السبت، 6 مارس 2021

القراءة صارت تهمة.. وكلّ رؤساء الجزائر ينبذون الكتاب

احميدة عياشي: إن لحظة النصّ المقدّس(القرآن)انبثقت من القراءة

القراءة هي مرادف للحياة، أو هكذا يعتقد احميدة عياشي.. في هذا الجزء الثّاني، من الحوار – الشّهادة، يتحدّث عياشي عن تجربته مع القراءة، عن تحوّلات سوق الكتاب، في الجزائر، وعن الهجمة السّياسية التي تعرضّت لها النّخبة المثقّقة، في البلد، مباشرة بعد الاستقلال..

أنت قارئ نهم قبل أن تكون كاتبا. تقرأ باللغتين، العربية والفرنسية. يبدو أن وظيفة القارئ تكاد تكون نادرة في الجزائر وفي العالم العربي..

لا أتصوّر كتابة أصيلة دون قراءة. القراءة هي شكل آخر من أشكال الإبداع. هي كتابة أخرى للمكتوب، نقيمها في مملكة متخّيلنا. هي مُساءلة لذواتنا من خلال مُساءلة الآخر في وعبر نصّه المُقترح. هي توليد ما بداخلنا لحظة التّلاقح مع الآخر.

الكتابة دون قراءة هي تحليق في الفراغ المطلق حيث لا أرض نحط عليها بعد الطّيران. إن لحظة النصّ المقدّس(القرآن)انبثقت من القراءة. القراءة كانت لحظة البدء الحقيقية. لحظة المغامرة الوجودية للوحي. لحظة التّجلّي في فعل محمد(ص) وهو يتلقّى الوحي ليصبح قراءة في نصّ الفضاء الرّوحي الفردي والجماعي والاجتماعي.

لم تأت كتابة النصّ المقروء إلا بعد لحظة الوحي/القراءة. وكان لقاء الأول بالقراءة لحظة ميلاد فعلية بالنسبة إلي.

رغم أنك وُلدت وكبرت في مجتمع شفوي بامتياز..

فتحت عيني في مجتمع شفوي. يقدّس الكلام على المكتوب. وعندما أدخلني والدي محمد إلى الجامع، عند سيدي  سيد أحمد، نشأت علاقتي الحميمة مع اللوحة والصلصال لمحو اللوحة وكتابة الآية الأولى بالقلم المغمّس في “الدْواية”(سمق) للقراءة/التّلاوة. كانت القراءة على اللوحة البيضاء الموشّمة بالمداد المعطّر بالسمق هي مصدر حبّي للقراءة/اللوحة وللقراءة/الكتاب. كانت القراءة تمنحني الحقّ في الحلم وأنا في قمّة عزلتي.

أن تحلم وأنت تلتهم السّطور والكلمات، وتحلق مع الأطياف التي تنبثق من صفحات الكتاب، الذي لا يمكن أن تنسى روائحه التي تسكن في أغوار كيانك وحياتك الحميمة السرية. حياة تتركك محتفظا بكل تلك الصّور الأولى وأنت تكتشف تلك الخلوقات الحروفية، من جان فالجان وكوزيت ومن متشرّدي “بؤساء” فيكتور هيغو، وقاسم وخديجة وشخوص “المعذبون في الأرض” لطه حسين وسارة عباس محمود العقاد وعواصف جبران وأزقة نجيب محفوظ وصعلكة هنري ميللر وشياطين إدغار آلان بو وألباتروس شارل بودلير والمغامرات المثلية لرامبو/فارلين.

القراءة تُلبي تلك الشّراهة في رغبة نكاح الحياة بحبّ وعنف وجموح. رغبة تفتح أمامك الأبواب لاعتناق حيوات ذات تعدّد لا يحصى، تعدّد مفتوح وخصب. القراءة هي حبّ، فنّ وعلم بالمعنى الحرفي والتّقني الذي تكتسبه مع الوقت والتعلّم المستمر: كيف تقرأ، وفي يدك قلم وتحت تصرّفك دفتر أوبطاقة! القراءة هي كذلك البذل الطّوعي للجهد في سبيل إشباع حاجة العقل والقلب معا. تجعل منك امرءًا جادًا، تفّكر بشكل مغاير ويقظ، تحلم بصورة خلاقة وولادة، واقعية، تعلّمك القراءة الاستيعاب بسرعة والقدرة على التكيّف مع القراءة التي تحوّلها من هواية إلى حرفة إلى متعة دائمة تمارسها قبل النوم وبعد النوم، في البيت وفي الشّارع، في المقهى أو البار وفي القطار أو المترو وفي  المسجد وقاعة المسرح أو السينما، في الطّائرة وفي لحظة الاسترخاء، في المستشفى لو كنت مريضًا وفي محافظة الشرطة عندما يُتاح لك ذلك وأنت في انتطار الاستجواب.

هذا الشّغف بالقراءة مايزال مستمراً؟!

هذا الهوس الذي كنت استمتع به وأنا تلميذ وطالب في الجامعة وصحافي، سرعان ما لاحظت ضموره مع الوقت، خاصة بعد انبثاق التعددية، فسرعان ما أصبحت القراءة تتوارى وراء الضّجيج الذي أصبح السّمة الرّئيسة للحياة العامّة في الجزائر، مع تكاثر العناوين الصّحافية وتطوّر الوسائل الحديثة في مجال الاتصال والإعلام.

طغت الشفوية الجديدة وسيطرت الثّقافة الكسولة اللاجئة إلى الإنترنت، في ظلّ هيمنة ثقافة الخمول والثرثرة والإدعاء والتسربل بالألقاب والأزياء الخادعة.

لقد اختفى القارئ فجأة وظهر المفسرّون “الميديائيون” المتخفّون وراء أنوار وسائل الاتصال الجديدة المُخبئة باتقان لضحالتهم الفكرية وبؤسهم الثقافي، وافتقادهم لثروة الكتاب.

عاد الكاتب لا يقرأ، والنّاقد المفسّر في عجلة من أمره لا يجلس إلى كتاب ويقرأه بعمق وحرفية، عادت التلخيصات المنتشرة هنا وهناك، في موقع ما زادًا كافيا ليعيد صياغتها ناقد في صحيفة ومعلّق في فضائية.

نحن اليوم إذا ما رغبنا في الخروج من هذه الدوّامة العقيمة من السّطحية وثقافة القشور مطالبون بإعادة الاعتبار إلى القراءة، والاحتفاء بها كممارسة يومية نتحرّر بها ومن خلالها ونحرّر بها كلّ من بات عبدًا لعقيدة الخلاصات الجديدة، التي أصبحت توفّرها المواقع الاكترونية، وهي شبيهة بعقيدة الخلاصات التي ازدهرت في عصر الانحطاط الإسلامي. زمن الهوامش والتذييلات والحواشي.

يقال عنا أننا أمّة اقرأ، يعتز الكثير منا بذلك، لكننا في الحقيقة أمّة تكره القراءة، مناوئة للكتاب ومحاربة للقراء. هل تعلمون أن النّبي محمد (ص) برغم أنه كان لا يقرأ ولا يكتب مثلما تقول الرواية الرسمية، كان نبي القراءة. تأمّلوا البنية الحرفية للقرآن لها علاقة بالبنية اللغوية والموسيقية للقراءة، تجاور الألف مع اللام والقاف والهمزة في ألفة حميمة.

إن محمد (ص) نبي قراءة بامتياز. كانت القراء في عهده يشكلّون فئة خاصّة تحظى برعايته وإهتمامه ومتابعته وحمايته لأنهم كانوا يمثّلون رأس الأمّة المنبثقة من الكتاب/الرسالة.

لقد كان للقرّاء، مرتّلو ومفسرو القرآن وحفّاظه مكانة خاصة تميّزهم عن باقي الصّحابة والمؤمنين والمسلمين، مكانة أشبه بالأرستقراطية المعرفية والروحية، هؤلاء القرّاء هم من صانوا ذاكرة الوحي وأعادوا صياغة سيرة الإسلام، شكلوا القاعدة الأساسية للإسلامات في مسار المجتمعات الإسلامية طيلة القرون التي شكّلت الثّقافة والوعي الإسلاميين، فإسلام المرجئة وإسلام الخوارج وإسلام السّنة والإسلام المعتزلة والإسلام الصّوفي والإسلام السلفو/حنبلي/وهابي كانت لحظة انبثاقاتهم من القراءة كفعل وممارسة، كان أول ما قامت به الرأسمالية ذات الطراز الكولونيالي الراديكالي عندما غزت الجزائر وقامت باحتلالها تخريب البنية التحتية للثّقافة واستئصال القراءة، وكانت الحرب على المدرسة أعنف وأشنع من الحرب على  الأرض والانتزاع القسري للأرض.

يقال عنا أننا أمّة اقرأ، لكننا أمّة تكره القراءة

هذا تاريخ لم يُكتب بعد؟ أو تغاضى عنه المؤرخون؟

نعم، لم يُكتب بعد، ومن هنا تأخذ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قيمتها النّضالية، لا لأنها جمعية طالبت بالاستقلال، فهي لم تُطالب بالاستقلال ولا بالحرية السياسية، لكن طالبت بالمدرسة الحرّة، بالجريدة الستقلّة المنفصلة عن الإدارة الكولونيالية، وكان إطار ذلك التّعليم الحرّ.

من هنا يمكننا تأويل نضال الجمعية في حركية النشاط الوطني، فالنخبة التي قادت جمعية العلماء كحركة من أجل إصلاح العقيدة وإصلاح الثقافة وتخليص العقل من الخرافة قامت على النصّ، على المكتوب، على تعويض قداسة شيخ الطريقة بقداسة الكتاب، ومن هنا أخذت في تلك الفترة عند الذين لا يقرأون أو المحرومين من القراءة اللغة العربية قدسيتها التي أصبحت مرادفا لقدسية القرآن.

عندما استقلّت الجزائر، استولى أهل السّلاح والقوة على أهل الكتاب، وخسر القراء معركتهم في السّنوات الأولى من الاستقلال.

تحوّلت القراءة إلى تهمة، ومصدر إزعاج لرموز السّلطة الجديدة، من تاريخيين، بيروقراطيين وشرعويين وعساكر. ارتبط القراء في مخيال السّلطة والمجتمع، الذي بات رهينة بين أيدي الحكّام، بالكائنات الغريبة، المشكوك في ولائها، والمنتمية إلى عوالم غير واقعية وحقيقية. اتخذت مع الوقت طابع الاستهزاء والسخرية والخوف والارتياب عند صنّاع القرار، وانتقل ذلك إلى القرّاء أنفسهم، حيث باتوا يرتابون في أنفسهم ويبحثون عن حماية لدى نابذيهم من صنّاع القرار، وتسابقوا لعرض خدماتهم للقيام بالوكالة عن السّلطة في التنكيل بالقراء المنتجين، أي المثقفين المنتجين للمعرفة والمعنى، فتطوعوا بحماسة للقيام بهذه المهمات المخجلة، منها تشويه سمعة المثقفين النقديين الذين لم ينضووا تحت رعاية السلطة، وتعريضهم للتجويع والنّفي الذاتي والمطاردة. حتى عاد التّباهي بالجهل مفخرة كلّ مسؤول.

من هنا، لم تكن عملية تخريب المدرسة بريئة، لا يرجع انحطاطها إلى سياسة التّعريب، بل إلى سياسة السّلطة في سعيها إلى فرض الهيمنة، وترسيخ ثقافة الطّاعة والعبودية الطّوعية.

كلّ الرؤساء الذين حكموا الجزائر، هم حكّام مُعادون للقراءة وللكتاب والمثقفين، حتى بومدين الذي رافع من أجل تعليم مجاني وديموقراطي كان جدّ مُرتاب من المثقفين، كان يريد مثقفًا تقنيًا في خدمة سياسة السّلطة/الدولة/الحاكم.

أمّا الشاذلي بن جديد الذي كان لا يقرأ، فلقد سعى إلى خلق مصالحة بينه وبين القارئ/المثقّف ضمن المصالحة التي كان يريد ممارستها وعقدها بين الجزائري والسّلطة إلا أن هذه المصالحة أختزلت عنده بين السّلطة ورجل الدّين، فتح الباب على مصراعيه أمام الأيديولوجيا الدّينية لتكون هي المرشدة للمجتمع، والرّاية التي حاولت السّلطة رفعها بديلا للأيديولوجية الاشتراكية التي سبق وأن عاشت لحظاتها الذّهبية في حقبتي الرئيسين السّابقين أحمد بن بلة وهواري بومدين.

دشنت حقبة بن جديد الأيديولوجية بتنصيب الشّيخ المصري، الإخواني المشرب محمد الغزالي، المرشد الرّوحي للشاذلي بن جديد على الصّعيد الرمزي، فأوكلت له مهمة رئاسة المجلس العلمي لجامعة قسنطينة للعلوم الشرعية و”درس الإثنين” في التلفزيون الرّسمي الجزائري الذي كان يتوجّه به الغزالي للمجتمع بكل فئاته ليتحقق مشروع إعادة أسلمة المجتمع الجزائري العزيز على قلب دعاة الأيديولوجيا الإخوانية.

وفي ظلّ هذه الإستراتيجية تحوّل الكتاب الديني بنسخته الإخوانية إلى المرجع الأساسي للقراءة الشّعبية المثالية، فغرقت السّوق ومكتبات المدارس والمساجد بكتب مؤسسي ورموز المدرسة الإخوانية. يمكن ذكر كتب مؤسس الإخوان المسلمين حسن البنا، سيد سابق، سيد قطب، محمد قطب، سعيد حوى، حسن الندوي، أبو الأعلى المودودي، فتحي يكن، أنور الجندي، يوسف القرضاوي، عبد القادر عودة، محمد رمضان البوطي.. لتتسع رقعة هذه المرجعية مع التّحالف الذي عقدته حركة الإخوان مع الوهابية في الحقبة السّعودية المتزامنة مع رحيل الكثير من رموز الإخوان إلى السعودية، بعد خروجهم من السجون المصرية، ليغزو السوق الكتاب الّسلفي الذي دخل في معركة شرسة بالتعاون مع الكتاب الإخواني ضد ما كان يُصنف بالكتاب العلماني واليساري والتغريبي.

انتشرت أسماء مثل الألباني، أبو بكر الجزائري والعثيمين وأدبيات السروريين وغيرها من الأدبيات القائمة على عقيدة التّحريم والتكفير، وكانت الجامعة هي معقل الحرب الجديدة ضدّ الكتاب وانطلقت الدعوات لحرق كتاب حسين مروة “النّزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” وحملة التطهير الأيديولوجي ضدّ روايات “تاريخ الاسلام” لجورجي زيدان، التي كانت تشكّل المكتبة المدرسية لجيل بكامله من الطلبة، وروايات نجيب محفوظ، انتهاءً بمسرحيات كاتب ياسين وروايات رشيد بوجدرة.

هذا جزء من سيرة الكتاب في بلادي ولا بدّ أن نكتب يوما إذا ما أردنا فهم ما يحدث اليوم للكتاب والمدرسة والقراءة والثقافة، إن الشرّ الذي نعاني منه اليوم في الجزائر وما تبقى من العالم العربي له جذوره الضّاربة في الذاكرة وفي التّاريخ غير المكتوب فصوله بوضوح وعقلانية.

إن للدّاء المستشري اليوم أصل، وعلينا الحفر من أجل استئصال هذا المرض الذي يزداد انتشارا، وعدوى وخطورة مع مرور الوقت، فداعش هي نتيجة تخريب العقل القارئ وليس العكس، واستمرار الاستبداد والاستسلام له هما نتيجة غياب الكتاب في حياتنا المادية والروحية وتغييب القارئ، إن استرجاع الحريّة يبدأ من إعادة امتلاكنا للكتاب وانبعاث القارئ في حياتنا اليومية.

توظّف الصّحافة في الأدب والأدب في الصّحافة. كيف استفدت من التجربتين؟ وهل – فعلاً – توجد حدود بين الصّحافة والأدب؟

تعلّمت من حياتي في الصّحافة والأدب أن بينهما علاقة نسب خفيّة وتجاور حميم بينهما، وفّر لهما هذا الفيض من التّعايش الجميل والخلاّق المبني على التّبادل والتعاون والمحبّة والاحترام المثمرين.

علاقة حياة متجدّدة وخصبة، انبنت على التّلاقح الدّائم والولادة الحيّة. لقد خرجت الصّحافة من معطف الأدب واكتسب الأدب حياة جديدة ومُضاعفة من نبع الصّحافة، كلما حان وقت وفاة أحدهما جاء الثّاني ليمنحه لحظة الانبعاث والتجدّد والحياة من جديد.

لقد تحرّر الأدب من لغة السّماء ونزل إلى الأرض ليمتزج مع نباتها وحيوات كائناتها.. مع بلزاك وإيميل زولا وغوغول وفلوبير ودوستويفسكي وغوركي وتولستوي وفيكتور هيغو وهنري جيمس وفولكنر وجويس وشتاينبك وهيمنغواي ودوس باسوس.. ويسكن لحظة العصر ليحوّله إلى نثر يومي، نلمسه، نستنشق روائحه ونحسّ مشاعره وآلامه وجراحاته.

لم نعد فقط نسرح مع بيان عباراته وجمالية صوره البلاغية، بل نستعيد حياتنا اليومية، الظاهرية والباطنية من خلال بصرية لغته، وحياته الضّاجة بالأحداث الأليفة والوقائع اليومية العميقة، مثل الحروب والصّراعات والتّضحيات في سبيل تحقّق إنسانية الإنسان.

تولستوي

لو أعدنا قراءة “الحرب والسّلم” لتولتسوي لاكتشفنا كيف تبدّلت لغة الأدب باقترابها من الأرض والإنسان في سعيه لمواجهة الجحيم الإنساني ورغبته العميقة الجامحة في إنجاز الفردوس الأرضي. ولو اقتربنا من جديد من “الكوميديا الإنسانية” لبلزاك لاكتشفنا المنبع الملهم للصّحافة التي وُلدت من ضلع الأدب وسيتجلّى ذلك كذلك مع إيميل زولا في “جرمينال” وفي الروايات الخالدة التي روت لنا القدر الإنساني في الحربين الكونيتين وفي الحرب الأهلية الإسبانية، مع هيمنغواي في “لمن تدق الأجراس” وفي “الأمل” لأندري مالرو.

سيتجلّى ذلك بصورة رهيبة ومذهلة في ثلاثية دوس باسوس “يو أس. أي”، وفي روايته العظيمة “مانهاتن ترانسفير” لنكتشف أهوال الحرب وسخريتها وفظاعة الحماقة الإنسانية وأهوال الرأسمالية المنتجة للحروب وذلك الهوس المسمّى بعبادة المال والربح، بل نكتشف انتقال لغة الصّحافة وأساليبها إلى الأدب، حيث تتخلّص اللغة الأدبية من كبريائها وتنزل من برجها اللغوي إلى عوالم لغة الهارلم، والشّوارع المظلمة المليئة ببلاغة جديدة تميّزها البذاءة الجارحة والقاسية التي تعكس الوجه المتوحّش للرأسمالية الاحتكارية المتوحش.

من هذه البيئة التي أزالت الجدار العازل بين لغتي الأدب والصّحافة وبين عالميهما الافتراضيين وُلد أديب متمرّد على اللغة والأخلاق والثقافة البورجوازية الأمريكية جعل من الصّحافة أدبًا ومن الأدب صحافة، إنه هنري ميللر، الذي خدش الحياء الأميركي المسيحي الأبيض، وبال بالكلمات على قداسة الأدب وجرّ الصّحافة أو لنقل لغتها المبتذلة إلى عرين الأدب ليخلق من هذه الهجانة لغة عصرنا التي ترفض الاستكانة والإذعان لكلّ ماهو مُزيف ومنتج للاستلاب..

دافعت الصّحافة عن حريتها وانفصالها وراحت مع الوقت تستولي على مناطقها الخاصة بها محققة استقلالها النّسبي أحيانًا والكبير أحيانا أخرى لكن دون أن يحدث بينهما الطّلاق والانفصال والعداوة التي تنجر عنها حروبا رعناء، عقيمة وغير منتجة أو ذات انتاجية مضادة، فالروبرتاج الذي جعل من الصّحافة سيدة في المجتمعات الفاضلة، انحدر من الرّواية والكتابة الأدبية، ومنح للصّحافة وقارها وجاذبيته وحرمتها وهيبتها، مدّها بالخيال والعبارة الشعرية وبجاذبية الأسلوب القائم على الوصف ورسم الملامح والخطوط.

ألبير لوندر الذي أسّس فنّ الروبرتاج أستعار من الأدب أحد أعظم روبرتاجاته، عندما كتب “دانتي لم ير شيئا”. لقد عاد إلى الكوميديا الإلهية ليحدّثنا عن الوضع غير الإنساني للسّجون في المستعمرات الفرنسية، ومقالات الروائي، مؤسس التيار الطبيعي في الأدب إيميل زولا، صاحب الرواية الشهيرة “جرمينال”، أضفت على الصّحافة تلك المسحة الأدبية التي أرتقت بالمقالة /الكرونيكا إلى أسمى رتبة، مما جعل منها سلاحًا في محاربة الظّلم والدّفاع عن الحقيقة ووسيلة في الانخراط وفي النّضال الروحي والثقافي والسياسي في سبيل الحرية والقيم الانسانية، مما خلق ماعرف بالمثقف “الدروفيسي”، بدءًا بزولا وانتهاء بسارتر وبيير بورديو وإدوارد سعيد.

يتبع..

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عندما دافع كاتب ياسين عن الأمير عبد القادر وأشاد بفكره وجهاده

لم يكن الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين، يبلغ من العمر سوى 17 عاما، عندما قدم …

يوم زارت ايزابيل ايبرهارت عنابة، واعتنقت الإسلام

في شهر ماي من سنة 1897م، جاءت إيزابيل إيبرهارت إلى الجزائر، وعمرها لا يتجاوز العشرين …