الجمعة، 15 ديسمبر 2017

سليمان مظهر: من يدّعي أن سبب تخلّفنا هو الاستعمار، فإنه يجهل أوضاعنا الاجتماعية

حوار: زهور شنّوف

سليمان مظهر

سنة مرّت على الرّحيل المفجع للبروفيسور سليمان مظهر (1944-2016)، أستاذ علم النّفس الاجتماعي، الذي تحدّى الأزمة الأمنية في عشرية الموت، ليس ببقائه وممارسة مهامه الجامعية والبحثية فحسب، وإنما بإصدار كتابه الشّهير “العنف الاجتماعي في الجزائر”(1997)، هذه الخطوة التي لم يسمح لها – على أهميتها وعمقها المعرفي – أن تقحمه في عالم البلاطوهات والأضواء الجنونية لتفسير ما لم يفسر يومها.

وبدل النّجومية الزائفة والزائلة ظلّ سليمان مظهر متمسكًا بعزلته في مخبره العلمي بجامعة بوزريعة للحفر في أسئلته المتجذّرة في قلب مجتمع متعثّر ليبني بهدوء وشكّ العالم المتقد “نظرية المواجهة النفسية الاجتماعية – مصدر المجابهة” التي بلورها في كتابين سنتي 2010 و2014 (الأول بالعربية والثاني بالفرنسية على التوالي).

في 2008، حدّثني صديق عن البروفيسور مظهر، وسألت – وشيطان الصّحافة يقطع أنفاسي –: “هل يعيش في الجزائر؟” وكانت الإجابة: “نعم، يُدرس ببوزريعة”.

هكذا، انطلقت الرّحلة التي كنت أحسبها ستنتهي بالحصول على رقم هاتفه، كما تجري العادة في الصّحافة. حصلت على الرّقم وحاولت التّواصل معه مرارًا لكن دون جدوى، في خضم ذلك كنت قد حصلت على كتابين له ومقال علمي مهم جدًا حول العنف الاجتماعي في الجزائر، وأشعلت القراءة رغبتي أكثر في لقائه، وبعد فترة ساعدني أصدقاء في الحصول على رقم زوجته، وهي سيدة راقية تحدّثت إليها وشرحت لها الأمر، قالت إنها ستكلمه، وأضافت: “لكن لا أعرف كيف ستكون الإجابة، فهو لا يتعامل مع الصّحافة وما يصدره ينشر عبر وكالة الأنباء”.. شعرت أن الأمل منعدم، وفعلا اعتذر وقتها عن إجراء الحوار، وبقيت على تواصل مع السّيدة حرمه، وبعد أكثر من سنة ونصف رنّ هاتفي، ظهر اسمه قلت أكيد زوجته، لكن الصّوت الذي أتى من الجهة الأخرى كان صوتا رجاليا هادئا ورصينا: “السيدة زهرة؟ معك الأستاذ سليمان مظهر”، وقفت في قاعة التحرير وكأنه أمامي وقلت متعثرة “مرحبا، بروفيسور”، وكانت عندي رغبة في الصراخ من الفرح، يومها دعاني إلى محاضرة كان سيلقيها بقصر الثقافة، وعلى هامشها كنت أقف مع زوجته ويبدو أنني كنت الوجه الوحيد الذي لا يعرفه فاتجه نحونا وقال “أهلا بالسيدة زهرة”، بمنتهى الأناقة، وبنذالة الصحافي قلت في قلبي: “أهلا بالحوار الذي أنتظره منذ زمن”، لم أكن أعرف أنني أمام رجل لا تعني له هذه الأمور شيئًا، لأنه رفض إجراء حوار لثلاث سنوات مقبلة، وفي كل مرة كان يقول لي لا يوجد شيء جديد يمكن الحديث عنه، وحصلت خلال تلك الفترة مرة واحدة على تدخل قصير منه في إطار ملف حول أحداث العنف التي كانت ترافق عمليات ترحيل سكان الأحياء الشّعبية إلى أحياء جديدة في بداية هذه العشرية.

بعد سنوات من النّقاش ومتابعة نشاطات الدكتور مظهر وقراءة كتاباته وحضور ندواته والتعرف إلى عائلته ومقاسمتهم تفاصيل جميلة، اقتنع أخيرًا أن يمنحني حوارًا في ديسمبر 2012، أتذكّر قبل أن أبدأ التسجيل وكان يومها مرهقا جدا قالي لي: “سيتعبك الأمر، لا يمكنني الحديث بلغة الصحافة”، أجبته: “سنحاول أن يكون الأمر بسيطا قدر الإمكان حتى يصل إلى أكبر عدد من القراء”، وكنت أفكر في ملاحظة أبدها في إحدى ندواته، اعتذر خلالها عن الردّ باللغة العربية في النقاش لأن المحاضرة كانت بالفرنسية، وقال: “أعدكم بمحاضرة بعربية غير معتلة، قريبا”.

آخر اتصال جرى بيني وبين البروفيسور كان في أفريل 2014، كانت حكاية “العهدة الرابعة” في أوجها وتجربتي في “الجزائر نيوز” في مرحلة احتضارها، اتصل بي البروفيسور وتكلمنا قليلا، أخبرني عن صدور كتابه الجديد حول “نظرية المجابهة” باللغة الفرنسية، وقبل أن يقفل الخط أخبرني بأنه يحتفظ لي بنسخة موقعة وأن صديقتك (يقصد زوجته) تدعوك لشرب القهوة، وعدته – كاذبة – بزيارة قريبة، بعدها تلقيت منه رسالة إلكترونية واحدة وانقطع الاتصال بيننا إلى غاية قراءة خبر وفاته في الـ 4 ماي 2016 عند أحد الأصدقاء، لأعرف لاحقا أنه صارع طوال تلك المدة مرض السرطان بقوة وصمت وأنني كنت واحدة من الذين خذلوه ولم يسألوا عنه في تلك الأيام الصعبة والأخيرة.

بعد سنة من الرّحيل القاسي أعيد قراءة الحوار الذي جمعني بالأستاذ مظهر، منذ سنوات، والذي تعيد “نفحة” نشره، أشعر بالكثير من الحزن، فالرّجل أفنى حياته (أكثر من أربعة عقود) في الاشتغال على إشكاليات تعثر المجتمع وانتشار العنف فيه واستغلاله من قبل السُلط المترهلة، بينما كنا نحن منشغلين دائما بأسئلة الراهن السطحية ولم ننتبه إلى ما كان يقدمه من مادة علمية مؤسسة وبقينا دائما نطارده لنأخذ تفسيرات سريعة لتبرير السياسات الفاشلة لأنظمة الحكم التي “لغّمت” كلّ شيء لصالح استمرارها بما في ذلك علاقتنا مع المعرفة!

 

“المجتمعات المتخلفة والإفريقية خاصة، قائمة على نظام يتكوّن من سبعة أجزاء”

 

ما هي أهم ملامح التّحوّلات الاجتماعية التي عرفها المجتمع، منذ الاستقلال(1962) إلى الآن؟

من النّاحية الاجتماعية في حد ذاتها، لا أستطيع أن أتكلّم عن تحوّل، لأنه في الحقيقة عندما أتابع – علميا – حياتنا الاجتماعية أجد أنه منذ القدم يحدث ما أسميه بـ “القضاء على بذور التحويل في مجتمعنا”، لأننا نعيش ضمن نمط حياة يحثّنا على الامتثال الاجتماعي أكثر مما يحثّنا على التّجديد. والهدف من التحويل الثقافي الاجتماعي هو التغيير: “لا يتم تغيير إلا على أساس تحويل”. ولأصارحك فإني أثبت لك أنك أول من أشار لي إلى قضية التحويل، عادة يتكلم الجزائريون عن التغيير ولا يدققون الأمر، لأن التغيير فيه شرطين، وحتى نوظّف مفهوم التغيير بشكل محكم يجب أن نبين بأن مضمون الحالة التي تهمنا لم يبق على ما كان عليه، من جهة، وأن الاختلاف الذي طرأ عليه يحمل تحسنا للأوضاع، من جهة أخرى، وإلا فإن القضية تتم في إطار التدهور، وهذا ما أرجحه فيما يخص حالتنا الاجتماعية.

إذا هناك تحوّل سلبي؟

التحوّل لا يكون لا سلبيًا ولا إيجابيًا، التحوّل هو السّياق الذي يؤدي إلى التّغيير، وفي هذه الحالة يوجد مصطلح دقيق ومناسب هو “التدهور”، وهو ما يجب أن نستعمله بدل “التحوّل السّلبي”، هناك اختلاف في المضمون. لكن لماذا تدهورت أمورنا من النّاحية الاجتماعية؟ السّبب هو تخلينا عن المعالم الاجتماعية التي اقتدى بها من سبقنا إلى الوجود في مجتمعنا، ولم نعوضها بمعالم أخرى، على سبيل المثال في المدن الجزائرية من بين القيم الثقافية الاجتماعية التي كان الجزائري يتباها بها هي قيمة الجوار التي اندثرت، لقد أصبحت العلاقات بين الجيران منعدمة والكل منطوٍ على نفسه.

في إطار التدهور، تكلّمت في آخر إنتاجاتك الفكرية عن وجود تصوّر للحياة “أدى إلى بناء اجتماعي قوامه العجز الفردي والجماعي عن التحكم في وسائل المعيشة”، هل للسلطة يد في هذا؟

في الأصل، يجب أن نفتح ملف النّظام الاجتماعي الذي يسيّر حياتنا الاجتماعية. هذا النظام قديم وليس خاصا بنا، وهو ما أسميه “النظام الاجتماعي التقليدي”، وهو أقدم نظام بناه الإنسان عبر التاريخ. وتُبين المتابعة أنه إلى غاية أن أصبحت العصرنة تؤثر على الحياة الاجتماعية، خصوصا في المجتمعات التي تطوّرت إثر تحوّلات متتالية أدت إلى تغيّرات متتالية، وإلى غاية بروز العصرنة حسب شروطها الخاصة، كان هذا النّظام منتشرًا في جميع أرجاء العالم تحت أشكال مختلفة، لكنه بدأ ينطوي إلى المجتمعات التي وقعت تحت قبضة التخلّف. وهنا لابدّ أن أفتح قوسا لإثبات ما يلي: من يدعي أن سبب تخلّفنا هو الاستعمار، فإنه يجهل أوضاعنا الاجتماعية.

سبق وتحدّثت عن غياب حلقة أساسية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مجتمعنا، هي (الثّقة)، وتؤكّد أنه بعد فشل السلطة في تسيير المشاكل ومتابعة المشاريع تحوّلت هي نفسها إلى مشكلة..

حتى لا تختلط علينا الأمور ونبقى في تناول علمي أكثر منه سياسي، نُحاول أن نطلع على الأمور ونحلّلها بدلا من الحكم عليها. هذا الأمر قديم في الحقيقة، ولكن إذا أخذناه في سياق ما يحدث في الآونة الأخيرة نجد أن الحكم هو سلطة تدعم الدولة، وهذا ما نجده في المجتمعات المتطوّرة، حيث تكون مؤسسات الدولة حيّة وتتابع الحياة الاجتماعية من أجل مراقبتها وتسهيلها على المواطن قدر الإمكان، أي تشخّص المشاكل التي تعيق الحياة الاجتماعية بدرجة متفاوتة وتدبّر الحلول الضرورية للتحكم فيها، وهذا ما هو غائب في المجتمعات المتخلّفة، لوجود “حكم” دون دولة بالمعنى الحقيقي، فهناك المؤسسات الضّرورية ولكنها غير فعّالة، لأنها “ملغّمة” بعنصر حيوي تابع للنظام الاجتماعي التقليدي، وهو الشبكات الاجتماعية.

تعتقدون أن هذه “السلطة” واعية بأنها تحوّلت إلى مشكل بالنسبة للمواطنين؟

“السُلط” في العالم المتخلّف لا تتحرّك إلا عندما تُهدَد بطريقة ما، لأنها لا تسيّر الأمور. على سبيل المثال المواطن في المجتمعات المتخلّفة إن عانى من مشاكل كالضّجيج، غياب النظافة، انعدام الراحة، انعدام الترويح.. فهي قضيته، ولا تهم المسؤولين، ما يهمّهم هو ألا يُعيد أي كان النّظر في السلطة “الحكم القائم”، وهذا مشكل كبير. هذا الوضع كان موجودا منذ القدم لكنه تفاقم بعد الاستقلال، خاصة في الدول الإفريقية، لأن الحياة الاجتماعية مثقلة بالنظام الاجتماعي التقليدي.

وفيما يخص مسألة الوعي من عدمه، أجد القضية معقّدة، لأن متابعتي تُبين أن هذا النظام موجود في كلّ المجتمعات المتخلّفة تحت أشكال مختلفة، ولكنه مغيّب، أي أننا نجهله وفي الوقت نفسه نرفض الاطلاع عليه.

في كتابكم “نظرية المواجهة النفسية الاجتماعية – مصدر المجابهة”، يظهر أن كلّ مشاكل مجتمعاتنا مصدرها ما سميتموه بـ “النظام الاجتماعي التقليدي”، هل تشرحون للقارئ هذا النظام بشكل دقيق؟

سبق لي وذكرت أن هذا النظام هو “أقدم نظام بناه الإنسان عبر التاريخ”، القضية معقدة نوعا ما ولها صبغة أكاديمية. هذا النظام معقد في حدّ ذاته وينجم عنه نمط الحياة الاجتماعية الذي نعيش عليه – خصوصا في العائلة – غير أننا لا نربط بين نمط الحياة هذا – الذي نعيشه – والنّظام الذي يلعب دور منبع بالنسبة إليه. والنظام الاجتماعي التقليدي كتعبير هو مفهوم علمي، استنتاجا لمتابعة جعلتني أبيّن أن المجتمعات المتخلفة والإفريقية خاصة، قائمة على نظام يتكوّن من سبعة أجزاء. في هذه النظرية أثبتت أن لهذا النظام ستة أجزاء، لأنني كنت أجهل الجزء السابع وسأبيّنه في عملي المقبل، ما يعني أن هذا النظام معقد للغاية ومتابعته تشترط على الباحث أن يبقى متواضعا ومتفطنا للإحاطة به.

ما هي أجزاء النّظام السّبعة التي توصلتم إليها؟

أوّلاً: القداسة. ثانيًا: الثقافة (والجزائري يثبت أنه ليست لنا أية ثقافة ولا نظام وفي الوقت نفسه نتكلم عن المجتمع، وهنا تكمن الغرابة، لأنه منطقيا إذا تكلمنا عن مجتمع لابدّ أن يكون هناك نظام، فأي مجتمع يتمحور حول نظام معين: عصري، تقليدي، أم شيء من نوع آخر يجب أن نحدده..). ثالثا: نمط تسيير الطاقة البشرية المهمل. رابعًا: التركيب الذهني. خامسًا: نمط الانتماء الاجتماعي. سادسًا: التّنظيم الاجتماعي المحكم. سابعًا: البنية الاقتصادية. كلّ هذه الأجزاء متداخلة ومتكاملة بطريقة تجعل هذا النظام قائما وميزته أنه خفي، سري لأسباب دقيقة.

ما هي هذه الأسباب؟

هذا النظام قائم على تقلّبات المحيط الجغرافي والمناخي منذ القدم، لا يمكن الاطلاع على سرّ بناء هذا النظام دون الأخذ بعين الاعتبار تقلبات المحيط الخارجي، هذه التقلبات ليست وليدة اليوم، ولا هي خاصة بمنطقة عوض أخرى: كالزلازل، البراكين، القحط، الأوبئة، إلخ. كلّ هذا يؤثّر على حياة الأشخاص والجماعات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فاستنتج ممثلو هذا النّظام أن كلّ وسائل الحياة وأخطار الموت تنجم عن المحيط الخارجي، وهذا إلى غاية اليوم، فشرائح كبيرة من مجتمعنا لديها يقين أن الأمراض الجسدية أو النفسية مثلا التي تصيب الإنسان ليست بسبب خلل عضوي أو نفسي داخلي، وإنما بسبب تدخل خارجي، كمسّ الجن مثلا.

هكذا يقين ما هو مصدره في رأيكم؟

هذا راجع إلى ما يلي: كانت تقلّبات المحيط الخارجي في المجتمعات المتخلّفة ومازالت تؤثر مباشرة على وسائل الحياة وأسباب الموت، فاُستنتج أن كلّ شيء يأتي من المحيط الخارجي، وتساءل الإنسان من أين أتت هذه التقلبات، فرُبطت بتقلبات أهواء قوى غيبية، وحّدها الإسلام في مفهوم واحد هو: الله. وهنا تبرز علاقة عنصر القداسة الذي أشرنا إليه مع الدين، والأخير هو تنظيم للقداسة، وهنا نجد أن الإسلام دعم النظام الاجتماعي التقليدي رغم أنه في الحقيقة جاء ليقضي عليه.

من كتب سليمان مظهر

تعود جذور النظام الاجتماعي التقليدي الذي تفسرون به تخلّف مجتمعنا، اليوم، إلى ما قبل الإسلام؟

طبعًا، إنه يُراود الحياة منذ بدايتها، الإسلام فتي بالنسبة للنظام الاجتماعي التقليدي.

إلى أي درجة استفاد هذا النظام و”العصبية” من بعضهما البعض؟

العصبية عنصر من العناصر الأساسية لهذا النّظام، والعصبية استفادت من الإسلام لكي تصبح وسيلة للتّناوب على الحكم، هذا ما لم يقله ابن خلدون، الذي لا أتّفق معه في نقاط مختلفة خصوصًا وأنه أحاط بالتّناوب على الحكم وأبرز العصبية كوسيلة للوصول إلى الحكم ولكنه لم يربطها بالنّظام الاجتماعي التقليدي، لأن ثقلها الاجتماعي وبُعدها السّياسي مرهونان بهذا النظام وبابتلاعه للإسلام. وهذا ما لم يشر إليه لا ابن خلدون ولا محمد أركون – لكي أشير إلى أول وآخر باحثين ينتميان إلى منطقتنا آخرهما غادرنا مؤخرا – كلاهما سكتا عن هذا النظام.

سكتا أو لم ينتبها؟

لا أظنّ أن ابن خلدون لم ينتبه، ولا محمد أركون أيضًا. لأن الأوّل تحكم بطريقة دقيقة في وظائف العصبية في التناوب على الحكم، وأركون أشار في ذيل كتابه “الإنسانية والإسلام”، عن طريق ملاحظة تتعلّق بحادثة عاشها في قريته عندما كان صغيرًا، لو أنه عالج هذه الملاحظة علميا وبدقة لكان هذا “رأس الخيط”، كما يقال بالدارجة للتفطن لوجود وتحكم النظام الاجتماعي التقليدي في الحياة الاجتماعية.

ما هي هذه الملاحظة؟

تحدث عن محاضرة ألقاها في بلدة بني يني حول المرأة، وغضب منه والد مولود معمري – شيخ القبيلة في ذلك الوقت – لأسباب مختلفة، وقال له في السياق نفسه ليس لك الحق في الحديث عن هذا الأمر، وإذا كان لابدّ أن يتحدث شخص ما من القرية عنه فمن الأولى أن أكون أنا أو “داداك” (يعني سيدك)، قاصدا بذلك مولود معمري.

في هذا السّياق، هل لهذا المجتمع التقليدي عداءً للأنثى؟

لا، قيلت أشياء كثيرة حول المرأة في هذا الشّأن، خصوصا ما يتعلّق بخضوعها للرجل، وشخصيًا لست متفقًا إطلاقا مع هذا الطّرح الذي يعززه أصحابه بغياب المرأة عن الساحة الاجتماعية في الليل، نهاية الأسبوع أو العطل الرسمية والأعياد.. وغيرها. حقيقة المرأة تنطوي إلى بيتها مع انتشار الظلام، الذي يعد مؤشرًا على الخطر، ولكن حتى الرجل ينطوي إلى حيّه، على الأقل، وهنا تبرز قوة تكيّف النظام الاجتماعي التقليدي مع مختلف الأوضاع، فهو حي له حيوية خارقة تعزز لديه قوة التكيف مع مختلف الأوضاع، وهذا شرطه الأساسي، فإذا ركزنا مثلا في مسألة خروج المرأة ليلا عند توفر سيارة خاصة، يصبح الأمر ممكنًا، لماذا؟ لأن السيارة مغلقة وبالتالي تحميها من الأخطار الخارجية، فهي تشبه البيت.

 

“العنف “لم يصبح” وإنما “كان ومازال”. من قال إن مجتمعنا في السّابق كان خاليًا من العنف فهو يجهل أمورنا”

 

اشتغلتم على ظاهرة العنف في المجتمع الجزائري لأكثر من أربعة عقود، وأكدتم أنه أصبح جزءًا من شخصية الفرد، فهو يتحدث بصوت عالٍ ويصفِق الباب بدل غلقه.. وغيرها من السلوكات، اليوم، كيف تجدون هذه الظاهرة؟

العنف “لم يصبح” وإنما “كان ومازال”. من قال إن مجتمعنا في السّابق كان خاليًا من العنف فهو يجهل أمورنا، لأن التناوب على الحكم في منطقتنا لم يتم أبدًا دون عنف. وقيل إن مجتمعنا كان هادئا مسالمًا إلى أن برز ما يُسمّى بالإرهاب، وأنا لا أسميه لا بالإرهاب ولا بالجهاد وإنما بـ “العنف المسلّح”، حتى لا تختلط الأمور ونتناولها بطريقة علمية. قلت إن ظاهرة العنف كانت في مجتمعنا منذ القِدم، وحسب إطلاعي أول من أشار إلى وجوده في منطقتنا هو ابن خلدون.

أشرتم في كتاب لكم إلى سميتموه بـ “العنف المسلّح تحت راية الإسلام” إلى ارتباط الإسلام بظاهرة العنف “التاريخ… والنصوص الدينية والعلمية تؤكد أن العنف المسلّح عنصر من عناصر الإسلام، وعامل من عوامل انتشاره.. “، ألا ترون أن هناك قسوة في هذا الحكم، فهناك نصوص دينية وتاريخية تشير إلى حثّ الإسلام على الرحمة، المحبة، السلام  وغيرها من المفاهيم المنافية للعنف؟

لا أقول العكس، ولكن بصفة دقيقة لا يمكن إخراج العنف من الإسلام، أو إثبات أن الإسلام خالٍ من العنف، كما يستحيل تقليص الإسلام للعنف.

تقصدون أن الإسلام معتقد عنيف؟

إني أثبت أن العنف من بين العناصر التي يتكوّن منها الإسلام.

إذن، العنف مركب أساسي في الإسلام؟

لا أقول أساسي أو غير أساسي – وهذا ليس هروبا من السؤال – أنا لم أُقارن العنف بالعناصر الأخرى التي يتكوّن منها الإسلام حتى أقول إنه أهمّ أو أقل أهمية، لكن ما أستطيع إثباته هو أن العنف عنصر من عناصر النّظام الإسلامي، وهو موجود في القرآن، العنف كمفهوم علمي. يجب أن نخرج من قوقعة المفاهيم السياسية الأيدولوجية والتقويمية، لذلك قلت سابقًا لا أقول إرهابًا ولا جهادًا وإنما هو عنف مسلّح. ومن بين ميزات العنف التابعة للإسلام وغيره من الأديان السماوية كلها نجد مفهوم “جهنم”، وهذا عنف، ومن شك في الأمر يدخل منزله ويوقد نارًا ويضع يده عليها، فإن صرخ فهو عنف وإن لا “فليشوي ويأكل”.

من يوظّف الإسلام للوصول إلى الحكم؟

المسلمون، وبصفة أدق في حديثنا هذا الجزائريون، وهذا لم يشر إليه ابن خلدون رغم أنه تابع التّناوب على الحكم. الوصول إلى الحكم المركزي، بمعناه الذي نعرفه إلى حد الآن ناجم عن الإسلام في منطقتنا، لأنه قبل الإسلام النّظام الاجتماعي التقليدي كان ومازال يحتوي على تنظيم اجتماعي جزئي قبلي، وإذا عدنا إلى كتاب “العبر وتاريخ البربر” لابن خلدون نستنتج أن العلاقة بين القبائل كانت إما تحالفا أو خيانة، أي أن القبائل لا تذوب أبدا لتكوّن أمما.

هل مازال هذا المفهوم قائما؟

مازال كما هو، وهذا ما أسميه بـ “الشبكات العلاقاتية”، القبيلة تطوّرت، فلم تبق على صيغتها القديمة، أصبح فيها شبكات عائلية وأخرى اجتماعية.

هل هذه مسألة إيجابية أم سلبية اجتماعيا؟

هذا نجده في كلّ المجتمعات لكن حسب وظيفته، في مجتمعنا أنا أربط التخلف مباشرة بهذه التجزئة الاجتماعية، ومن قال إن تخلفنا سببه الاستعمار فإنه مُخطئ، الاستعمار خبيث في حدّ ذاته لكن يجب ألا ننسب له ما ليس منه، “الجهوية” أو التجزئة الاجتماعية من صنعنا نحن، ربما استفاد منها المستعمر أو عقدها، لكنه لم يتسبب فيها.

 

“لا يوجد في نمط الحياة التقليدية “القبيلة” مناصب مسؤولية، كل الناس سواسية، فكيف يصبح شخص ما حاكما في قبيلته؟”

 

هل تعتقدون أن الدول ذات التاريخ الاستعماري كالجزائر، مصر، المغرب.. لا علاقة لتخلفها بماضيها كمستعمرات؟

يقال دائمًا إن سبب تخلّف هذه الدّول هو الاستعمار، لكن الآن يجب أن نحدد المفاهيم، هل جاء الاستعمار ليحدث نهضة لنا أم جاء لاستغلالنا؟ وإذا كنا مقتنعين أنه جاء لينهض بنا حينئذ نؤنبه على ما نحن فيه.

كيف ترون تأثير سنوات التسعينيات من القرن الماضي، بالجزائر، على المجتمع؟

المتابعة العلمية تبيّن أن هذه الفترة دعمت نمط الحياة التقليدي، انطوينا فيها أكثر على أنفسنا ولم نستطع التّفتح على التجديد والعصرنة المحيطة بنا.

تقصدون الفرد أم الجماعة؟

متابعة حياتنا الاجتماعية تبيّن أن العائلة تشكل المؤسسة الأساسية في مجتمعنا إلى حدّ الآن، وهي القاعدة الاجتماعية للنّظام الاجتماعي التقليدي، هذا النظام الذي يُنقل عبر الأجيال بواسطة التربية التي تسهر الأمهات عليها، لذلك قلت سابقا إنه لا يجب أن ننخدع باعتبار المرأة محتقرة في هذا النظام.

لكنك اتهمت الأمهات في آخر أعمالك أنهن يستولين على الطاقة الوجدانية للأبناء؟

طبعا.

هل يعني أن الأم الجزائرية تضرّ بأبنائها بطريقة تربيتها لهم؟

لا أقول إنها تضرهم، لكن هي تنفع نفسها. القضية معقدة، لنا مشاكل حقيقية فيما يخص المتابعة العلمية، إننا نحاول أن نتابع حياتنا الاجتماعية بمفاهيم وما ينجم عنها من تصوّرات علمية قائمة على الفرد، لأن معظم الأدوات العلمية التي نستعملها مستوردة من مجتمعات يشكل فيها الفرد نواة اجتماعية مستقلة بذاتها، لكن عندنا الفرد ذائب في الشبكات العلاقاتية، وعاجز عن الانفصال عن الجماعة، فهو لا يستطيع القيام بشيء دون دعمها، كأن نقول “فلان نتاعنا” في التعبير الدارج، لذلك يُنظر إلى الفرد من قبل العائلة والشبكات كمِلك لها. وهذا ما يفسر السلوك الجزائري الذي أصبح شائعا، المتعلق ببحثنا دائما عن شخص من محيطنا لحل أي مشكل يصادفنا في مؤسسة ما “عندك معريفة في المكان الفلاني”.

لذلك أريد فتح قوس نعود فيه لمسألة الحكم، حيث لا يوجد في نمط الحياة التقليدية “القبيلة” مناصب مسؤولية، كل الناس سواسية، فكيف يصبح شخص ما حاكما في قبيلته؟ بواسطة استعمال الآليات النفسية الاجتماعية التقليدية، التي حصرتها في المدة الأخيرة في متابعة التركيب الذهني.

وما هي أهمّها؟

الحيلة، الكذب، التلاعب، الاختلاس، الضغط…

هل تريدون القول إن هذه الأمور كانت دائما موجودة وهي الوسيلة للوصول إلى القيادة في القبيلة؟

نعم.

لكن في “نظرية المجابهة” تتحدّث عما تشهده المجتمعات، اليوم، من انهيار للقيم؟

كلا، هذه ليست القيم وإنما الآليات. المشكل المطروح الآن هو أننا تخلّينا عن المعالم الاجتماعية، خصوصا القيم منها، واندثارها وعدم تعويضنا لها سبب حرية الآليات التي أشرنا إليها، فأصبحنا نستعملها دون تردد ولا تحفظ. الجزائري في العشرية الأخيرة أصبح شغله الشّاغل مصالحه الخاصة والآنية، التي لا يربطها أبدا بالمصلحة العامة، ماعدا حالات شاذة ليس لها وزن اجتماعي، فتعقد أمرنا أكثر.

هل تعتقد أن الجزائري كسول؟

لا، ليس كسولا، لأنه عندما يتعلق الأمر بمصلحته الخاصة يتحرّك بطريقة خارقة للعادة.

ما هو سبب وضعنا الحالي، إذن؟

لأننا نهمل المصلحة العامة، لا نربط مصالحنا الخاصة بالمصلحة العامة.

بهذا الطّّرح، ترون أن مشكلة الجزائريين في أنانيتهم؟

هناك ما أسميه بـ “الفردانية الضّيقة” التي تجعلنا نهتم بالتحصيل بقطع النظر عن كل الاعتبارات الأخرى.

ما مدى ضرر، ما سميتموه بـ “الفردانية الضيقة” بالمجتمع الجزائري؟

تؤثر على استقرار الفرد والجماعة، والدليل أن القاسم المشترك بين الجزائريين أصبح تقريبا منعدما، كل ما يخصّ المصلحة العامة مهمل، والجزائري يعيش في قلق مستمر.

ما مصدر هذا القلق؟

ماذا تريدين أكثر من اهتمام كلّ واحد منا بمصالحه الخاصة، التي هي في تجدد بشكل مستمر.

تعتقدون أن المشكل في الأفراد فقط؟

الأفراد يكوّنون الجماعات، وهذه الأخيرة تتشكل من الشبكات الاجتماعية.

هذه الشبكات هي التي لم تسمح لمفهوم دولة القانون والمؤسسات أن يتطوّر بشكل صحيح عندنا؟

هي عائق مباشر، لأن الدولة لا تقوم إلا إذا كان القانون قائمًا، والقانون محطّم في مجتمعنا، هذه مشاكل حقيقية يجب أن نعترف بها وبأنها ليست من تبعات الاستعمار، وإنما من توابع نظامنا الاجتماعي، الجزائري منذ القدم لا يطبق القانون حتى يعجز عن خرقه ولو كان دينيا.

يعيش العالم العربي ما بات يُعرف بثورات الربيع العربي، هل تعتقد أنه وقت الانتفاضة في وجه النظام التقليدي؟

التّغلب على هذا النظام مستحيل، كما يستحيل التّخلي عنه، لأنه لديّ معطيات تبيّن أنه يسكن الفرد والجماعة. وما يجب القيام به هو إعادة الاعتبار لهذا النّظام والكفّ عن تغييبه، ونعترف بوجوده لأن حياتنا قائمة عليه، لذلك لابدّ من الإطلاع على مضمونه وتطوره، واستيعاب كيف أدى إلى نمط حياتنا الحالي، ثم نشخّص المشاكل التي تنجم عنه، وحينئذ نهتم بالتدابير السياسية والاقتصادية، إلخ، التي يجب أن نتخذها لنغيّر أمورنا وفي الوقت نفس نبقى جزائريين، وهذا يتطلب جهدا وتجنيدا وطبعا وعيا.. يجب على المختصين في العلوم الاجتماعية أن يكفوا عن استيراد المعلومات وإعادتها كالببغاء، لابدّ من الإطلاع على ما ينجزه الزملاء في الخارج، لكن يجب أن نشارك في تجديد المعلومات.

في هذا السياق، اعترف باحثون في ملتقى علمي من تنظيم مخبر “الكراسك” بوهران، بوجود عجز معرفي لدى علماء الاجتماع الجزائريين بالنسبة لمجتمعهم؟

هذا صحيح، لكن الاعتراف غير كافٍ، يجب أن نفهم السرّ وراء ذلك، لأن العلوم الاجتماعية مبنية على أساس المجتمعات المتطوّرة، ونأتي بمعلومات منها لنوظفها في متابعة مجتمع متخلّف، ولهذا اُرتكبت أخطاء جوهرية في هذا المجال. لابد، أولا، من التّفطن إلى أن المجتمعات متشابهة مثل تشابه الإنسان، يولد، يشب، يشيخ، يموت.. لكن المضمون يختلف لأن القضية مرتبطة بالطاقة البشرية التي هي نفسها عند جميع البشر، لكن توظيفها يختلف حسب المجتمعات، وحسب الفترات التاريخية، وخصوصا حسب نوعية المجتمع متطوّر أم متخلّف كان، لأنه لا يقوم أي مجتمع إلا من خلال توفر شرطين، النشاط (مهما كان نوعه) والشبكات العلاقاتية. الفرق في تركيب هذين الركيزتين، في المجتمعات المتطوّرة نجد أن النشاط يحتل المكانة الأولى في سلم القيم الاجتماعية والشبكات العلاقاتية تدعم النشاط وتحث عليه. لكن في مجتمع كمجتمعنا نجد أن الشبكات العلاقاتية هي التي تحتل المكانة الأولى ونتخلى عن النشاط (خصوصا بمعنى الإنتاج) كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ونوظف المواسم الدينية والواجبات العائلية.. وغيرها لتبرير ذلك.

إلى أي مدى ترون جاهزية بلد كالجزائر للمشاركة فيما أسميتموه ﺑ “المغامرة الإنسانية”، التي تفرضها المعطيات العالمية الجديدة على الشّعوب، خاصة الضّعيفة؟

لم أحلل هذا الجانب، لكن مجتمعنا ليس مهيأّ إطلاقا ليكون عنصرا حيويا في النظام الدولي الجديد.

إذن نحن معرّضون لفقدان الهوية؟

نعم، إننا معرّضون للذوبان الاجتماعي إذا لم نتحرّك لنمتثل لشرط لا مفر منه، هو المشاركة في “المغامرة الإنسانية”، ولن نستطيع المشاركة ونبقى جزائريين إلا إذا وظفنا نظامنا الذي نقوم عليه منذ القِدم.

كنفساني اجتماعي عندما تمرّ في الشوارع الجزائرية ما هو أكثر شيء يثير انتباهك؟

الضّجيج، عدم احترام الآخر.. الجزائريون يلتقون، يقبلون بعضهم البعض ويظهرون نوعًا من الحميمية، لكن في الحقيقة كلّ واحد يحطم معنويات الآخر، لا نتعاون مع بعضنا ونكذب على بعضنا البعض.. الكثير من الممارسات الاجتماعية المعادية لشروط الحياة الاجتماعية.

ثقافة “خلي البير بغطاه” التي تكلمتم عنها في كتابكم، إلى أي مدى فاقمت مشاكلنا؟

منذ سنوات لا يمكن تنظيم أو تسيير أي قطاع اجتماعي دون توظيف معلومات علمية، التي هي نتيجة للبحث العلمي، وهذا الأخير ممنوع في نمط الحياة التقليدي المبني على الامتثال الاجتماعي “واسي كيما جارك ولا بدل باب دارك” هذا شرط قديم، ويقال “خلي البير بغطاه” والبحث العلمي يسعى لتكسير كل الأغطية لمعرفة ما يوجد في الداخل.

ألا تزال مقتنعا أن النفساني الاجتماعي شخص غير مرغوب فيه في مجتمعاتنا؟

طبعًا، لأنه ينطلق من الممارسات الاجتماعية، والجزائري معادٍ للتساؤلات، لإعادة النظر، للانتقاد.. نحن الجزائريون نختلف مع بعضنا البعض، ونتصارع مع بعضنا البعض، لكن لا ننتقد بعضنا أمام شخص أجنبي، وهذا مشكل حقيقي.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بختي بن عودة: أنا زمن رمزي

تزامنت ذكرى رحيل مفجع لبختي بن عودة مع رسالة واجهت وجهرت وابتعدت عن التّبرير والتّعليل.. …

جسد المرأة بين السّلطة والمال

سعاد زاهي في البداية وُلدتِ فتاة، حسناً، هذا أمر جيّد إلى حين، في مجتمع مازال …