السبت، 6 مارس 2021

حبيبة العلوي تكتب: بريوات إلى المغرب..!

حبيبة العلوي

أمّا هذه فـ”بريّة”* إليك..

لا يبدو ترك كلّ تشكيلات المطبخ المغربي والكتابة عن “البريوات” مندرجًا في باب المنطق.. ولا حتّى في باب الذوق “العام” ولا اللباقة..

غير أنّني لطالما اعتقدت أنّ للعشّاق منطقًا مغايرًا عن العامّة.. وسننًا شاذة عن سنن وشرائع القوم..

في آخر يوم لي في المغرب.. أهديتني قطعة بريوات حارّة.. وعلّمتني كيف يؤكل الطاجين المغربي برؤوس الأصابع.. دونما حرج.. ودونما حاجة لحواجز بروتوكوليّة باردة..

كانت النّساء تفترشن ذلك الطّريق المؤدّي إلى المدينة القديمة بـ “كازا”.. تلك العاصمة التي تمرّ عليها اضطرارًا.. بعد أن تخطفك العواصم المغربيّة العتيقة.. العتيدة..

“كنّ يسمّونك بريوات”.. قبلها بقليل قلت لي.. ثم سحبت قطعة البريوات من تحت إحدى المناديل الملوّنة.. التي كانت تستر الأكلات الخفيفة التي تعرضها تلك النّساء المنهكات في قفف ليفيّة.. لا أعرف كيف كنّ يتحيّلن للحفاظ على حرارتها اللافحة..

أمسكت بها جيّدا واستدرت بكلّك إليّ وقلت:

“هذه هي البريوات.. ذوقي.. ”

* * *

لم تكن الدّهشة متعلّقة بفذاحة المذاق ولا بغرائبيّة الشكل.. فليست البريوات بشكلها الظّرفي المثّلث ولونها الذهبي بالبعيدة عن البوراك الجزائري أو الصمصا..

كان للأمر ربّما.. علاقة بغصّة السّاعات الأخيرة قبيل الرّحيل..

كان لخلطة الفيرميسيل (الفداوش أو الشعيريّة) بالجبن الذّائب في الطّماطم المتبّلة نكهة ممزوجة بحرج اللحظة.. عندما أردت أن تعرّفيني على وجهك الآخر.. الممسوح من متعلّقات الكذب السياحي اللابدّ منه..

لا أحبّ الأخلاق السياحيّة.. لطالما ردّدت ذلك مفتخرة أنّ للجزائري طبع بعيد عنها بحكم خطأ استراتيجي فقط في التربية.. غير أنّي تعوّدت على تحمّل شروط هذه الأخلاق كعقد سياحي لابدّ منه إذا ما أردتَ أن تستمتع بالرحلة.. بأي ّ رحلة..

لا أعرف إلى أي مدى مارست عليّ ذلك النّوع من الكذب الذي يسمّي شطارة..

لكنّي مازلت عالقة.. أعترف.. بذلك الكمّ من الصّدق الذي لم تستطيعي كبته في اللحظات الأخيرة..

تشبه النهايات البدايات في حرجها..

لا أعرف كيف يمكن أن يتحمّل زائر للمغرب الدار البيضاء بعد أن يمرّ بمرّاكش.. تلك الدّار الحمراء التي تغرقك في حرارة الشّوق.. والشّعر.. والعشق..

غير أنّي عرفت كيف أتحمّل البياض بعد وهج مراكش وأسرها.. تعلّمت كيف أداول مزاجي على أمزجة المدن.. وفي كازا ستلتقي بمزاج مغربي آخر.. أكثر قساحة وأقل راحة..

مزاج تفرضه الأرصفة النهاريّة المهملة.. والشوارع الليليّة المريبة.. غير أنّ لكلّ مدينة في المغرب جانبها المقدّس..

وقد حدث أن تعثّرت بهذا الهامش عندما مررت غير قاصدة بمقام “بليوط”، وليّ المدينة الذي قيل أنّه كان يجيد ترويض الليوث فسمي تخفّفا “بليوث” إلى أن صارت “الثاء” إلى “طاء” بحكم قساوة انصراف الزمن..

تمامًا كما تعثّرت بصدقك الممزوج باعتذار صريح عن الكذب.. مفضوح في تفاصيل انحناءة العينين لدى كلّ لقاء صريح بيننا..

حديقة ماجوريل

ونحن بالمطعم الشّعبي المحاذي لباب مرّاكش بالبيضاء.. كنت تغمسّين أصابع الفرح في طبق الطاجين اللاسع.. وتتذكّرين قعدتنا الأرستقراطيّة بحديقة ماجوريل بمرّاكش** حيث صفّق لك أحد المغاربة الجالسين إلى طبق طاجين آخر عندما لمحك تأكلين الطاجين على الطريقة المغربيّة.. دونما عقد..

أحببت مرّاكش كثيرا أنت “الكازويّة” المنهكة بالصّخب.. وأحببتُ مرّاكش لأكثر من سبب.. غير أنّ أكلة الطاجين الرخيصة بذلك المطعم الشّعبي بالبيضاء وسط ثرثرة النسوة المرهقات من التبضّع من السوق المحاذي وهرج  الرجال المنحدرين من أكثر من تعب.. لا يمكن أن تقارن.. بقعدة رضيّة بمراكش..

.. كان لها سحرها الخالص.. تلك القعدة البسيطة.. المعجونة بالندم..

“كنّ يسمونك بريوات”..

صديقاتك اللواتي زاولت معهن دروس الطبخ المغربي.. قلت لي قبلها..

هذه بريوات.. ذوقي.. !

أنّك تعهّدت قبيل ذلك الامتحان الفصلي أن تتكفّلي عنهن بتحضير طبق البريوات.. على أن تتكفّلن هنّ ببقيّة الأصناف المطلوبة الأكثر تعقيدًا بمراحل.. أكملت تجهيز الكميّة المفروضة بالبيت.. غير أنّ جوعًا ما.. أو نهمًا ما..  أو سفها ما.. بعد منتصف ليل جعلك تتردّدين على قطع البريوات واحدة واحدة إلى أن صحوت على.. صينيّة فارغة..

مقلب طريف كلّفك  التصاقا حتميّا بهذا الاسم..

“بريوات”..!

“بريوات”..!

لا أعرف مدى فداحة أن تنسب لأكلة بسيطة وشهيّة.. ولا أعرف حقّا مدى علاقة مفردة “بريوات” المغربيّة.. بمفردة “بريــيّات” الجزائريّة.. غير أنّي مازلت أعتقد أن ثمّة علاقة شكليّة ما.. أو لسانيّة ما.. أو حميميّة ما.. بين مفردة بريّة بالجزائري و”بريوات” بالمغربي..

لأجل كلّ هذه الالتباسات العاطفيّة.. كانت هذه..  بريّـتي إليك..

الجزائر، في 05 ماي 2017

 

* والبريّة بالجزائريّة “الرّسالة”.. حتى أنّه يردّد في أغلب أغاني الراي هذه الجملة: “لا بريّة لا تليفون”..!

** تسمى حديقة ماجوريل نسبة لاسم بانيها الرّسام الفرنسي جاك ماجوريل (Jacques Majorelle)، الذي شرع في بنائها سنة 1929، تتميّز بلونها الأزرق الكثيف المشّع الذي أبدعه ماجوريل ليصبغ به فيلا الحديقة، افتتحها للجمهور سنة 1947، ومن يومها صرنا نسمّي هذه الدرجة من اللون الأزرق: “أزرق ماجوريل” نسبة لهذا الفنّان وحديقته.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آرثر رامبو : المثلية ظاهرة شعرية

بثينة سرمدة   الشاعر الفرنسي المعروف آرثر رامبو (1854 – 1891) لم يكن مثليا, كتب الكثير …

هادي يحمد

هادي يحمد: لا يمكن تأسيس ديمقراطيّة دون العلمانيّة

حاوره: العائش تركي اشتهر هادي يحمد بكتابه “كُنت في الرّقة.. هارب من الدّولة الإسلامية” وصدر …