الأربعاء، 26 فبراير 2020

يوم كانت الجزائر كعبة الثوّار في العالم

عرضت «أرتي» القناة الفرانكو ألمانية، سهرة الثلاثاء 16/05/2017، شريطا وثائقيا، يحمل عنوان «الجزائر كعبة الثوّار» (Alger, la Mecque des révolutionnaires)  وهي عبارة مستلهمة من مقولة للزعيم الإفريقي المغتال اميلكال كابرال : «المسلمون يحجّون إلى مكة، المسيحيون يحجّون الى الفاتيكان، أما الحركات الثورية فتحجّ الى العاصمة الجزائرية».

بن بلة يستقبل شي غيفارا

يستعرض الشريط مسار الديبلوماسية الجزائرية، وهي في وجه ازدهارها، خلال الفترة الممتدة من 1962 إلى 1974. ويقف عند المكانة العالية التي احتلتها الجزائر في قلب العالم. من خلال سعيها الدؤوب لمحاولة فضّ الكثير من النزاعات عبر العالم، وكذلك دفاعها اللامشروط عن قضايا التحرر من نير الاستعمار. وقد استغرق هذا الشريط الوثائقي الجديد، الذي أنتجته قناة «أرتي» الفرنسية الألمانية، عامًا كاملا من البحث والتنقيب في الأرشيف، ورحلة البحث عن المعلومة عبر عدد كبير من بلدان العالم.

هكذا يبدأ الشريط من أوّل زيارة لأحمد بن بلة (1916-2012) الرئيس الجزائري، للولايات المتحدة الأمريكية في أكتوبر 1962، أين يُستقبل من طرف الرئيس الأمريكي الشهير كينيدي، استقبالا حافلا يليق بعظمة الثورة الجزائرية، التي كان الرئيس الأمريكي الشاب معجبا بها. ستتقدم حتى عائلة كينيدي للسلام على الرئيس الجزائري. والمفاجأة أن الرئيس الجزائري، لم يكتفِ بالحديث الديبلوماسي عن العلاقات بين البلدين، بل تناول معه، أزمة كوبا والحصار المفروض عليها. مباشرة سيطير الى هافانا رغم التحذيرات، وعلى متن طائرة كوبية تنقله من نيويورك. في كوبا سيستقبل استقبالا شعبيا حارًا، بعد أن استطاعت الجزائر أن تكسّر الحصار الأمريكي على بلدهم، ولو رمزيا.

يتحدث الرئيس الراحل أحمد بن بلة عن تلك المحطة الأساسية في مذكراته: «عندما دعيت إلى البيت الأبيض الأمريكي بتاريخ 15 أكتوبر 1962، كانت لي مع الرئيس الأمريكي نقاشات صريحة وساخنة، بخصوص موضوع كوبا. فبخصوص السؤال الذي طرحته عليه : «هل ستذهبون للمواجهة مع كوبا ؟» لم يدع أي مجال للشك في نواياه الحقيقية أجاب قائلا: «كلا، إن لم تكن هناك صواريخ سوفياتية، وبالتأكيد نعم، إذا وقع العكس»، حاول كينيدي بإصرار أن يثنيني من التوجّه إلى كوبا، عن طريق رحلة طيران تنطلق من نيويورك، وقد بلغ به الأمر أن حذرني من احتمال تعرّض الطائرة التي سأقلها إلى هجوم من طرف القوات الجوية الكوبية، أمام هذه التهديدات، أجبته أنني كنت واحدا من عناصر «الفلاقة» وأن تهديدات «الحركة» الجزائريين والكوبيين لا تخيفني. في 16 أكتوبر بلغنا كوبا، الزيارة تمت تحت استقبال شعبي لا يوصف، برنامج الزيارة كان يقتضي محادثات سياسية، بمقر الحزب بهافانا، حال وصول البعثة الجزائرية. غير أن الأشياء تمّت بشكل آخر، فما كدنا نضع حقائبنا في المكان المقرّر لإقامتنا، حتى تمّ تنظيم لقاء مع فيدال كاسترو، وشقيقه راوول كاسترو، إلى جانب تشي غيفارا، ومسؤولين آخرين رافقونا، مكثنا هناك نتحاور، ونتناقش ساعات وساعات. بالتأكيد نقلت لهم الانطباع، الذي تركه لقائي مع الرئيس كينيدي، بعد نهاية تلك المحادثات الواسعة، والتي شملت كافة المواضيع، تناولنا جميع القضايا المطروحة في البرنامج، واعتبرنا أن اللقاء المقرّر بمقر الحزب، لم يعد مطروحا، وهكذا وباتفاق مشترك بيننا، قرّرنا الانتقال مباشرة إلى برنامج الزيارات المقرّرة لأنحاء مختلفة من البلاد، وهو ما يعطينا فكرة حول العلاقات الوثيقة، التي كانت تربط بين الثورتين الكوبية والجزائرية، وبيني شخصيا، وبين كاسترو وتشي غيفارا. هذا التضامن القوي تجلّى بشكل واضح وعلني، غداة أول هزّة خطيرة تعرّضت لها الثورة الجزائرية بما يعرف بقضية تندوف في أكتوبر 1963».

بن بلة رفقة كينيدي الرئيس الامريكي

كانت تلك المحطة، بمثابة إشارة انطلاق أولى للموقف الثورية للجزائر كدولة نامية، ستفرض ثقلها بين الأمم الكبرى. وستفتح أبواب عاصمتها لتحتضن جميع ثوّار العالم الثالث.. ليجتمعوا، يرتبوا نضالهم، يتدربوا بالسلاح، ويتحصلوا على معونات مالية إن اقتضى الأمر.. هكذا سيفد لزيارة الجزائر العاصمة تباعا، زعماء تاريخيون على غرار: شي غيفارا، كاسترو، اميلكال كابرال، باطريس لومومبا، نيلسون مانديلا، عبد الناصر، عرفات…  كما واكب نجاح الديبلوماسية الجزائرية، نهضة حقيقية في المجال الثقافي والفني، وعلى وجه الخصوص السينما. هكذا استطاعت السينما الجزائرية، إفتكاك العديد من الجوائز العالمية الكبرى، على رأسها السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي سنة 1975، عن فيلم وقائع سنوات الجمر لمحمد الاخضر حامينة. كما استطاعت السينما الجزائرية بفضل الإنتاج المشترك، تدعيم مجموعة من الأفلام العربية والعالمية، التي تناولت قضايا سياسية، مثل فيلم «زاد» لغوستا غافراس، والحائز على أوسكار أحسن فيلم أجنبي سنة 1970 باسم الجزائر.

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاطئ : حلبة جديدة بين الدين والفلسفة

أحمد عمراني الشاطئ موضوع فلسفي مهم وجديد. قد يبدو للوهلة الأولى أنه موضوع سوسيولوجي أو …

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …