الأحد، 16 يونيو 2019

مختارات من كتاب آسيا جبار: بياض الجزائر

آسيا جبار.. مؤلفة: بياض الجزائر

اليوم الثّالث

– ما هو لونك؟

– الأحمر، عندما يحول.

من حوار مع عبد القادر علولة.

21-7-1993

  • عبد القادر علّولة، كاتب ومخرج وكوميديان مسرحي، توفي في باريس قبل فجر يوم الاثنين 14 مارس 1994.

في اليوم التّالي، مع رفع الجسد، قبل أن يأخذوه إلى المطار ليتم نقله إلى وهران، أدخل، تُرافقني والدتي وابنتي، بين العائلة، في الغرفة التي يستريح فيها: للوداع الأخير.

وجهه ذو العيون المغمضة، والملامح المنتفخة. مات إذًا، منذ يوم ونصف. تمّ ضربه الخميس الماضي أمام درجه، بينما كان ذاهباً إلى المحاضرة التي أعلنت عنها الجرائد: تمّ إطلاق ثلاث رصاصات، اثنتان منهم أصابتا الرأس.

عندما سيلتقي مدينته، هذه الليلة، سيكون يومه الخامس وهو غائب عن الوعي.

اليوم السّادس، غداً، سيترك للمرّة الأخيرة شقته في شارع مستغانم. سيسبح في الشّوارع، فوق حشدٍ كامل: من بيته للمسرح (خطّ مسيره شبه اليومي، ذاك الذي كان سيتبعه قبل أن يتمكنوا منه). الموكب سيتم افتتاحه من قبل النساء: بنتاه، زوجته، أخواته الثّلاث، الممثلات وصديقات الطفولة و.. أمّه وحدها ستغيب، لأنّها وبسبب المرض: يخافون أن تستعجل اللّحاق به.

  • هذه اللحظة، في باريس، وهنا، في هذه القاعة المعتّمة حيث هو مسجّى، في قلب هذا التّابوت الثّقيل الذي لازال مفتوحاً، من مكاني، في الصّف الثّاني، أراه للمرّة الأولى ممدّداً، أراه للمرّة الأولى نائماً. نظرته؟ نحو الداخل.

نظري لا يترك ملامحه. وجهه له لونٌ غير لونه، وليس بعدُ لون التراب، أو الرّمل.

هو هنا لأنّه ينام ولأنّ هامته لازالت تحت نظرنا، ولأن عيناه اللتان لن تفتحا أبداً، عيناه العريضتان، لن تبرقاً بعد اليوم، عيناه الحيّيتان أو بالعكس عيناه الضّاحكتان.

يبدأ الإمام الفاتحة بصوتٍ مُنغّم. يتمتم السّورة في صمت: من حولي، يضمّ بعض النّسوة والرّجال كفوفهم ويفتحونها، ربما يقرؤون، هم أيضاً، النصّ المقدس، في الوقت نفسه مع الإمام.

أنا، من الصّف الثّاني، أتبّين من خلال الضّباب، قُبالتي، الوجه المتصلّب لمالك، أخ قادر، أنا، أتأمّل الهامة الرّاقدة، أريد، أوه كم أريد لو يفتح عيناه. لا أستطيع شيئاً: هذا تفكيري الوحيد، صلاتي الوحيدة. يبتلع حلقي تشنجاته: أنظر، أصمت، أتغلّب على العُقد التي تضغط على بلعومي.

الفاتحة اللانهائية: وهم معها في القبول، أو بفضلها.. أنا، ماذا تبقّى لي؟ قُبالتي، الوجه النّائم لقادر، لدقيقة أخرى أو اثنتين. صورة للجمود.

الفاتحة اللانهائية: صوت الإمام، المنغّم. منذ لحظة، حازوقاتي تتابع بتقطّع إيقاع اللحن الرّتيب. الذي ينتهي.

أدير رأسي. أخرج الأولى. انتظر في الخارج مع حشد الأصدقاء.

عندما خرج التّابوت المُغلق، وحُمّل في سيارة الجنازة – أربعة حاملين من بينهم إخوة المحمول، مالك هادئ، وكمال مُنتحب، فهمت عندها أنّ قادر قد مات.

أنّه ترك لنا الفراغ.

  • ستكون ممتلئة المدينة – وهران “الجميلة” – عندما سيدفنونه، غداً الأربعاء. “هم”؟ كلّ البلاد.

أولاً النّساء، الفتيات، الطاطات ثم العجائز؟ والأطفال، بالطبع. الموكب؟

ستعطي وهران نفسها يوماً كاملاً من الاستعراض المرتجل، كأنّه وبعد ثلاثون سنة من صراع قادر فيها، ها قد بدأت للتوّ تفهم هذا الدّرس، ستحاول أن تُثبت له، هو الذي كان في الحقيقة طيلة هذه السنوات سيّدها، لكنه كان يتصوّر أنّه ليس إلاّ واحداً من أولادها المؤهلين على تلّمس، وسماع إشاعاتها، وأسرارها!

الاحتفال، بأمواجه الصّاخبة، يبدأ من أمام المسرح البلدي لوهران – المكان الذي شهد ولادة مسرحيات المرحوم التسع –، ويستمر حتى المقبرة التي ستمتلئ بسرعة، من خارج المدينة، الأطفال، العائلات، سكّان الضواحي الكلّ يلتحق في عجلة.

جان سناك

جان سِناك

جان سِناك الذي مات في 1973، في قلب مدينة الجزائر، لم يعرف، بحث طيلة حياته لكنه لم يعرف من كان والده. لكن من، في أرض الجزائر المروّعة، عرف فعلاً والده؟ سمّاه؟ أحبّه؟

مات جان سِناك، في تلك الليلة السّوداء يوم 30 أوت 1973، في 2، شارع إليزي – المنعزل، قُتِلَ غالباً من قِبل عشيق طارئ، بلطجي التقاه صدفة أو ربما من قِبل مخبر شرطة.

برنامجه الشّعري الأسبوعي، على الإذاعة الجزائرية النّاطقة بالفرنسية، تمّ إيقافه سنة قبل ذلك، لأسباب غامضة.

بعض كتّاب السيرة، وصلوا إلى نتيجة تقول بأن أول شاعر قُتِل في الجزائر – في جزائر ما بين الحربين، أي تلك التي عرفت السلم – كان في نفس الوقت “قدماً سوداء” من بني صاف، وهذا ما يعني، أنه وبعد عشر سنوات من الاستقلال، لم يتقبّل البلد تقليده في الانفتاح والتعدّدية، ذلك الذي كان يُطالب به بصوت عالٍ في الأمس.

ربما أيضاً لأن جان سِناك، الذي كان يمضي قصائده، الطارئة، بشمس ذات خمسة أشّعة، كان يعيش غرامياته – للأرض الأم، للحياة، للغُلمان – بانبهار ترك ظلّه العنيف على مجتمع لا ترفع فيه المِثلية صوتها، رغم حضورها القوي فيه.

كان جان يسمي نفسه أحياناً بيحيى الوهراني، جان الوهراني، مات بسبب حقيقته التي كانت تُكتب، وتُقال، وتُصرَخُ في بعض الأحيان.

والشّاعر صالح غمريش يتعجّب:

اسمعوني، يا بشر الشّوارع، اسمعوني

بالحقّ، أقول لكم،

يحيى لم يمُت مقتولاً

يحيى مات

منتهياً.

كلّ الشّعراء المتواجدون في مدينة الجزائر قدّموا بدفءٍ تاجاً جنائزياً للصّديق: جمال عمراني، الأغواطي، جاعوط، سبتي، وآخرون كُثُر، النظرة الصّافية والهِبَةُ في القلب. من بينهم، إثنان بدورهم سيتم القضاء عليهم لاحقاً: في وضح النّهار، وفي صباح مُشمس، بالنسبة لطاهر جاعوط، وفي خضم ليلة طويلة من المُعاناة، في الجهة الأخرى من مدينة الجزائر، بالنسبة ليوسف سبتي.

جان سِناك سيكون إذاً، يا للحسرة، على رأس سلسلة من الشعراء ذوي النشيد المخنوق.

قبل ثلاثة أشهر من موته كان قد كتب:

لقد أحببتُ كثيراً. الفضاء

يختزل الكائن هذا المساء

في كسرِ قصبة.

ترجمة: صلاح باديس

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …