الجمعة، 15 ديسمبر 2017

بختي بن عودة: أنا زمن رمزي

محمد بن زيّان

تزامنت ذكرى رحيل مفجع لبختي بن عودة مع رسالة واجهت وجهرت وابتعدت عن التّبرير والتّعليل..

رسالة تعرية قاسية ولكنها تعرية شجاعة وجرأة للحسم، رسالة نشرها الباحث عبد الناصر جابي، ضمّنها استقالته من الجامعة و مما كتبه فيها:

“أهمّ خلاصة توصّلت لها، بعد هذه التجربة الطويلة من التّدريس والبحث، وهي خلاصة يُشاركني فيها الكثير من الزملاء. المستمرين في العمل لحدّ الآن. أن الجامعة الجزائرية، لم تعد قابلة للإصلاح. فقد فات وقت إصلاحها وإن أوضاعها ستزداد سوءًا مع الوقت.

الاعتداء على الأساتذة والعنف داخل الحرم الجامعي على سبيل المثال، سيزداد ويتطوّر. لأن شروطه الموضوعية والذاتية، متوفّرة كلها في أغلبية المؤسسات ولو بدرجات متفاوتة. وإن المستوى التعليمي للطّلبة والأساتذة، سيتّجه نحو الأسفل بشكل أوضح، قابل للقياس، بالعين المجرّدة. لدرجة أننا لن نكون في حاجة إلى مقارنات دولية لقياسه. مختلف أشكال الفساد ستتطوّر. أسرة جامعية تتلمّس يوميًا كلّ هذه الأوضاع، دون أن تكون قادرة على فعل جماعي منظّم للقطيعة معه. تزداد حزنا كلّ يوم على ما آلت اليه أوضاعها في انتظار ان تغادر مثلي، كحل فردي، بعد أن فشلت الحلول الجماعية”.

ما كتبه جابي عن الجامعة، يمتدّ ليشمل مختلف الحقول الأخرى المتّصلة بما هو معرفة وثقافة وذوق.. وفي ذكرى بختي نستعيد مسار جيل بأكمله و تاريخ معارك و مواجهات، جيل وجد إرث ما تراكم. وكما أكد المرحوم بختي :
“ارتبطت الثقافة الجزائرية خلال الثّورة المسلّحة بالفضاء المقاوم و قد عبرت بعد الإستقلال عن الحاجة إلى تأكيد الأنا. لم تكن الأسئلة حينها مقلقة. وكانت السبعينيات هي المرحلة التي تفجّر فيها خطاب ثقافي ضمن موازاة الهموم الجديدة أفرز رؤية إلى المجتمع”.

ناصر جابي

مع ثمانينيات القرن الماضي، أي فترة بروز بختي ، بدأ التصدّع بأثر صدمة خيبات وانكسارات و تبدّد شعارات.. بدأ الانفصال عن طمأنينة الأجوبة وعن معيارية التحديد.. توارت الأيديولوجيا بتورمها الدوغمائي و تمحورت الأنطولوجيا.. حضر هاجس الهوية و سؤال الذّات وطرح الدال و تفاصيل الهوامش.

إن بختي ليس مجرد مفرد في المدونة، إنه ” مفرد بصيغة الجمع” – بتعبير أدونيس –، إنه عنوان تحوّل وعلامة إرهاص.. اختزل في مشواره القصير هواجسا و أحلاما وهوسا و تجريبا ومغامرة الترحال نحو أقيانوس – كانت عنوانا لمجلة حلم بإصدارها في إطار جمعية أفاق –.

بختي سيرة المنعطف الثمانيني، سيرة جيل البرزخ.. جيل بدأ مساره مع الرّبيع الأمازيغي وبداية العنف الأصولي و تغوّل بيروقراطية الحزب الواحد.. جيل خاض النّقاش و طرح بجرأة إشكالات ما يعتبر في الصّميم و تساءل المرحوم عمار بلحسن: مثقفون أم انتلجنسيا؟!

نستحضر خلخلة وإعادة صياغات، نستحضر ما نشر في إطار النّقاش حول ملف السياسة الثقافية، وبعض النقاش جمعه المرحوم بلحسن، إنطلاقا من حوار أجراه محمد بلحي مع المرحوم عبد القارد جغلول .
نستحضر ما كانت تنشره “ألجيري أكتيالتي” و ما أثاره حوار كمال بلقاسم مع بيجار، أو ما أثاره مقال بوكروح عن “إشتراكية الرّضاعة”.. ما أثارته مذكرات أحمد توفيق المدني.

نستحضر ما أنجزه علولة، أي ثلاثيته المحورية في مساره، المتضمنة لحواريته مع المتعدد بحبكة مازجة بذكاء بين القناعة الأيديولوجية والخيارات الجمالية، بين الأثر البريختي و الإرث الشّعبي، ثلاثية مثّلت ذروة الصهر المبدع والخلاق. نستحضر انتقال بوجدرة إلى العربية، بكتابة خلخلت الإيقاع وحملت أنفاس التّجاوز.

نستحضر أحميدة عياشي الذي نشر نصًا مضادًا –بتعبير عمار يزلي –، نصًا روائيًا أحدث قطيعة في الرواية بالعربية وكان مُماثلا لما أحدثه بوجدرة بعشرين سنة قبل ذلك بروايته “التّطليق” في المنجز السردي بالفرنسية .
بختي تلخصه عبارته: “أنا زمن رمزي”، باعتبار مساره الذي جاء في سياق مخاض بإرهاصات تجلّت في ثمانينيات القرن الماضي، في فترة برزخية بين زمنين، زمن وهم اليقين وزمن الحيرة، حيرة افتقاد إحداثيات الطريق.

في ثمانينيات القرن الماضي التي بدأ فيها مشوار بختي بن عودة، كانت إرهاصات ما امتد إلى يومنا هذا من رجات متتابعة، وكانت هواجس بختي التي كتبها بلغة المتاهة التي تتهندس بغواية ثقف ظل الدال – فلكل دال ظله كما قال بارت –، هواجس حملتها نصوصا، عندما نعود إليها نجد فيها ما يحضر راهنا، و هو ما يمنحها قوتها كتخطيطات أرهصت لمشروع لم يتح له القدر التبلور، لكنه تشكّل كأيقونة.
انبثق بختي من رحم التّوتر المتعدّد الأبعاد، انبثاقا مقترنًا بما بدأ يتبلور شعرًا وسردًا ونقدًا وتفكيرًا وبحثًا في العلوم الإنسانية، بما بدأ يتبلور من تجاوز على المستوى الإبستمولوجي والجمالي والأنطولوجي .
هذا ما يجعلنا لا نعي بختي إلا بموضعته في سياق تشكّله. عادت الذات التي تبددت بهيمنة نسق الجماعة، عادت الذات لتتموضع بؤرة في النص، وعادت اللغة لتصبح محور اشتغال، وحضرت هواجس ما أفرزته صدمة سقوط جدران الوهم، هواجس أججت السّؤال ودفعت بختي نحو عوالم فلاسفة الاختلاف ونحو الخطيبي ومن مثّلت أعمالهم احتفاء باللغة وبأسئلة الوجود.

بختي بن عودة

مرجعيات بختي تحيل لفلاسفة الاختلاف الذين طبعوا بحضورهم المدوّنة الفكرية طيلة الفترة التي تلت ثورة مايو 1968 في فرنسا، الثّورة التي مثّلت منعرجًا محوريًا وانبثقت عنها المقولات والأطروحات التي عرّت و حفرت وفكّكت وزعزعت المتعاليات، وواصلت تحقيق دور المثقف كفاعل حاضر مجتمعيا، حاضر في التّاريخ، حضورًا صانعًا بالموقف، موقفا منزاحا عن النسق المغلق، انزياح المتشرّد الذي يكابد معاناة السّفر المستمر لبلوغ ما لا يبلغه، بلوغ المستحيل، وذلك الهاجس هو الذي يسكن في بؤرة الذات، يسكنها كشعلة متوهجة، توهجا محركا، حراكا لا يتوقف، يظلّ بنبض لتحقق المستحيل، ولعل ذلك ما جعل الراحل بختي بن عودة يخطط في إطار جمعية أفاق لاصدار مجلة عنوانها “أوقيانوس”.
كان الوجداني متصلا بالمعرفي وهو ما عبّر عنه عثمان تزغارت في مقال و كتب مخاطبا المرحوم بختي: “وهل تذكر أنكَ، حين تعارفنا، لأول مرة في وهران، أواخر 1987، أصررتَ على أن تهديني نسخةً من مجموعته “المناضل الطبقي على الطريقة الطاوية”؟ وحين ترددتُ، لأنها كانت تحمل توقيعاً خاصاً لك من المؤلف، قلتَ ضاحكاً: “معليش، سأضيف إليه توقيعاً آخر لك، بالنيابة عن المؤلف!”.. ذلك أنك كنت تحسّ دوماً بأن أعمال الخطيبي وبارت ودريدا وجوليا كريستيفيا هي جزء حميم من ذاتك”..
وكتب إبراهيم سعدي: “نجد أن أساتذة بختي بن عودة هم هيجل، كانط، فوكو، دريدا، وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين الغربيين، أي أن الحداثة عند بختي تتأسس على قراءة للغرب مباشرة، قراءة أفقية، وليس على قراءة عمودية، أي تاريخانية، للذّات. فالغرب عند مؤلف “رنين الحداثة” ليس حالة خاصة، ليس هوية، ليس “الآخر” في مقابل “الأنا” إنه الحداثة ببساطة. فالغرب كما يقول “موجود في مسامات الجلد وطيات اللاوعي، يميناً وشمالاً، بالرضى وبغيره، في اللمس كما في الحس، الغرب اذاً شمولي وليس بجزئي”. نستشف هنا نزوعاً إلى رفض أيديولوجيات التوفيق، أيديولوجيات التّعامل مع الغرب بانتقاء واختيار. الغرب عند بختي مطلق، كل، حالة عامة، لا مهرب منها ما دام موجوداً في مسامات الجلد وطيات اللاوعي. اي ان الغرب ليس هو “الآخر”، إنه صورة تجلي الحداثة. شيء طبيعي ومنطقي عندئذ أن ينتقد النزعات المتجذرة حول الذات، تلك التي تعرب عن نفسها بمفهوم “الأصالة” او “الخصوصية” او “الإنية”،أاو ما يشير اليه بختي بن عودة بـ”القبيلة” وابن خلدون بـ”العصبية”.  .
هو بختي بن عودة، يعود بتجدد، عودة الانبعاث بروح طفل يشاغب ويحمل دهشة لا تبهت، وقلب عاشق يتوهج بحرائقه، ورحالة لا يتوقّف عن التوغّل في المتاهات لإختراق المستحيل و ثقف أقيانوس.. رحالة تقويمه خاص، لخصه المرحوم بختي بعبارته: أنا زمن رمزي.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جسد المرأة بين السّلطة والمال

سعاد زاهي في البداية وُلدتِ فتاة، حسناً، هذا أمر جيّد إلى حين، في مجتمع مازال …

سليمان مظهر: من يدّعي أن سبب تخلّفنا هو الاستعمار، فإنه يجهل أوضاعنا الاجتماعية

حوار: زهور شنّوف سنة مرّت على الرّحيل المفجع للبروفيسور سليمان مظهر (1944-2016)، أستاذ علم النّفس …