الأربعاء، 26 فبراير 2020

الحنين إلى أغلفة الكتب والأفيشات المرسومة

من منا لم تنطبع في ذهنه وذاكرته رسومات الرسّام المصري جمال قطب (1930-2016) الذي كان يزيّن بريشته أغلفة الأعمال الروائية للكاتب الكبير نجيب محفوظ خاصة، الذي يكاد أن يقترن باسمه، إلى جانب كتّاب مصريين آخرين، على غرار إحسان عبد القدوس، يوسف إدريس، يحيى حقي…

أغلفة روايات مرسومة بريشة جمال قطب

رسوماته كانت تشكل عنوانا آخر للرواية، توازي بمعانيها الحسّية والجمالية قيمة العنوان وأهميته في العمل الروائي، وتتناسب تماما مع مضمون العمل. لم يكن القارئ يشعر بأي حال من الأحوال، وهو يتفحّص رسومات الكتاب وعنوانه، كأوّل نقطة تواصل بين القارئ والكتاب، بأنها تبدو مقحمة لا تمت بصلة لمحتوى العمل، كما هو الشأن اليوم. كان غلاف الكتاب بعنوانه ورسمه ولونه أحيانًا، يحدّد جنس الكتاب ومضمونه، وبالتالي يتيح للقارئ حرية اختيار ما يرغب في قراءته.

أغلفة الكتب كان يشارك في تصميمها كذلك، خطاطون محترفون. في الجزائر اشتهر الخطاط الأضرع مثلا، بخطه الجميل، من خلال إصدارات المؤسسة الوطنية للكتاب سنوات الثمانينيات، خاصة منها الأعمال الأدبية.

الملصقات أو أفيشات الأفلام السينمائية، تعرّضت هي الأخرى لنفس المصير، لم تعد كما كانت من قبل. صارت تعتمد في إنجازها على صوّر جاهزة، لا خيال فيها، ولا معنى أيضا. من هنا ربما تأتي حسرة النقاد على افتقاد قيمة فنية ذات جودة عالية، كانت تضفي على العمل السينمائي جمالية طبيعية، وسحرا خاصا، لم تتمكن تكنولوجية الصورة السريعة من تعويضها، فليس غريبا أن تتحوّل ملصقات الأفلام العالمية الشهيرة إلى تحف فنية، تتهافت المعارض الفنية على اقتنائها وعرضها.

نماذج من أفيشات أفلام عالمية مرسومة

غلاف الكتاب بما كان يتضمنه من لوحات فنية ورسوم وخطوط وألوان، كان يتيح من جانب آخر فرصة بروز المواهب الفنية في مجال الرسم وحتى الخط أحيانا، لا ننسى أن الرسوم إياها كانت مخصصة لأعمال بعينها، ولم يكن مسموحا فنيا وأخلاقيا نقل رسم ما، لفنان معيّن إلى كتاب آخر دون استشارة الرسام أو الكاتب، وبالتالي حدث نوع من الشراكة بين الروائي والفنان، وهو أمر بديهي في إطار ما يعرف بجدلية التكامل بين الآداب والفنون على اختلاف أجناسها، باعتبارها تطمح إلى تحقيق نفس الهدف، وهو تأسيس ذائقة جمالية في فكر ووجدان المتلقي، والسعي نحو استقطابه وجذبه لاقتناء الكتاب، من هنا توطدت علاقة شراكة بين الكاتب والفنان، كما كان الشأن بالنسبة للعلاقة التي كاتب تجمع بين نجيب محفوظ وجمال قطب وأسماء فنية أخرى، لينتقل التواصل إلى القارئ الذي أصبح يعرف إلى جانب نجيب محفوظ أو إحسان عبد القدوس و يوسف إدريس، فنانين ورسامين كذلك، وسرعان ما أضاف لاهتمامه المتمثل في المطالعة وقراءة الكتب، اهتماما آخر بالرسوم واللوحات الفنية.

في الجزائر الأمر مختلف قليلا، ليست هناك عناية ولا اهتمام بتصميم الغلاف قديما وحديثا، لأن المؤسسات الثقافية المخول لها إصدار الكتاب والتسويق له علاوة على دور النشر، تكاد تنحصر عملية انجاز الكتاب عندها فضلا عن الغلاف إلى طرفين رئيسيين: المؤلف والناشر، مع أفضلية واضحة للناشر في إدارة عملية الانجاز. ولأن مديري دور النشر في معظمهم، لا علاقة لهم بشؤون الكتاب إدراكا وفهما لدوره التربوي والتثقيفي، يعتبرون الكتاب بضاعة ليس إلا. يُطرح في السوق ويرضخ شأنه شأن البضائع الأخرى إلى قانون العرض والطلب.

نماذج من أفيشات أفلام مصرية مرسومة

عدم اقتناعنا الكامل بفكرة أن الكتاب صناعة قائمة بذاتها تأليفا، نشرا وتوزيعا، في اعتقادي من وراء فشلنا في صناعة كتاب ناجح شكلا ومضمونا، ذلك أن الكتاب عملية تشاركية بالأساس، يشكل انجازا ثقافيا وحضاريا وعلميا وفنيا، من المفترض أن يتولى إدارته وتسيير شؤونه المالية والفنية فريق متكامل ومتنوع، يتألف من: الكاتب، الناشر، الموزع، الرسام، الخطاط، المصحح اللغوي، لجنة القراءة، لجنة الإشهار، لجنة التوزيع.

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاطئ : حلبة جديدة بين الدين والفلسفة

أحمد عمراني الشاطئ موضوع فلسفي مهم وجديد. قد يبدو للوهلة الأولى أنه موضوع سوسيولوجي أو …

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …