الأربعاء، 26 فبراير 2020

طرائف المذكر والمؤنث والحيادي وما لا صفة له..

رشيد فيلالي

من الظّواهر اللغوية التي أُنجزت بشأنها بحوث كثيرة في الدّرس اللساني قديمًا وحديثًا، مسألة التّذكير والتأنيث أو ما يطلق عليه اليوم ضمن بعده اللغوي مصطلح “الجندر”(Gender).

ومع ذلك لم يتوصّل حتى الآن إلى وضع معايير منطقية يتمّ على ضوئها معرفة أو تحديد نوع الجنس في اللغات الإنسانية.

على اعتبار أن هذا التّحديد غير ممكن أصلاً لكونه وثيق الصّلة بثقافة الشّعوب على اختلاف دياناتها وفلكلورها وحتى عاداتها في التفكير.

وعليه فإننا في اللغة العربية – مثلا – نجد هناك ما يذكر في لهجة تميم ويؤنث في لهجة الحجاز.

سبق وأشرنا إليه في تناولنا للغز من الألغاز اللغوية، وهو ما يفسر وجود الصّفتين معًا في تحديد جنس عدد من الكلمات العربية، حيث يذكّر ويؤنّث معًا للسّبب المذكور آنفًا، أي بالنّظر إلى ما اصطلحت عليه اللهجتان المذكورتان التميمية والحجازية، وهما من أفصح اللهجات العربية مثلما هو معروف.

ولكن هناك من الكلمات ما يظلّ محل تجاذب كبير بين اللغويين، أفضى ولا يزال يفضي إلى تخريجات وتأويلات قد تقبل أو ترفض، حول عدد من الصيغ الشّاذة، ولاسيما تلك التي وردت في بعض آيات القرآن الكريم وحتى في الشّعر القديم (في عصر الاستشهاد) الأمر الذي يطرح علامة استفهام عن سبب ورود هذه الكلمات بتلك الصيغ متعدّدة الجنس!

على سبيل المثال، لنأخذ الآية: “إن رحمة الله قريب من المحسنين”(الأعراف). حيث يؤكد الباحثون أن هناك اثني عشر تأويلا لسبب تذكير كلمة الرّحمة في هذه الآية، وقيل في أبرز هذه التأويلات أن كلمة الرحمة تتضمن اسم المطر الذي هو مذكّر، ومع ذلك فإن صيغة تذكير الرحمة في سياق هذه الآية تظلّ مبهمة وصعبة التعليل أسلوبيا على الأقل.

وقد يقول قائل بأن هذا النوع من الصّيغ اللغوية الشاذة يقتصر استعماله فقط على اللغة العربية، وهذا غير صحيح البتة، حيث نجد مثل هذه الظواهر اللغوية الممثلة في استعمال التّذكير والتّأنيث معًا في صيغة تعبيرية واحدة، حتى في اللغات العالمية الكبرى على غرار الفرنسية.

وربما من أبرز الأمثلة في هذا الشّأن تلك التي تحدث عنها اللغوي الفرنسي المعروف بيرنار سركيغليني وتتعلق بجمع كلمة (gens) حيث تأتي صفة الجمع التي تسبق هذه الكلمة مؤنثة (de vieilles gens) أو(de bonnes gens) و تأتي صفة الجمع مذكرة إذا جاءت بعد الكلمة، مثل (des gens nombreux) أو (les gens sont bons).

وهناك عبارة طريفة جدًا في هذا المجال تأتي فيها الصّفة قبل و بعد كلمة (gens) مذكرة ومؤنثة معا وفي جملة واحدة، وهي (les vieilles gens sont frileux)، ويا لها من نكتة لغوية طريفة!

والجدير ذكره هنا، أن في اللغة العربية أيضًا، شأنها في ذلك شأن اللغات الأخرى، ما يُسمى بالمذكر والمؤنث المجازي، فتذكير القمر وتأنيث الشّمس لا يعود بالطّبع إلى خصائص ذاتية تميّزهما من هذه الناحية، فتجعل هذا مذكرا وهذا مؤنثا.

مثلا قولنا الوردة مؤنثة والقلم مذكر، فكل هذه الأشياء مؤنثة ومذكرة مجازيا فقط، ومن ثمّة لا يوجد سبب موضوعي مقنع وحاسم ومنطقي لإطلاق صفة التأنيث أو التذكير على الأشياء المحيطة بنا.

وأكبر دليل على ذلك أن في اللغات العالمية الأخرى نجد إطلاق هذين الصفتين وصفات أخرى (الحيادي وما يشبه صفة الخنثى!!) يتم اعتباطيا، حيث نجد ما يذكر في هذه اللغة يؤنث في أخرى وهكذا دواليك..

وقد ينصرف الذهن في هذا السّياق إلى اعتبار التذكير والتأنيث صفتين غالبتين في اللغات العالمية، وهذا في الحقيقة بعيد عن الواقع، حيث أن هناك لغاتا مثل الهندو أوروبية فعلا تقتصر على هذين الصفتين ولاسيما التي انبثقت عن اللاتينية الأم، مع أن هذه الأخيرة تملك ثلاثة أنواع من الجنس هي المذكر والمؤنث والحيادي.

لكن نجد لغاتا أخرى من نفس العائلة اللغوية مثل الرومانية لا تزال تحتفظ بهذا التصنيف الثلاثي في الجنس، على عكس أخواتها الباقيات من اللغات اللاتينية، مثل الفرنسية والإيطالية (أقرب لغة إلى اللاتينية) والإسبانية والبرتغالية إلخ..

على صعيد آخر، نجد الإنجليزية  لغة ذات خصائص متفرّدة في هذا المجال، حيث لا تستعمل أدوات تحديد الجنس اللهم إلا في نطاق ضيّق جدًا، والغريب في الأمر أن هناك لغات ليس لها “جندر خاص” مثل الفنلندية والهنغارية والباسكية والتركية.

فيما هناك لغات أخرى تمزج بين الجنسين المذكر والمؤنث معًا، مثل الدانمركية الفصحى والنرويجية الشرقية (البوكمال) وهناك لغات مثل اللاتينية والإغريقية لها ثلاثة أنواع من الجنس، ولاسيما أشهر اللغات السلافية وهي الروسية، البولونية والبلغارية، حيث تضيف الجنس الحيادي، والشّيء ذاته نجده في بعض اللغات الجرمانية مثل الألمانية والهولندية والنرويجية الجديدة(النينورسك)..

ولا بأس أن نختم هذه الوقفة بظاهرة طريفة أخرى تتميز بها اللغة الفرنسية ذكرها اللغوي الفرنسي سيباستيان جافريدو في كتابه حول الإيتيمولوجية، إذ يرى هذا الباحث اللغوي أن هناك كلمات كانت في عصور سابقة مذكرة ثم في القرن الراهن صارت مؤنثة أو العكس.

وأبرز مثال على ذلك كلمة النسر(Aigle) فهذه الكلمة أو التسمية التي تطلق على الطائر الجارح، كانت مؤنثة إلى غاية القرن السابع عشر، ثم صارت مذكرة الآن.

ومع ذلك فإن هناك بقايا استعمال صيغة التأنيث لهذه الكلمة في بعض الجمل المنقوشة على النصب التذكارية مثل (aigles romaines) أو (des aigles impériales) وقد حدث تقريبا التغيير نفسه لكلمة حب amour في القرن السابع عشر، والتي كانت في الأصل مؤنثة.

غير أنها صارت في صيغة المفرد مذكرة، لكن في الجمع تبقى مؤنثة!! وهذا ما ينطبق أيضا على كلمات أخرى تعد خنثى لغويا، مثل كلمتي المسرات وآلة الأرغن الموسيقية  Délices.. Orgues..فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …