الثلاثاء، 20 أغسطس 2019

هنري ميشو: أكتب لك من بلاد بعيدة

هنري ميشو

هنري ميشو (1899-1984)، كاتب وشاعر فرنسي، من أصول بلجيكية. عُرف ميشو بكتابات عن أسفاره وعن تجربته مع المخدرات، وبتجربته – الموازية – في الفنّ التّشكيلي. كان يهرب من الكتابة إلى الرّسم. من أهمّ أعمال ميشو.. نذكر: “بربري في آسيا”(1933) و”في بلاد السّحر”(1941).

*

ليس لدينا هنا سوى شمس واحدة في الشّهر، هكذا قالت له. نفركُ أعيننا أياماً قبل ذلك. لكن من دون جدوى. مناخ قاسٍ. وشمس لا تصل قبل أوانها.

ثم عندنا عالم كامل من الأمور للقيام بها، بما أنّ هنالك ضوء، حتى لا يعود لنا إلا وقت قليل لنرى بعضنا البعض.

الشّيء الذي يُضايقنا في الليل، هو أنه عندما يجب العمل، ويجب فعلا: يولد أقزام بشكل مستمر.

*

عندما نسير في الجبل، أسرّت له مرّة أخرى، يحدث أن نُصادف على الطريق كتلا هائلة. تلك هي الجبال ويجب عاجلاً أو آجلاً أن نبدأ في ثني ركبنا. المقاومة لا تنفع في شيء، لا نستطيع أبدا التقدّم، حتى ونحن نؤلم أنفسنا.

أنا لا أقول هذا لأجرحك. يمكنني قول أشياء أخرى إذا أردت فعلا أن أجرح.

*

الفجر رمادي هنا، قالت له. لم يكن هكذا دائماً. لسنا نعرف من نتّهم.

في الليل تُطلق الأغنام خُواراً عالياً، طويلاً ومُنغّماً لتنتهي، نتعاطف معها، لكن ما الذي يمكننا فعله؟

رائحة الكاليتوس تُحيط بنا: النّفع والسكينة، لكنها لا تستطيع أن تحمي من كلّ شيء، أم تظنّ أنّها فعلا تستطيع أن تحمي من كل شيء.

*

سأقول لك كلمة أخرى… سؤالاً بالأحرى.

هل تسيل المياه في بلادك أيضاُ؟ (لا أتذكر إذا ما كنت قد أخبرتني) وهل تُعطي قشعريرة أيضاً، إذا ما كانت هي طبعاً.

هل أحبّها؟ لست أدري. نشعر أننا وحيدون جداً بداخلها إذا ما كانت باردة. شيء آخر تماماً لما تكون ساخنة. إذا؟ كيف نحكم؟ كيف تحكمون على بعضكم البعض، قل لي، عندما تتكلّمون عنها من دون قناع، بقلب مفتوح؟

*

أكتب لك من الطرف الآخر للعالم. يجب أن تعرف. غالباً ما ترتعش الأشجار. نجمع الأوراق. بها عدد مهول من التعرّقات. بماذا ستنفع؟ لم يعُد شيء بينها وبين الشجرة، ونتبعثر ونحن منزعجات.

ألا يمكن للحياة أن تتواصل من دون رياح؟ أم يجب على كلّ شيء أن يرتعش، دائماً، دائماً؟

هنالك أيضاَ همهمات تنبعث من تحت الأرض، وفي المنزل تنتصب أمامك نوبات غضب، كأنّها مخلوقات صارمة تريد أن تنتزع منك إعترافات.

لا نرى شيئاً، إلا القليل الذي تجب رؤيته. لا شيء، ونرتعش خلال هذا. لماذا؟

*

هنالك دائما أسودٌ في القرية، تقول له مرّة أخرى، أسودٌ تتجوّل من دون أدنى ضيق. وبما أننا لا ننتبه لها، لا تنتبه هي لنا.

لكن ما أن يروا فتاة تركض أمامهم، لن يعذروا اضطرابها. لا! سيلتهمونها بسرعة.

لذلك يتجوّلون في القرى التي لا يفعلون فيها شيئا، لأنّهم سيتثاءبون جيداً في أماكن أخرى، أليس كذلك؟!

ترجمة: صلاح باديس

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …