الأحد، 16 يونيو 2019

الجنون والانتحار والمداواة بالأدب.. هكذا يكتب احميدة عياشي

احميدة عياشي

الجنون هبة ربانية.. كتب جيم فرغيس، في روايته الشّهيرة “ألف امرأة بيضاء”. الجنون قد يخفي عبقرية ما، أو يقود للشّعر، أو للانتحار. احميدة عيّاشي(1958-) اختبر الجنون، وهذا الجنون (الإبداعي) أنقذه من الانتحار، ورافقه في إتمام أولى رواياته: “ذاكرة الجنون والانتحار”(1985)، التي صدرت وهو بصدد تأدية الخدمة العسكرية(في وزارة الدّفاع). في الجزء الأوّل من هذا الحوار – الشّهادة، يحدّثنا عيّاشي عن بداياته الأدبية، عن تكوينه الثّقافي، عن أشخاص أثّروا فيه، وعن ظروف كتابة النّصوص الأولى، التي ستجعل من اسمه “طفرة” في السّرد الجزائري..

أكثر من ثلاثين سنة مرّت على صدور أول كتاب لك، رواية “ذاكرة الجنون والانتحار”(1985). واستمرت التّجربة مع كتب أخرى، في الأدب والسّياسة..

من كان يقول أننّي سأتحدّث عن هذه التّجربة بعد ثلاثين سنة! يا إلهي! يبدو ذلك كحلم مسكون بالعبث والكوابيس والأشباح. كيف انسابت كلّ هذه السّنوات وكأن لاشيء تغيّر؟!

كانت كتابتي صرخة في وادٍ، معزول ومتوحّش، كانت صرخة في وجه اليأس والاستسلام لسلطة الخرافة والوهم التي فيما يبدو لاتزال جاثمة فوق الصدور. كنت ممزّقًا، لي رغبة بالتمرّد والانتحار عندما كتبت دفعة واحدة “ذاكرة الجنون والانتحار”.

لم أكن أرغب – وقتها – في أن أصبح لا كاتبًا معروفًا ولامشهورًا ولا نجمًا يكرّم، بل كتبتها لأنتصر ضدّ تلك الرّغبة الملّحة في وضع نهاية ما لحياتي! وعندما انجزت الرواية، شعرت أنني انتصرت على الموت.. موتي أنا، الذي جعلني أشعر في الوقت ذاته أنني أتفرّج على موت الآخرين الأحياء. أن تموت هو أن تفقد حسّك، تضيع نبض ضميرك ويقظة روحك.

لم أكن أفكر في الرضا وأنا أخوض تجربة “ذاكرة الجنون والانتحار”، بل كنت أشتغل بكلّ عنف وحرية وطيش عميق على نصّي الذي بُعثت منه من جديد، من موتي المحتمل، ولذا كتبت بعيدا عن المثالية.

لم أكتب عن حرب التّحرير كما كان سائدًا في النصّ الجزائري، ولاعن الاشتراكية كما كان سائدًا عند من كانوا يمثّلون الطليعة الأدبية في الجزائر، ولا عن الثّورة الزراعية مثلما كان جاريا عند كتاب السّبعينيات من كتاب جيل مجلة “آمال” إلى عبد الحميد بن هدوڤة ووطار.. اخترت أرضًا بكرًا، منطقة لم تُقارب، كتبت عن الحبّ والذاكرة والجنون وعن العالم الهامشي والمناطق المظلمة من تاريخي الشّخصي والعائلي و”الحومي”. كتبت عن عوالم السّراديب والعوالم المخفيّة التي عرفتها في حي ڤومبيطا( في سيدي بلعباس) وكنيته ﺒ”ماكدرة”، التي اكتشفتها كحارس مرمى يوم كنت في الخامسة عشرة من عمري.

هل تتذكّر ظروف كتابة روايتك الأولى؟

في تلك الليلة التي باشرت فيها كتابة “ذاكرة الجنون والانتحار” كنت أنام في شقّة تعود لاتحاد الطلبة الجزائريين، ولم يكن مرّ على استقالتي كصحافي، في بداياته، من مجلة “أضواء” سوى أسبوعين بسبب مقال تمّ منعه.

كنت رفقة صديقي – في تلك الفترة – الطّالب حمراوي حبيب شوقي، تحدّثنا في الأدب والّسياسة وعندما آوى كلّ واحد منا فراشه، لم استطع أن أنام بسبب كابوس راح يجول أمامي وأنا بين النّوم واليقظة، حيث رأيتني ميتًا وحولي من أعرف من الأصدقاء والأقرباء، ودفعتني تلك الرؤية لأُغادر فراشي على الواحدة صباحًا.. جلست إلى طاولة عتيقة ورحت أكتب بشراهة وكأن شخص لا أراه كان يقف علي ويملي علي تلك الصفحات، توقفت في صبيحة اليوم اليوم التالي، لأنام ثلاث ساعات، ثم أواصل الكتابة كأن بي مسّ. واستمر الحال بتلك الصّورة لمدة ثمانية أيام قضيتها بين الشّقة الكائنة في حي العقيد عميروش وبيت أهلي بحي ڤومبيطا، في سيدي بلعباس. وكان ذلك في شهر ديسمبر.. طُبعت الرواية عن طريق الصدفة في “دار لافوميك” وهي أول دار نشر خاصة في الجزائر.

كيف جاءت الرّدود الأولى عقب نشرها؟

قوبلت بترحاب كبير من طرف أهم النّقاد باللغة الفرنسية في الجريدة الأسبوعية ذائعة الصيت آنذاك “الجيري آكتياليتي” وفي “ريفوليسيون أفريكان” وفي “أوريزون”. وصنفها هؤلاء النقاد من أهم الروايات لتلك السّنة إلى جانب رواية “سطوح ارسول”لمحمد ديب.

لكن من جانب الصّحافة المعربة قوبلت بالصمت، باستثناء مقال في “المساء”، نُشر في قسم القراء، أمضته مجموعة من الطالبات الملتزمات، وصفت “ذاكرة الجنون والانتحار” بالرّواية الشاذة والساقطة والماجنة، ومنحت لصاحبها شهادة دكتوراه في بيوت الدعارة والحانات!!

لكن يجب الاشارة إلى مقال صدر بالجريدة الجهوية “الجمهورية” وصف الرواية “بالرواية المضادة وذات المنحى البسيكولوجي الجديد”. كما عقد بعض الجامعيين ندوة حولها واعتبروني “متأثرًا بماركيز وروايته مائة عام من العزلة”، لأنهم ظنّوا أن ماكدرة التي تجرى فيها أحداث الرواية، مستوحاة من ماكوندو، ولم يكونوا يدرون أن ماكدرة موجودة فعلا في سيدي بلعباس.

هل الكتابة قدر أم أختيار بالنسبة لك؟

أظنّها مزيح بين القدر والاختيار، فيوم كتبت أول نصّ لي كنت في المدرسة الإكمالية، لم أتوقف منذ الحين عن الكتابة، رغم أنني لم أكن أرغب كثيرًا في النشر. الكتابة – بالنسبة لي – تحوّلت إلى سلوك يومي، أُولد من خلاله من جديد وأُمارس عبره حياتي وصداقاتي وعداواتي أيضًا. لم تكن الكتابة وسيلة بل أسلوب حياة وطريق تفكير.

لقد كتبت الكثير واحتفظت بالبعض وأضعت الكثير. ولم أنشر إلا قليل القليل.

بدأت الكتابة مع هوايات أخرى، مثل الملاكمة وكرة اليد وكرة القدم والرّكض والمسرح. لكن الكتابة هي التي تفوّقت وتمكّنت من الهوايات الأخرى، رغم أنني بقيت على صلة هادئة مع المسرح والركض، فإنني في أغلب الأحيان أستعين بالكتابة على الحياة تارة، واستعين بالحياة على الكتابة تارات أخرى.

الكتابة تفتح لي الباب على ممارسة التصوّف الخفي والزّهد في متع الحياة وبريقها، تقودني إلى نفسي لأكتشف تفاهة الرّكض وراء ما يسمونه المجد والشّهرة. الكتابة فعل تعرية للذّات باستمرار من أدران خداع الذات بالذات، الكتابة أشبه بالرّكض الذي يطهّرك ويُعيدك إلى حقيقتك.

احميدة عياشي بعد الانتهاء من ذاكرة الجنون والانتحار

في أي لحظة تبدأ في كتابة رواية؟ بعد تراكم أم من مشاهدات معيّنة؟!

لا يمكن أن نقرّ فيها اللحظة التي نكتب فيها رواية. إنها تأتي هكذا فجأة. في الظّاهر بعد تراكم من التّجارب وممارسة الحياة حتى النّخاع. أنا من النوع الذي يفضّل الحياة على الكتابة، وما الكتابة إلا هذه الاستجابة للحياة الأخرى. في حياتي لا أتردّد في الإقبال على المجازفة ولا أتردد في معاشرة النّاس، ربما يعود ذلك إلى طبع كلّ واحد منا. أنا ميّال في نفس الوقت للمعاشرة والصّداقة بعنف وعفوية وللعزلة التي أجعل منها محطتي لمساءلة سيري والتّحدث معها بصوت مسموع. إننا غالبا ما نهرب من أنفسنا للجلوس معها في صمت وبعيدًا عن الضوضاء وسلطة الغوغاء والقطيع التي ترتدي أزياء السلطة الأخلاقية أو الدينية أو الايديولوجية، وهذا الإصغاء للذّات هو طاقتنا في عدم الانصياع لأصوات القطيع، ولا يهمّ من يكون هذا القطيع، قد يكون قطيعًا سياسيًا أو أيديولوجيًا أو مجتمعيًا أو عائليًا.

كلما شعرت بحمل غامض أسعى للتحرّر منه، تغريني الكتابة لأمارسها ومن خلالها أغوص إلى تلك المتاهات التي تمنحني نفسها شيئًا فشيئًا، لأعيد عالمي الموازي الذي كان يتخبط في ظلمات لاوعي اليومي، لأفكّكه وأركّبه كأيّ عامل يدوي يعيد صياغة صنعته، التي تتحوّل في غمرة الصّنعة إلى لعبة وفي الوقت نفسه إلى لحظة حريّة مُضافة.

في “ذاكرة الجنون والانتحار” تظهر نزعة تهديمية لما سبق في الرواية الجزائرية. تظهر أحيانًا، بشكل خفيّ، أطياف كاتب ياسين وميموني وبوجدرة. لمن كنت تقرأ آنذاك؟

كانت فكرة التّجريب تسكنني بحدّة، وهي في الحقيقة تعبر عما كان يجول بنفسي من بحث عن الطّريق الخاص بي، الذي يوفّر لي الهدوء الداخلي والسلام مع الروح.

أنا منذ السّنة الرابعة متوسط عرفت تجربة روحية عاصفة زعزعت يقينياتي وإيماني التقليدي بكل شيء. كانت قراءاتي المبكرّة لأبي العلاء المعري وإدغار آلان بو وبودلير وجان بول سارتر وكارل ياسبرس مخلخلة لنفسي. لقد خرّبت قراءاتي ذلك العالم الهادئ الذي أنشأته بقراءاتي لسيد قطب ومحمد قطب وعبد القادر عودة. وجدت نفسي في جحيم الشكّ الوجودي… في تلك السنّ المبكّرة تعرّفت على شخص جذبني بسنّه وسلوكه العميق إلى مُصلّى، كان عبارة عن حظيرة حيوانات حولّناه إلى مُصلّى.

كنّا تسعة أشخاص، أذكر منهم بشير بوهجرة وشمس الدّين اللذين سافرا وهما في مثل تلك السنّ بدعم من ذلك الشخص المدعو بلقاسم بلقاسمية إلى سوريا ومصر، حيث التقيا الخطيب الشهير عبد الحميد كشك ودخلا إلى العربية السعودية وكان معهما بلقاسم بلقاسمية حيث عاد بشير بوهجرة إلى سيدي بلعباس ثم ذهب بعد سنوات إلى موريتانيا كمُعلم. أما أنا فلقد رفض والدي أن يمضي لي ورقة تساعدني على السفر، فقال لي بلقاسم بلقاسمية لا تعصي والدك على كلّ حال. وبعد ثلاث سنوات، قُتل بلقاسم بلقاسمية وجرح شمس الدين في حادثة المسجد الحرام عام 1979، وتم إعادته بعد ثلاث سنوات إلى سيدي بلعباس ليحكم عليه بشهور في قضية الشيخ عثمان – رحمه الله – ذات الصلة بقضية بويعلي في الثمانينيات، ثم يغادر بعد ذلك الجزائر إلى الولايات المتحدة الامريكية ويصبح – فيما بعد – إمام مسجد بميشيغان.

في هذه الدوامة من الصّراع مع النفس، انفصلت عن الجماعة وكان عمري آنذاك لايتجاوز السّابعة عشرة، لألتقي بعد ذلك بفرقة مسرحية، وجامعي متمرّد يُدعى لعربي الشيخ الذي سيُساعدني على قراءة الفكر الاشتراكي إلى جانب أستاذي في مادة الرياضيات الذي فتح لي الباب لأقرأ نصوصًا من مقدمة ابن خلدون، وأطّلع على الفكر القومي مثل كتابات ميشال عفلق وفؤاد الركابي ونديم البيطار وناجي علوش وإلياس فرح لانتقل في قراءاتي للفكر الماركسي. قرات فكر هيغل عن طريق روجي غارودي وقرأت ماركس بواسطة إلياس مرقص، لاكتشف في حقبة الجامعة “الدّولة والثّورة “و “ما العمل” وخطوتان إلى الخلف وخطوة إلى الأمام”و”الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” ومجلّد “الكتابات الفلسفية” للينين، وكتابات ليون تروتسكي الأدبية والسياسية، و”دفاتر السجن” لغرامشي و”ثورة أم إصلاح” لروزا ليكسمبورغ. وفي خضم البحث عن الطريق وجدت ملاذي في القراءة والممارسة النضالية المستقلة.

لم أكن يومًا منخرطًا في حزب رغم قربي من اليساريين بمختلف مشاربهم ومن القوميين العلمانيين المستقلين، وكانت قراءاتي مفتوحة على الفلسفة والأدب والسياسة خاصة وبعد البكالوريا اتّجهت إلى معهد العلوم السياسية وتخصصت في العلاقات الدولية واحتككت بالحركة الثقافية الأمازيغية  ودافعت أنا القادم من منطقة معرّبة مثل سيدي بلعباس عن الثقافة الأمازيغية في أحداث الربيع الأمازيغي(1980).

ويجب الاعتراف أن المكتبات الغنية بالعناوين كانت تشجع على التهام الكتب، بمختلف توجهاتها واختصاصاتها، من التحليل النفسي إلى الرواية والنقد والتّاريخ والفلسفة والأنثروبولوجيا. في هذه الفترة اكتشفت روائيين أثّروا على مساري الأدبي والحياتي أيضا ويأتي على رأسهم من الجزائريين كاتبان تأثّرت بهما على صعيد الجمالية والأسلوب، وهما كاتب ياسين في روايتيه “نجمة” و”المضلع المرصّع بالنجوم” ونبيل فارس في أعماله “يحيا عديم الحظ” و”مسافر في الغرب”.

على المستوى العالمي، فولكنر في روايته “الصّخب والعنف” ترك أثرًا عميقًا في طريقة كتابتي وتجلّى ذلك بقوة في “ذاكرة الجنون والانتحار”، لكن أيضًا في “متاهات ليل الفتنة”(2001) والكاتب الأمريكي الآخر دوس باسوس في ثلاثيته “يو. أس. أي”. وظهرت تأثيراتها في كتاباتي الروائية في الجانب التسجيلي واستعمال التّقنيات الصّحافية، مثل المانشات والأخبار، و بليز ساندرارس، الذي لم أتوقّف عن قراءته طيلة ثلاثين سنة إلى جانب الكاتب الأرجنتيني أرنستو ساباتو الذي تركه بصمة بالغة في نفسي في التّعاطي مع الرواية كإبداع وتأمّل وميتافيزيقا في عمله الأساسيين “أبطال وقبور” و”ملاك الجحيم”. إن هؤلاء الكتّاب هم من كانوا في البداية ولازلوا مصدر إلهام بالنسبة إليّ، لينضاف إليهم بعد صدور “ذاكرة الجنون والانتحار” تأثير بوجدرة على توجهاتي التّقنية والجمالية خاصة أعماله “المرث”، “الحلزون العنيد” و”ليليات إمرأة آرق”.

لكن يجب أن نضيف إليها التّجارب المسرحية التي كان انعكاسها على كتابتي الروائية ونجد أصداءها الخفية في زوايا عوالمي الممثلة في الثلاثية(ذاكرة الجنون والانتحار، متاهات ليل الفتنة وهوس)، تتمثل في ثلاث تجارب أساسية، مسرح العبث لبكيت، مسرح القسوة لأرتو، والمسرح الفقير لجرزي غروتفسكي.

خارج الرواية، أظنّ أن علاقتي بالنصّ القرآني ظلّت حاضرة في نصي الروائي، تظهر تارة بجلاء،وتلقي تارة أخرى ظلالها على فضاءات موسيقى الكتابة والرّنة الخفية للجمل.

البداية المتعثّرة للرّواية تركت نصوص وطار وبن هدوڤة تبدو عملاقة

كيف كان انطباعك – وقتذاك – عن الرواية الجزائرية؟!

أستطيع القول بأنني كنت محظوظا بتكوين فكرة أساسية عن الرواية الجزائرية عندما كنت في الثانوية، فرع أدبي، تحت إشراف مُدرّس اللغة الفرنسية الراحل ميغاشو. لقد درسنا الأدب اللغة طيلة ثلاث سنوات من السّنة الاولى إلى النهائي، ودرسنا في الوقت نفسه بعض الأعمال الروائية للكتاب المغاربيين، منهم كاتب ياسين، مولود معمري، آسيا جبار، محمد ديب، مولود فرعون طبعًان إلى جانب كتّاب مثل إدريس شرايبي وأحمد صفريوي ومحمد خير الدين والطاهر بن جلون.

من هنا كانت قراءتي للرواية الجزائرية منتظمة تواصلت مع قراءاتي الفردية لكتّاب مثل الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوڤة وقصاصين من جيل السبعينيات مثل مولود عاشور، بقطاش مرزاق وواسيني لعرج واسماعيل غموقات ومحمد الصالح حرز الله وفيما بعد أمين الزاوي. لم يكن جيل السبعينيات قد خطا خطوات في الرواية إلا قليلا وبشكل بسيط وسطحي، أذكر منها “وقائع من روائع رجل غامر صوب البحر” لواسيني لعرج، “زمن النمرود” للسايح الحبيب و”طيور في الظهيرة”لبقطاش مرزاق.. كانت أعمال خالية من الجدّة والحرفية، يغلب عليها الخطاب الاجتماعي والنزعة الخطية في الكتابة، لم تكن مثل هذه الأعمال تعبر فعلا عن لحظة روائية جديدة، هذا ماترك نصوص وطار وعبد الحميد بن هدوڤة تبدو عملاقة وشامخة. رغم ريادة مثل هذه الأعمال فلقد كانت باستثناء “اللاز”، تفتقد إلى الحداثة الأدبية وهي أقرب إلى محاكاة الرواية الفرنسية التقليدية. لذا لم تكن مثل هذه الكتابات تشكّل بالنسبة إلي مرجعًا أعود إليه في الكتابة.

ثم إن العودة الساذجة إلى الثورة بتلك الصورة الملحمية الدعائية والمانوية تناول مسألة الأرض والثورة الزراعية كان يثير في الغثيان، فأنا ابن حي بمدينة سيدي بلعباس، فتحت عيني على والدي الميكانيكي، يمللك ڤيثارة ويذهب إلى بحيرة حينا كل يوم أحد ليقضي بيكنيك على متن سيارته دو شوفو، ويدخل السينما مساء كلّ سبت مع أمي، ويملك آلة سوبر8 على ما أتذكر يكتري أفلام شارلي شابلين الصّامتة ونضع ستارا أبيض على الجدار، وتفتح دارنا للجيران والأقارب، ليشتري بعد ذلك تلفزيون ماركة راديولا، كان ذلك في الستينيات. إن الإرث الثقافي الذي تركه الإسبان ومن عاصرهم من المالطيين ومن الفرنسيين من الكولون في سيدي بلعباس ترك أثاره على الجوّ الثقافي لمدينتنا، المتمثل في النشاط اليومي لأكثر من ستّ قاعات سينما والمسرح البلدي، كلّ هذه المناخات جعلتني بعيدًا عن أجواء الريف الذي كنت أسمع به وأراه فقط من خلال التلفزيون، وربما هذا ما جعلني لا أشعر بالاستجابة لأدب الأرض والدعاية للاشتراكية برغم يساريتي الثقافية وحماستي للدّفاع عن العدالة الاجتماعية..

يتبع..

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

فنلندي في الجزائر أو الحبّ الجيوسياسي

حاوره: أمزيان فرحاني. ت: جلال الدين سماعن التقينا أوسمو بيكونن بالمكتبة الوطنية يوم الإثنين 28 …

كاتب ياسين في تسجيل نادر، ينتصر للمتنبي وعمر الخيّام

في هذا الفيديو النادر، سيتحدّث كاتب ياسين (1929-1989) عن الشاعر المتنبي، يُعرّف به، وعن سرّ …