الأربعاء، 26 فبراير 2020

الثورة وصدماتها اللغوية!

رشيد فيلالي

كان ﻟ “الثورة الفرنسية” هزّات ارتدادية مسّت جميع المجتمعات الإنسانية، وطبعًا كان أيضًا لهذه الثّورة تأثيرات طريفة وصدمات مثيرة على اللغة والعقلية الفرنسية.

وقد لا نتصوّر مثلاً أن كلمة الثورة ذاتها وقع لها ثورة دلالية، بحيث انتقلت فيه من النّقيض إلى النقيض، إذ أن كلمة ثورة(révolution) مشتقة أصلا من الفعل اللاتيني(revolver) الذي يعني..العودة إلى الوراء!

في حين أن المعنى المتداول اليوم هو عكس ذلك تماما، أقصد أن الثورة في المنظور الراهن تعني التغيير الشّامل عن طريق السّلم أو العنف لتحقيق التقدم.

هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن الثورة الفرنسية التي تنشد الحرية والإخاء والمساواة مثلما ينصّ على ذلك شعارها المعروف، حاولت إحداث تغييرات جذرية على شتّى المستويات الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية وقلدتها في ذلك الكثير من المجتمعات بطريقة شبه قرداتية، ومن هنا حاول الفرنسيون تكريس القطيعة مع الماضي بكل محمولاته التاريخية ورساميله الرمزية، ولعل من أطرف التغييرات التي حاول الثوريون الفرنسيون تجسيدها بدون نجاح طويل على أرض الواقع، تغيير الرزنامة الزمنية وأسماء الأيام والشّهور وحتى المدن.

مثلا من المدن الفرنسية الكبرى التي تم تغيير أسمائها “ليون” التي صار اسمها الجديد “فيل أفرونشي Ville-Affranchie” و”سانت إتيان” صار اسمها Armes-Villes بسبب كثرة الثكنات ومصانع الأسلحة بها، والغريب أن الثوريين لم يتحملوا حتى اسم النبل Noble في اسم مدينة Grenoble فحولوا الاسم إلى Grelibre. ومدينة “فيرساي” موطن القصور والأبهة الملكية، صارت تسمى “مهد الحرية” Berceau-de-la-Liberté. لكن ربما أغرب ما أطلق على المدن الفرنسية من أسماء في رأيي هو ذلك الذي سميت به مدينة “مرسيليا” وهو Ville-sans-Nom أي.. مدينة بدون اسم!!

كلّ هذه التغييرات التي مسّت المدن المذكورة جاءت على شكل عقوبة رمزية لأهلها الذين كما يزعم الثوريون لم يساهموا في الثّورة بالمستوى والتجاوب المطلوب، كما أن الثوريين كانوا يرمون إلى محو كلّ الرّموز والآثار التي تدلّ وتحيل على كلّ ما هو ملكي وديني مسيحي على الخصوص، علمًا بأن جلّ المدن الفرنسية كانت ولا تزال تحمل اسم قديس أو قديسة فرنسية، وتقرن عادة أسماؤها باستعمال وصف “سان”على وجه التحديد.

الثّورة غيّرت اللغة وفشلت في تغيير الرزنامة الزّمنية

ومن الطّريف أن حمّى الثورة والتغيير مسّ الرزنامة الزمنية في الصّميم، مثلما أشرنا أعلاه، بحيث غيرت أسماء الشهور والأسابيع والأيام، كما عدل التوقيت فلم تعد الساعة تساوي 60 دقيقة بل 100 دقيقة والدقيقة تساوي 100 ثانية، واليوم يتكوّن من 10 ساعات، والأسبوع من 10 أيام والشّهر 30 يوما، والعام 10 شهور تساوي 360 يوم، ثم يتم تكملة الأيام الستة أو الخمسة الباقية بأسبوع إضافي يسمى (Sanculotides). وهذا نظام تقويم قديم جدًا وليس جديدا، حيث اعتمده أول مرة الفراعنة وليس هذا فقط، إذ ألغى الثوريون بدء العدّ التاريخي من زمن ميلاد المسيح عليه السلام، وأضحى بقرار آخر منهم يبدأ من العام الذي تم فيه إعلان الثورة الفرنسية، وهو تحديدا  1792 ورأس السّنة من ثمة أصبح يبدأ من الاعتدال الخريفي الموافق لتاريخ 22 سبتمبر!!

ولحسن الحظّ أن هذه الرزنامة الغريبة لم تستمر طويلا، وقد ألغاها نابوليون بونابرت، علما بأنها استمرت من 5 أكتوبر 1793 إلى غاية 31 ديسمبر 1805.

ومن المعروف أن التقويم الذي يحدّد أيام الأسبوع بسبعة أيام مأخوذ أصلا من الكتاب المقدّس وكلمة أسبوع العربية تدل على السّبعة أيام، والأمر نفسه في اللغة الفرنسية (semaine). وقد اعتمد الثوريون الفرنسيون على تسمية أيام الأسبوع على غرار ما حدث مع الأيام العربية، الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء والخميس والجمعة(اسم الجمعة من الجمع لصلاة الجمعة) والسبت تسمية مأخوذة من العبرية، وتعني الراحة والسكينة وهو يوم عطلة لدى اليهود، أما بخصوص التسمية الفرنسية أيام الثورة فهي على التوالي: Primidi-Duodi-Tridi-Quartidi-Quintidi-Sextidi-Septidi-Octidi-Nonidi-Dicadi.. وكلها أرقام من واحد إلى عشرة باللغة اللاتينية، وطبعا كلمة DI تعني اليوم.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …