الإثنين، 24 يونيو 2019

أحمد طالب الإبراهيمي.. احتقار المثقّف وتبجيل الشّعبوية

أحمد طالب الإبراهيمي

أحمد طالب الإبراهيمي(1932-) يعدّ من الشّخصيات المثقّفة القليلة، التي بلغت أعلى هرم السّلطة، في الجزائر. هو طبيب ونجل الشّيخ البشير الإبراهيمي. كان وزيراً للتّربية، ثمّ وزيراً للخارجية. نعرفه خصوصاً من إصداراته، مثل “من التحرّر إلى الثّورة الثّقافية”(1973)، ومن مذكرّاته، التي صدرت بين عامي 2006 و2008، لكنه لم يكشف فيها كلّ شيء.. في هذا الجزء الثّالث، من الحوار – الشّهادة، يعود احميدة عياشي إلى محطات من تجربته الصّحافية، وإلى تفصيلات من الحياة الشّخصية لأحمد طالب الإبراهيمي..

انتقالك من سيدي بلعباس إلى الجزائر العاصمة شكّل نقطّة تحوّل مهمّة في حياتك، على الصّعيدين المعرفي والشّخصي..

انتقالي إلى الجزائر العاصمة (عام 1979، بعد حصولي على البكالوريا)، ودخولي عن طريق الصّدفة مجال الكتابة الصّحافية أثار آمامي واقعًا لم أكن أعرفه، بدا لي معقدًا وغريبًا رغم واقعيته، وشبه مستعص على فهمي. شكًل تحدّيًا للغتي المستعملة ولذكائي وقدراتي في الكتابة.

بعد كتابتي مقالة سجالية، دفاعًا عن أغنية الرّاي، كانت من بين المقالات الأولى – إن لم تكن الأولى من نوعها في الكتابة بشكل واضح ودقيق وسجالي عن أغنية الرّاي – ، كان ذلك في 1981، في جريدة “الشّعب”. نشرها مسؤول قسم المنوعات آنذاك باديس قدادرة، الذي كان في نفس الوقت طالبا في معهد العلوم السياسية والإعلامية، تخصّص صحافة.

كانت مقالتي ردًا على مقالة للشّاعر سليمان جوادي الذي انتقد أغنية الشّابة فضيلة وصحراوي التي أحدثت دويا حقيقيا في المجتمع: “البيرة عربية والويسكي ڤاوري”. اعتبر جوادي ذلك رداءة، وطالب بمحاربة هذا النّوع من الغناء. في الحقيقة وصفه بالأغنية الوهرانية الهابطة، وكان عنوان مقالتي، استفزازيا وعنيفا لكن يقترح طريقا أخرى في التحليل: “الرّاي ليس فنًا ساقطا ياهذا!”.

أثار مقالي في جريدة “الشّعب” ردود أفعال عديدة، مقالات لم يتوقّف سيلها، اتّخذت تقريبًا اتجاها واحدا، وصفتني بالضّال والفاجر والمدافع عن مُخلّفات الاستعمار التي حاربتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. البعض ظنني أنثى، لأن اسمي حْميدة، فبنى على انتمائي الجنسي ردوده، لتُقام محاكمة لكلّ من تجرّأ على الدفاع أو إثارة قضية الراي بشكل مختلف.

هذه التّجربة قادتني إلى الصّحافة حيث تلقيت عرضا من طرف جريدة أسبوعية تسمى “الوحدة”، هي تنتمي إلى منظمة الاتحاد الوطني للشّبيبة الجزائرية. كانت هذه الجريدة ذات توجّه يساري قبل تطبيق المادة 120 القاضية بإبعاد الإطارات المسيّرة التي لا تنتمي إلى حزب جبهة التحرير الوطني، حيث تمّ إبعاد مديرها آنذاك، الشّاعر والصّحافي المفرنس عبد المجيد كاوة، وتعويضه بنائب محافظ الأفالان بالبويرة محمد الصّغير قارة، الذي سيُصبح مديرا للمكتبة الوطنية ثم وزيرا للسياحة في عهد بوتفليقة ونائبا في البرلمان.

كانت مقالتي الأولى في “الوحدة”، عبارة عن تحقيق حول النقابيين الشّباب في مركّب الرغاية “سوناكوم”. كان الشخص الذي اقترح الموضوع يدعى يوسف عبابسة، ينحدر من بلدة عين التوتة، ولاية باتنة، طالب ماجستير في معهد الحقوق، مناضل قيادي في حزب الطليعة الإشتراكية الشيوعي، يرأس قسم  التحقيقات المتعلّقة بحياة الشباب في الجريدة، ويسمى “بحياة المنظمة”. كان نحيلا، يدخّن “الأفراز” بشراهة، بُنيّ العينين، يفرط في شرب النبيذ الأحمر، صافي القلب، ذو مبادئ فولاذية. يبدو لي في الكثير من الأحيان رغم واقعيته مناضلا رومانسيا. كان يمقت التّيار المتطرف، منضبطا بتعاليم حزبه السّري.

اتّجهت معه إلى مخيم العمال الشبان بسيدي فرج، مكثنا معهم حوالي أسبوعا. كانت المفردات المستعملة بالفرنسية غريبة بالنسبة إلي، بدا لي عالمهم النقابي مغلق، ووجدتني عاجزا أن أنقل مجريات تلك الأيام التي تابعتها بمساعدة يوسف. كنت أكتب وأمزّق الورقة تلو الأخرى، وتسرب الشكّ إلى نفسي في قدرتي أن أصبح صحافيًا.

بعد تدخلات يوسف في المقال، وأستطيع القول أنّه أعاد صياغته من جديد، تمكّنت من الصياغة النّهائية للروبرتاج. كنت حزينا، خجولا من نفسي، لكن يوسف هوّن من الأمر، أرسلني إلى الكتابة عن عائلات معدمة كانت تعيش في بيوت الصفيح ضواحي برج الكيفان. لكن هذه المرة كانت الصعوبة أقل، لأجدني أتخلّى عن تلك اللغة الفخّمة والصّلبة والتجريدية التي كانت تميز أسلوبي بحكم قراءاتي الفلسفية، وأقترب من اللغة الواضحة والدقيقة والمقتصدة.

هذا ماجعلني أنوّع في قراءاتي الأدبية بحيث أقرأ النصوص التي لم تكن تجذبني في البداية مثل كتابات الروائي الفلسطيني غسان كنفاني، الروائي السوري حنا مينا، الذي ألتهمت – وقتها – كلّ رواياته، من “المصابيح الزرق ” و”الشراع والعاصفة” إلى “الياطر” و”الشمس في يوم غائم”، والكاتب السعودي عبد الرحمان منيف، إلى جانب كاتبي المفضل بليز ساندرارس الذي بهرتني حياته المليئة بالمغامرات، فهي في حدّ ذاتها رواية وقصة صحافية مثيرة، شارك كطيّار في الحرب الكونية الأولى، فقد ذراعه فيها، عاش التّصعلك والتشرّد، كان أول من كتب القصيدة ما بعد الحداثية وهو متشرد في نيويورك، فريسة الجوع والبرد القارس، تعرّف على ممثل بهلوان مغمور، سيصبح من مشاهير السينما الصّامتة “شارلي شابلن” والتقى بأحد مشاهير الجريمة المنظمة،”ألكابون”، تعرف على أمراء ونسخ لهم كتب حكايات، ربطته صداقة بكاتب بوهيمي آخر، جعل من الحياة وسيرته الذاتية مادة رواياته وقصصه وهو الأمريكي التي كانت تلعنه المؤسسة الأمريكية هنري ميللر.. كل هؤلاء كان الخيط في حياتهم بين الأدب والصحافة رقيقا لا يرى، حيث تنتفي الحواجز والحدود..

بعدما عملت صحفيا متعاونا في جريدة “الوحدة”، انتقلت في 1984 إلى جريدة “أضواء” الثقافية. وفي 1986، التحقت بجريدة “المسار المغاربي”، بعد انتهائي من الخدمة العسكرية. استقلت من رئاسة تحريرها عام 1991، لألتحق بيويمة “الخبر”، ثم كنت من المؤسسين لاسبوعية “الخبر الأسبوعي”(1993). ثم أسست جريدة “الحدث”. وفي 2001 التحقت بجريدة “اليوم” كمدير تحرير.

الرّاي كان سبباً في دخول احميدة عياشي إلى الصّحافة

كما لو أن الصّحافة كانت سبباً في إعادة اكتشاف الحياة؟

نعم، وفّرت لي الصحّافة حيوات لم أتخيّلها لحظة في حياتي ما قبل الصحافة وهو التعرف على الحياة الأخرى عن كثب والغوص فيها، وهي الحياة التي طالما نهاب الاقتراب منها، فتعرّفت على المدمنين على الخمر والمخدرات، وعلى عالم المثليات والمثليين. كنت من أوائل الصّحافيين الذين نقلوا قصصهم وأثار ذلك ردود فعل حادّة.

تعرّفت على خديجة التي تسمي نفسها دحمان، وكانت سحاقية، تنحدر من حي شعبي بالعاصمة، درّست علم الاجتماع، كانت شريبة وذات سلوكات رجولية، وفية لكلمتها، شجاعة، تتبنّى ذكوريتها دون خوف أو عقدة، ذات قوة بدنية توظّفها في حماية عشيقاتها من النساء.

صارحت خديجة في ذات يوم بأن تساعدني على كتابة روبورتاج عن المثليات والمثليين، كنا في عام 1986. ابتهجت للفكرة، عزمتني إلى مطعم بوسط العاصمة كان يدعى مطعم “مار ميشال”. عرّفتني على عدد من المثليات والمثليين، وصرنا أصدقاء. معظمهم كان يعيش في أوروبا، أرشدوني إلى باتنة حيث كانت هناك في تلك الفترة مجموعة منظّمة شبه سرية من المثليين، ذهبت إلى إلى باتنة والتقيت بعضهم، كان منهم من كان موظفا في سلك القضاء.

بعد انتفاضة أكتوبر1988، أصبحت  خديجة موظّفة بجريدة “الشّعب”، في قسم الأرشيف، لكن سرعان ما طُردت من عملها بسبب مثليتها. سافرت إلى مدينة جنوبية، أظنها ورڤلة للانطلاق في مغامرة إعلامية تتمثّل في نشر جريدة محلية، لكن خديجة المدعوة دحمان أصيبت بمرض الأيدز، تحوّلت إلى هيكل عظمي. عندما ماتت رفض أشقاؤها الذين أصبحوا منخرطين في حزب “جبهة الإنقاذ” الصّلاة عليها والحضور إلى جنازتها. كانت قصّة خديجة تراجيديا حقيقية والكتابة عليها تعد أكثر من ملهمة في توظيف الحقيقة الاعلامية في الرواية.

قادتني الصّحافة إلى اكتشاف عالم السّياسة الخفي. تعرفت على نشطاء معارضين علمانيين ويساريين من زعيم الأرسيدي الدكتور سعيد سعدي، وأحد القياديين التّاريخيين للحزب الشيوعي الجزائري عبد الحميد بن زين، وأحد قيادي حزب الطّليعة ومؤسس الأمدياس الهاشمي شريف واليساري نور الدين زنين، الذي أغتيل في التسعينيات ، والفنّان فرحات مهني والمغني القبائلي الشهير الذي أغتيل في التسعينيات معطوب لوناس.

كما تعرّفت على نشطاء إسلامويين كثر، من عباسي مدني، علي بن حاج، عبد القادر حشاني، علي جدي والهاشمي سحنوني، كمال قمازي، محفوظ نحناح وجاب الله إلى مدني مزراق وعلي بن حجر. وعلى جنرالات: خالد نزار، العربي بلخير، رشيد بن يلس. وتعرّفت على رؤساء حكومات: قاصدي مرباح، مولود حمروش، مقداد سيفي، أحمد بن بيتور، سيد أحمد غزالي، عبد العزيز بلخادم، عبد المالك سلال، رضا مالك، بلعيد عبد السلام. وعلى شخصيات وطنية: عبد الحميد مهري، شريف بلقاسم، الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي..

منحتني الصّحافة هذه الفرص النّادرة للتعرف عن قرب عن هذه العوالم الخفيّة، التي يصنع رجالها مصائرنا الجماعية ومآسينا الوطنية في لحظة من اللحظات التي يمنحهم التاريخ هذه الفرصة في ممارسة السلطة.

كنت أصغي إليهم، أختبر أفكارهم ونظرتهم وحقيقتهم الإنسانية وأكتشف وجوههم التي كثيرًا ما ارتدت وهم في مراكز القرار عشرات الأقنعة. كانت حكايات بعضهم لي إضاءات حقيقية عن الزوايا المظلمة للمطبخ التي أعدت فيه الكثير من القرارات والسياسات.

البعض ربطتني به علاقة صداقة مؤقتة محسوبة يشوبها الحذر والبعض الآخر تعلمت منه كيف يفكر الحكّام بغض النظر عن اختلاف الرجال وتوجهاتهم.

جعلتني الصّحافة أمتلك صبرًا كبيرًا في صداقة هؤلاء لأغوص في رؤوسهم وأحاسيسهم وأساليب تفكريهم ونظرتهم  إلى المجتمع وإلى المحكومين، واقتربت من بعضهم فكنت شاهدًا على حبهم المرضي للسّلطة وعلى استعدادهم لأن يلبسوا أي ثوب ويتبنوا أي خطاب بإمكانه إرجاعهم إلى الحكم والبقاء فيه. اكتشفت كيف يتبدلون عندما يفقدون السلطة ويعودون إلى بيوتهم ينتظرون اتّصالا من رجال الساعة الأقوياء، فتشكّ وأنت تستمع إليهم وهم يشتكون من النسيان والإقصاء ويقولون خطابا مختلفا تماما عن خطابهم وهم في السلطة.

منحتني الصحافة فرصة التعرف على أشخاص مناورين، يمتلكون عقولا شيطانية صناعة التأثير والاستعمال المدهش للعقول، كأنهم يلعبون شطرنج.

كان الكاتب والوزير الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي من الشّخصيات التي تعرّفت عليها عن قرب..

تعرّفت عليه في بداية التسعينيات. زرته في بيته مع أحد الأصدقاء. له بيت جميل، تتوسّط ساحة من الحشيش الأخضر. بعد السير أمتارا وسط ذلك المنظر الطبيعي الباعث على الانشراح، نزلنا إلى الطّابق السّفلي حيث يوجد الصالون الذي يستقبل فيه نجل الشيخ البشير الإبراهيمي ضيوفه، من السّياسيين والجامعيين والدبلوماسيين والإعلاميين والنشطاء في المجتمع المدنيين. الصالون عبارة عن مكتبة غنية، تتضمّن مؤلفات ورثه من والده، إضافة إلى الكتب الذي أقتناها وهو وزير في عهدي بومدين والشاذلي.

يركّز الدكتور طالب على مظهره كمثقّف ومتعلم تمييزًا لنفسه عن باقي زملائه من السياسيين. يعتني بأناقته وطريقته الأرستقراطية في أحاديثه إلى ضيوفه وزواره. يحرص على الهدوء في الحوار وتقمّص شخصية الفيلسوف. يجلس على الكنبي المؤثث على الطريقة المغربية، ويضع من حين إلى آخر سيجاره الطويل على فمه، بشكل يشبه طريقة الرّئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين، ويقلّده حتى في ارتداء البرنوس. يتزيّن الصالون بصور لوالده وله في أوج شبابه.

في المرّة الأولى التي زرته فيها إلى بيته حاول أن ينبهني بأنه مطلّع ومعجب بمقالاتي التي كنت أنشرها بأسبوعية “الحدث”، وتحدّث في أمور متنوّعة، من الأدب الفرنسي إلى الفلسفة البرغسونية إلى الفلسفة الإسلامية. كان يحوم حول المواضيع لكن دون أن يغوص فيها. وهذا في الحقيقة ما يميز أحاديث الصالونات التي يكون أصحابها في الأساس سياسيين أكثر منهم رجال ثقافة بالرغم من حرص الدكتور طالب على الظّهور بمظهر المثقف والمتبحر في اللغة والفلسفة والعلم، أبهرتني مكتبته وجذبتني طريقته في المحادثة والتواضع الذي أظهره رغم أن من يراه من بعيد يوحي له مظهر أنه رجل أرستقراطي ومتكبّر.

بسرعة تطوّرت علاقتي به، حيث أسقط كل بروتوكول بينه وبيني، ومع مرور الوقت راح يفتح لي قلبه دون تكلّف أو صعوبة، وهذا أمر سأبقى ممتنا له به، برغم أن علاقتي به ستعرف برودة لافتة بعد عشر سنوات من اللقاءات المنتظمة، وشأنه في ذلك شأن بعض الساسة الذين رغم جانبهم الإنساني وكرمهم يسعون إلى ربطك بهم وتوظيفك دون أن تدري لصالح إستراتيجيتهم وغاياتهم وحساباتهم السياسية حتى وإن أدركوا أنهم خسروا عودتهم المنتظرة إلى الحكم.

يجب أن أعترف أنه في البداية كان يثق فيّ بشكل كبير ويقول أشياء حميمية عن عدّة شخصيات، البعض كان يربطه بها علاقة حميمة مثل علاقته بالجنرالات الثلاثة وهم وزير الدفاع القوي آنذاك خالد نزار، العربي بلخير ورشيد بن يلس..

قال مرة أن خالد نزار الذي كتب بقسوة عن الشاذلي في مذكراته، كان لا يقوى أن يقف أمامه، فلقد كان الشاذلي يعنفه بشكل “تمنيت لو تبتلعني الأرض ولا أسمعه يقوله له أمامي”.. هكذا حدثني الدكتور طالب الإبراهيمي عن علاقة الشاذلي بخالد نزار، وكان يرمي من وراء ذلك أن ادعاءات نزار بأنه كان ذو شخصية قوية كعسكري في وقت الشاذلي لم يكن صحيحا. كما أخبرني طالب عن الجوانب الشخصية التي تمثل ضعفا في حياة بوتفليقة، وأكّد لي بأن ملف الفساد الذي أُتّهم به بوتفليقة في زمن بن جديد، لم يكن إفتراءا وظلما لبوتفليقة كما يريد بوتفليقة أن يقنع به الآخرين.. كان يقول لي مثل هذا الكلام كونه، أي الدكتور طالب الإبراهيمي، كان هو أيضا على رأس أو ضمن رؤوس مجلس المحاسبة الذي حقّق في إدارة بوتفليقة للمال العام عندما كان وزيرا للخارجية.

ظلّ الدكتور طالب محافظا على علاقته الخاصة والمتينة مع نزار، لأنه كان يعتقد أن يومه قادم لا محالة لأن يكون في ذات يوم على رأس الدولة الجزائرية، وفهمت من معاشرتي للدكتور طالب حرصه في توطيد علاقاته مع الخليجيين خاصة السّعودية وبعض الدول العربية، مثل الشخصيات المؤثرة داخل الحكم في سوريا ولبنان، وكذلك حرصه على إبقاء علاقاته الدبلوماسية والسياسية مع أصحاب القرار في فرنسا قائممة وقوية وربما لهذا السّبب لم يكن يتغيب طالب عن هذه المراكز العربية والأروبية، ليبقى على قرب  من محيط أصحاب القرار الإقليمي والجهوي.

كما يجب القول بأن الدكتور ظلّ وفيًا لبومدين إذا ما قارنا علاقة بوتفليقة بالرجل الذي لولاه ما كان هذا الرجل السياسي الذي سيلعب دورا مهما في المصير الجزائري، ليس فقط كوزير خارجية بل كذلك كرئيس جمهورية بعد أكثر من عشرين سنة خارج الحكم.

عرف أحمد طالب الإبراهيمي كيف يفوز في البداية بثقة الشاذليبن جديد، فجعل منه هذا الأخير أحد المقرّبين منه، وكان يأخد بنصائحه واستشاراته، وهذا ماجعل طالب يُحظى بمكانة في أعلى هرم السّلطة ولم تمسه الحملة التي أطلقها الشاذلي ضد البومدينيين، بل بالعكس فقد استثمر هذا الفراغ الذي تركه المحسوبون على بومدين ليحتل مكانة خاصة لدى الشاذلي الذي كان يقدر المتعلمين والمثقفين من أهل السلطة.

أحمد طالب الإبراهيمي كان وفياً للرّئيس بومدين

إذاً، تعرّفت على الدكتور أحمد طالب الابراهيمي في بداية التسعينيات عندما كنت أدير تحرير جريدة “الحدث”، التي أسستها مع كل من الصّحافي سلامي محمد ورشيد نايلي. كان الخط الافتتاحي لجريدتنا الاسبوعية قريبا من خط الجماعة التي ستعرف بمجموعة سانت ايجيديو، وهم حسين آيت أحمد وعبد الحميد مهري، الرجل السياسي المخضرم والأمين العام وقتها للأفالان قبل أن تحضّر ضده المخابرات انقلابا سمته بالانقلاب العلمي نفذه عبد القادر حجار، وقيادة الفيس خارج السجن والمقيمة بالخارج: أنور هدّام، المقيم بالولايات المتحدة الامريكية، ورابح كبير اللاجئ بألمانيا، ولويزة حنون زعيمة حزب العمال والحقوقي علي يحيا عبد النور وجاب الله عبد الله. ومن الشخصيات المستقلة القريبة من تيار هذه المجموعة كان الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي. اتصل بي عن طريق شريكنا في”الحدث”رشيد نايلي. كان يريد التحدث معي عن بعض كتاباتي التي هنآني عليها وأشاد بمواقفي كصحفي من إيقاف المسار الانتخابي.

إن العلاقة بين الصّحافي والسياسي، أو بين الدبلوماسي والصّحافي، أو بين العسكري والصّحافي هي علاقة تتسم بحساسية لا مثيل لها. في نظري لا يمكن أن تتحول فعلا إلى صداقة عميقة مهما كبرت وعظمت، لأنها تطرح إشكالية المسافة والاستقلالية وقول الحقيقة في اللحظات الحرجة التي قد تكون متناقضة ومصلحة السياسي او الدبلوماسي أو العسكري، أي باختصار بين الصّحافي الحر وصاحب القرار توجد مناطق متحرّكة مثل الرمال، قد تقضي على العلاقة بين الاثنين إذا ما ظهرت لحظة التّعارض بصدد قول الحقيقة أو إخفائها.

صاحب القرار يسعى إلى كسب الصّحافي واستخدامه لصالحه سواءًا كان ذلك بشكل مبطّن أو سافر، وتمثل العلاقة بينهما لحظة جذب وشدّ. قد تصان العلاقة وتتطوّر إذا ما توفر هذا الوعي وازداد هذا الحرص وتراجعت أنانية كلّ طرف أمام سلطان الحقيقة، لكن نادرًا ما يكلل ذلك بالنجاح.

هذا ماجعل علاقتي في غالب الأحيان مع السياسي سواء كان في السّلطة أو في المعارضة تتسم بالحذر والتقلبات وتتراوح بين الهدوء الحذر والتوتر..

لقد وصلت علاقتي بالدكتور طالب لحظة ذهبية، فتح لي قلبه، وكان يحدثني عن رأيه في الفاعلين الذين اشتغل معهم وإلى جنبهم بدون خلفيات.. حدّثني عن بومدين والشاذلي وبوتفليقة وخالد نزار والجنرال بن يلس والشّريف بلقاسم وعباسي مدني وبلحاج ومدني مزراق والعربي بلخير والشّريف مساعدية وغيرهم.. كان يعتقد أنني أصبحت من مريديه، وكان يكفي أن يكتشف أنني لا أقاسمه ذات الشعور الذي كونه تجاهي حتى أصيب بخيبة نحوي، لم يعبر عنها بالكلمات بل بالصمت وتجنب تكرار لقاءاتنا بحميمية.

أذكر آنني لما طرحت عليه في أحد لقاءات الصّحافة على المباشر بالتلفزيون الجزائري عام 1999 سؤالا يتعلّق إذا ما كانت زوجته ترتدي الحجاب أم لا! وقد آجابني بأنها لاترتدي الحجاب، أصيب بصدمة وغضب حاولا إخفاءه عبثا. كانت تلك المناسبة تتمثل في ترشحه إلى سباق الرئاسيات وكان يُراهن على أصوات الإسلاميين القريبين من جبهة حزب الإنقاذ، وكان الوعاء الانتخابي في تلك الفترة المحسوب على جبهة الانقاذ هو ما يراهن عليه الدكتور الابراهيمي، خاصة وأنه كان يحظى بصورة محترمة عند قواعد الاسلاميين، فهو ابن الشيخ البشير الابراهيمي، والرجل الذي رشّحه عباسي في تفاوضه مع السلطة كرئيس للحكومة، وكان الإبراهيمي يدرك أنني أعرف أن حرمه لاترتدي الحجاب وصعب عليه أن لا يقول الحقيقة على المباشر. لقد شعر أنني خنته..

هل ندمت على فعلتك آنذاك؟! 

لست نادمًا على طرحي السّؤال عليه بتلك الصّورة. كان ذلك دوري. وإخفائي للسّؤال هو خيانة لمهنتي.. كان علي أن أخون إما العلاقة التي بيني وبينه وإما مهنتي فاخترت خيانة العلاقة التي تجعلني قادرا على مواصلة مهنتي وكنت لحظتها أعرف أنني أخسر رجلا تعلّمت منه أشياء مهمة أفادتني في فهمي للحكم ورجاله من الداخل،لقد تعلّمت من الدكتور طالب كيف يصنع القرار السّياسي في الدوائر المغلقة للحكم.

إن ما تعلمته من رفقة طالب الإبراهيمي من 1993 إلى 1999، أن السياسي الجزائري الذي مارس الحكم منذ بداية شبابه لا يعترف في أعماقه بما يمكن تسميته بالجيل البديل. لم يتمكن من التخلّص من عقدة الأبوة ويعتقد أنه الأقدر وحده على إدارة البلاد والشأن العام..

إن هذا الجيل رغم إعلانه العصيان على مصالي الحاج باسم الخروج على الزعامة واعتناق مبدأ القيادة الجماعية لم يتمكن في نهاية المطاف من تجاوز الأب، ودفن المصالية إلى الأبد، بل ظلّ مصالي يسكنهم حتى النّخاع، يقود خطواتهم ويشكل ذهنياتهم ويصوغ أفكارهم ويحدد سلوكاتهم في الحكم وممارسته. لقد ورثوا عن أبيهم مصالي الحاج استخفافهم واحتقارهم للمثقّف النّقدي، وتبجيلهم للشّعبوية، بالتالي حبّهم وتقديسهم لأنفسهم، ومن هنا نجد تشابها عجيبا بين شخصيات تبدو لنا متنافرة في السلطة والمعارضة الجزائرية، من هذا الجيل الذي صنع حاضر الجزائر اليوم ولازال يصنع مستقبلها المشرف على الانهيار في حفرة لا يعلم سوى الله مدى عمقها والجحيم المنبعث منها..

يتبع..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الكتابة لحظة وعي أم وظيفة أيديولوجية؟

سؤال افتتح به الكاتب الرّاحل محمد بوشحيط(1943-1996) كتابه الأوّل، الذي صدر عن المؤسسة الوطنية للكتاب(1987)، …

فنلندي في الجزائر أو الحبّ الجيوسياسي

حاوره: أمزيان فرحاني. ت: جلال الدين سماعن التقينا أوسمو بيكونن بالمكتبة الوطنية يوم الإثنين 28 …