الجمعة، 15 ديسمبر 2017

جسد المرأة بين السّلطة والمال

سعاد زاهي

في البداية وُلدتِ فتاة، حسناً، هذا أمر جيّد إلى حين، في مجتمع مازال يؤمن أن السبيل الوحيد للسموّ بالأخلاق، والارتقاء بالعفة إلى أبعد الحدود، يكون عن طريق نصب حراسة مشدّدة على جسد المرأة، وتطويعه وتطويقه من كل الجهات.

يغفل هذا المجتمع أن حقّ التصرف بهذا الجسد «اللامشترك»، يرجع قطعاً إلى صاحبته فقط، وهذا ما تقرّ به منظمات حقوق الإنسان العالمية.

السلطة والجسد

السّلطة التي تُفرض على جسد المرأة في سن مبكرة، تبدأ فور دخولها للمدرسة -بعد سنّ السادسة على الأكثر- من هنا يتمّ تشويه فكرها، بمجموعة من الأفكار البدائية الناتجة عن الجهل، والعقد النفسية، والكثير من الخيالات المريضة. مع تكرار هذه الأفكار تصاب الفتاة بالإحباط، تهزّ ثقتها بنفسها، فعليها أن تعي أنها – كبُرت- نعم كبُرت في سنّ السادسة، وسيتم من اليوم فصاعداً محاسبتها على طريقة كلامها، جلوسها، مشيتها، وفرض الرقابة على ملابسها، وتعاملها مع زملائها الذكور.

مع امتداد و تطوّر هذه السلوكات على مرّ السنين، يترسّخ شعورٌ لدى الفتاة بأنها عنصر مؤذ، يمكنه أن يلحق أضراراً لا حصر لها، بمجرد محاولتها التصرّف بجسدها، الخروج بفستان قصير للشارع، أو تعريض شعرها لأشعة الشمس، ينمو بداخلها شعور، بأنها لعنة،  كيف لا، و كل ما يقال أمامها هو تهديد بعقاب الكاسيات العاريات ! ونار في انتظار من تسوّل لها نفسها الكلام مع زميل لها! كيف لا، وتبرجها في نظر المجتمع هو السبب الوحيد في غلاء الأسعار!   واندلاع الحروب الأهلية والكوارث الطبيعية ! هكذا حرفياً كما يقول الخطباء في الجوامع، حتى أنني أذكر أن مرّة قام أخ باغتصاب أخته، ذات الخمس سنوات، فلم أسمع تجريماً للجاني، بقدر ما سمعت استنكارًا لفعل الفتاة، التي لا تدرك شيئا سوى أنها كانت تنام في غرفة واحدة مع شقيقها الأكبر.

المال والجسد

 تُستغلّ الأنثى جسدياً، مقابل المال، لا يمكننا إنكار أو تفنيد هذا الأمر، تلجأ إلى هذا الطريق، كحلّ أخير للشعور بالاستقلالية، هذا الفعل بغض النظر عن المقابل المادي، يمنح الفتاة خاصة التي تفرض عليها قيود داخل عائلتها، شعوراً بالانتصار عليهم، فتصرّفها هذا جاء كردّ فعل على موقفهم، الذي مارسوه بكثير من الأنانية والسّادية، لا يمكن اعتبار هذا الفعل أخلاقي لأنه يجعل منها سلعة تُستهلك في فترة معينة، ثم يُرمى بها، لكن قبل محاسبة الفتاة على فعلتها علينا الرجوع للوراء قليلاً : ما الذي دفعها لهذا التصرف ؟ كيف فكرت في بيع جسدها ؟ من المسؤول عن ردّة فعلها هذه ؟

النوع الثاني من الاستغلال الجسدي مقابل المال، هو : «الزواج المبني على جسد مقابل مال» تحت غطاء شرعي، هذا النوع شائع بقوة أكثر من النوع الأوّل، حيث يتم البيع لمن يدفع أكثر.

حسناً لنسمّ الأشياء بمسمياتها : نحن نملك بنتاً ذات جسد جميل، لم يلمس من قبل – مع امتلاك الدليل المادي – لم ير أي أحد جزء منه ، حافظنا عليه طيلة هذه السنوات، غلفناه جيداً، نحن نضمن لك أنك الأوّل والأخير كم ستدفع ؟ سنعطيها لمن يدفع أكثر .

هكذا تجري الأمور، إذا جردناها من زينتها اللغوية، والتلاعب الفظ بالمفردات. بعد انتهاء الصفقة، تجد نفسها مضطرة، للخضوع لرغبات رجل لا تعرف عنه شيء، لا رابط عاطفي أو فكري بينهما، فقط دفع أكثر فأخذها لمنزله، للاستمتاع بجسد جديد، لعبة جديدة وقضاء حاجته الجنسية.

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بختي بن عودة: أنا زمن رمزي

تزامنت ذكرى رحيل مفجع لبختي بن عودة مع رسالة واجهت وجهرت وابتعدت عن التّبرير والتّعليل.. …

سليمان مظهر: من يدّعي أن سبب تخلّفنا هو الاستعمار، فإنه يجهل أوضاعنا الاجتماعية

حوار: زهور شنّوف سنة مرّت على الرّحيل المفجع للبروفيسور سليمان مظهر (1944-2016)، أستاذ علم النّفس …