما بفضل مكانته كان يتجنب طالب مواجهته بشكل مباشر وصريح، فلقد ألب ضدّه الصّحافة، خاصّة المعرّبة، وراحت تقدّمه على أساس أنه ذو نزعة بربرية قبائلية وعنصرية ضد العرب والإسلام وتلقف مثل هذه الدعاية، التي كان طالب يقف وراءها ، الإخوان المسلمون – آنذاك – ليجعلوا منه حصانهم في شنّ هجومهم على صاحب مسرحية “محمد خذ حقيبتك”، المناهضة للعنصرية تجاه المهاجرين المغاربة في فرنسا، ليتم تأويلها كحرب ضد الإسلام والجزائري العربي، وجعلت من كاتب ياسين أحيانا يبدو أشد سراسة في مهاجمته للنّظام ولرجاله الرجعيين الذين يحولون بين الجزائر الشّعبية والجزائر الرسمية..

أذكر في ذات يوم من 1984، تمّ عرض مسرحية “حرب الالفي سنة”، بالمسرح الوطني، بعد نهاية المسرحية – كان المسرح مليئا برجال أمن بزيّ مدني – أخذ كاتب ياسين الكلمة وراح يتحدّث عن خطر المستعملين لخطاب العروبة والإسلام في الخطاب السياسي والأيديولوجي الرسمي وخصّ الدكتور طالب بالنّقد، بشكل مباشر وهذا ما أدى برجال الأمن لمحاولة منع كاتب ياسين من إتمام كلامه.

كان ياسين يتحدّث بشكل عنيف وحادّ، دون ماكياج، متعرضًا لانحرافات السّياسة الرسمية وذلك بسبب المسؤولين المتلاعبين بالعقول، الذين يُحاربون الحرية ويضيّقون على المبدعين والمثقفين والمفكرين الأحرار.

كان ياسين في تلك الفترة يشعر بالغضب تجاه رجال سلطة مثل طالب، الذين شنّوا ضده حمله بسبب أفكاره الحرة والنقدية، وهذا الإحساس بالغضب غالبًا ما كان يظهره أمام الرّأي العامّ كرجل غير مُهادن. واجتهدت الدعاية المضادّة على اختزاله في صورة شيوعي فوضوي، عنصري وعدو للعربية والإسلام، تلك هي الصّورة التي تمكن من الترويج لها الدكتور طالب ضدّ كاتب ياسين الذي سيغادر الحياة إثر إصابته بسرطان الدم في اكتوبر 1989، دون أن يحظى بجنازة رسمية. الذين جاؤا إلى تشييعه كانوا من الشباب الثوريين والنّاس المغمورين والأصدقاء الأوفياء وثلّة من المثقفين الأحرار، طبعًا باستثناء الحضور القوي لصديقه الحميم وزير الشّؤون الدينية الأسبق بلقاسم نايت بلقاسم والمجاهد الكبير علي زعموم.. غادرنا كاتب ياسين دون أن يتمكن من رؤية إحدى مسرحياته مبرمجة على التلفزيون ليراها أكبر عدد من المشاهدين.

محمد أركون

أما الشخصية التي تعرّضت هي الأخرى إلى محاربة سرية من قبل رجل بومدين والشاذلي، أحمد طالب، فهي المفكر الاسلامي النّقدي محمد أركون، الذي سيجد نفسه منبوذا في بلده، وربما لهذا اختار أن يُدفن في بلد زوجته المغرب بدل أن يدفن في قريته، ولعب طالب الإبراهيمي دورا في الحرب الخفية التي استهدفت أركون، حيث تمّ التشكيك في نيته من خلال كتاباته عن الإسلام وأعتبر أنه لا يختلف عن المستشرقين الذين يريدون شرًا بالإسلام وأهله لا خيرا بالمسلمين.

عندما سألت – ببراءة – ذات يوم وأنا أجلس في صالون منزل طالب عن رأيه في محمد أركون، صمت قليلا ثم قال لي أنه يعرف أركون منذ أن كانا طلبة في الخمسينيات، وفي رأي طالب أن محمد أركون كان يقول لزملائه أنه سيقوم بتخريب الإسلام وكشف ضعفه وخرافته.

لم يكن طالب الإبراهيمي يدري أنني من متابعي كتابات أركون ومن المعجبين باجتهاداته وجدّيته، حافظت على صمتي، وقلت له ألا يعتبر أركون من أهم المفكرين المسلمين اليوم؟ فأجاب بالسّلب. ولم أجد ما أناقشه فيه لأني أكتشفت أن طالب لم يقرأ لأركون ويرفض أن يضيع وقته ولكنه مع ذلك أصدر حكمه عليه بالموت مثلما أصدره على كاتب ياسين!

بعد وقت، اكتشفت من خلال قراءتي لمذكرات المؤرخ أبو القاسم سعد الله بعنوان “مسار قلم”، أن هذا الأخير أيضًا تعرّض لتضييقات طالب على نشر الجزء الثاني من كتابه “تاريخ الجزائر الثقافي”، بسبب نشر سعد الله مقالا في جريدة “الشّعب”، ينتقد فيها البشير الإبراهيمي أيام كان مقيما في مصر فيما يتعلّق بعلاقته مع الطلبة الجزائريين..

أثارني مثل هذا السّلوك الصّادر عن الدكتور طالب وهذا ماجعلني أحاول تحليل شخصية المثقّف الذي حين يجد نفسه في السّلطة يتحوّل إلى عدو لنظرائه..

لا يمكن تعميم مثل هذه الصّورة، فلقد تقلّد بعض المثقفين مسؤوليات لكنهم – وإن ظلوا سلبيين – لم يلحقوا أذى بالمثقفين، ويمكن أن ذكر من هؤلاء مصطفى لشرف وعبد المجيد مزيان.

لكن بشكل عام، ظلّ المثقّف يشعر بالعقدة تجاه العسكري السياسي الذي امتلك السّلطة، عن طريق القوّة، وظلّ يمارس عقدته تجاه نظرائه من المثقفين، فهو يسعى لتقديم خدماته في ترويض الإعلاميين والمثقفين، ربما دون أن يُطلب منه ذلك..  مستشار بومدين الطبيب والكاتب محيي الدين عميمور كان يمارس سلطته بشكل مهين على الإعلاميين والكتّاب الإعلاميين ليجعلهم مروّضين وهم يقدمون خدماتهم للسلطة ويذكر عميمور طريقته بشكل واضح ودون خجل في أداء مهمته في الرقابة والتوجيه لرؤساء التحرير والكتاب الصحفيين، سواء عندما كان مستشارا إعلاميا في فترة هواري بومدين آو في فترة الشاذلي بن جديد، حيث رسخت في تلك الفترة فكرة آن الصّحافي أو الكاتب هو في خدمة السلطة بقلمه حتى وإن كانت العبارة في فترة حكم بومدين تتخذ شكلا بلاغيًا، تحل كلمة الثورة محل كلمة السلطة، وهذه النظرة للصّحافي اتسمت في الحقيقة بالاحتقار والإزدراء إلى درجة تحوّلت إلى عقيدة لدى السياسي فيما يتعلق بدور الصّحافي.

إن هذه النّظرة المشكاكة للصّحافي المبدع والمحترف وللمثقف تعود جذورها إلى تلك العقلية البدوية المرتابة التي كان يحملها الفلاح للمثقف والمتعلّم على أنه موالٍ للمستعمر، ومائع، وشخص غير أهل للثّقة، وكانت هذه النظرة التي يحملها الفلاح أو ساكن الريف للمثقف هي الاستراتيجية التي سعى إلى استثمارها رجال إستخبارات فرنسا الكولونيالية للإيقاع بقادة الثورة ودفعهم إلى إرتكاب مجازر تجاه المثقفين والمتعلمين المنخرطين في الثورة، وذلك ما حدث في قضية “لابلوبت” الشّهيرة، التي انخدع بها العقيد عميروش، وفي قصص أخرى مماثلة ظلّت تشكّل مناطق ظلّ في تاريخ الثّورة الجزائرية إلى يومنا هذا..

يتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عندما دافع كاتب ياسين عن الأمير عبد القادر وأشاد بفكره وجهاده

لم يكن الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين، يبلغ من العمر سوى 17 عاما، عندما قدم …

يوم زارت ايزابيل ايبرهارت عنابة، واعتنقت الإسلام

في شهر ماي من سنة 1897م، جاءت إيزابيل إيبرهارت إلى الجزائر، وعمرها لا يتجاوز العشرين …