الأحد، 16 يونيو 2019

“ما نسوطيش”.. لماذا هزمكم “دي زاد جوكر”؟

محمد علاوة حاجي

رئيس الجمهورية بوتفليقة وجّه رسالةً إلى الجزائريين عشيّة الانتخابات الّتشريعية.

ليس في الرّسالة ما يسترعي الانتباه؛ فالرّئيس دعا الناخبين –كما هو مُتوقَّع – إلى التوجّه “بكثافة” إلى صناديق الاقتراع، وذكّر – كما هو معتاد – بـ “نعمةِ الأمن” التي ترفل فيها البلاد.

و”نعمةُ الأمن” هذه هي بيت القصيد في معلَّقة التّخويف التي لم تعد السّلطة تستحي برفعها مذ باتت تلوّح بالإرهاب تارةً، وبالناتو تارةً أخرى، في وجه كلّ مواطن لم تعد في قلبه ذرّة إيمان بها.

لعلّ ما يشدّ الانتباه هو توقيت الرّسالة لا غير. لا أعني تزامنها مع بدء تصويت الجالية الجزائرية في الخارج، بل توجيهَها بعد ساعاتٍ من إطلاق المدوّن الشّاب، شمس الدين العمراني، المعروف باسم “دي زاد جوكر”(DZjoker)، فيديو ثورياً بعنوان “ما نسوطيش“، شكّل ردّاً بليغاً على حملة “سمّع صوتك” سيّئة الذكر.

ركّز خطاب الرّئيس على فئة الشّباب في محاولة أخيرة لإنقاذ الاستحقاق الانتخابي من شبح العزوف، وهو ما يتّضح من اختيار وزيرة “طفلة” لقراءته خلال ما سُمّي بـ “مؤتمر المجتمع المدني دعّامة للصرح الديمقراطي”. وهذا يُضاعف الشكوك في كونها، أي الرسالة، إنما جاءت ردّاً على فيديو “دي زاد جوكر”!

لعلّه استنتاج سخيف، أو لعلّني أُبالغ؛ إذ هل يُعقل أن تتحرّك الدولة، ممثّلةً في رئيس الجمهورية نفسه، للردّ على فيديو لشاب هاوٍ لم تتجاوز مدّته أربع دقائق؟!

لكن الحقيقة هي أن تلك الدقائق الأربع نسفت ما قامت به السلطة في أربعة أشهر، وزلزلت الرّأي العام وأحدثت فيه تأثيراً لم تُحدثه كلّ الحملات والخطابات الرسمية مجتمعةً. خلال 24 ساعةً فقط، حقّق الفيديو ملايين المشاهدات والمشاركات، وتناقله الشّباب الجزائري في جهات البلاد الأربع، وفي مشارق الأرض ومغاربها.

لماذا ينجح عملٌ لعلّه لم يكلّف سنتيماً واحداً ويُخفق آخر بُذّرت فيه الملايين؟ كيف يهزم شابٌ بسيط ترسانةً كاملة تملك المال والإدارة والإعلام؟ الإجابة هي أننا أمام مُعادلةٍ بسيطة طرفها الأوّل شباب واعٍ ومبدع وصادق، والثاني سلطة مترهّلة ورديئة وفاسدة وكاذبة.

“ما نسوطيش” يُدينكم ويكشف حجمكم الحقيقي، يفضح مدى قوّتكم وتأثيركم، عجزكم حتّى عن ابتكار حملة لائقة بلا صور مسروقة، إفلاسكم إلّا من خطاب التخويف والتخوين.

شمس الدين العمراني، المعروف باسم “دي زاد جوكر”

“ما نسوطيش” فضح مستواكم حتّى حين هرعتم للردّ عليه. فهذا وزير الشؤون الدينية، محمد بن عيسى، يقول كلاماً سخيفاً ويُخاطب الشّاب بلغة غير لائقة، ثم يعرّج على زميله أنس تينا، متّهماً إياه بـ “بالإساء لأصحاب الرسول” لمجرّد أنه اقتبس عنوان عمله من فيلم “الرسالة”. وهذا صدّيق شهاب يقول كلاماً أسخف منه؛ حين يُشهر تلك التّهمة الجاهزة، الأيادي الأجنبية، مستنداً إلى دليل قاطع، هو جودة الفيديو! لعلّ المسكين لا يعرف أن السلطة وحدها من لا زالت تنتج الرداءة وتسوّقها.

نكذّب أرقامكم ونصدّق “دي زاد جوكر” حين يشخّص، بكلمات تدمي القلب، واقع التعليم والجامعة والصّحة والعدالة والإدارة والرياضة والسّكن والعمران والنّقل والسّياحة والاقتصاد ووو، لأننا، على العكس منكم، نعيش في أحياء الجزائر ونمشي في أسواقها وندرس في مدارسها وجامعاتها ونعالج في مستشفياتها ونتنقّل في طرقاتها ونهرم في إداراتها.

نكذّبكم لأن الرئيس يدعو النّاخبين، في رسالته، إلى الاختيار في “كنف الحرية والديمقراطية”، وأمينُ عام الحزب الذي يرأسه “شرفياً” يعِد بأن “جبهة التحرير الوطني” سيستمر في حكم الجزائر للمئة سنة المقبلة على الأقل.

نكذّب وعودكم بالتغيير ونصدّق “شمسو”، لأننا نرى قوائم تُباع وتُشتَرى ومقاعدَ يتكالب عليها الأميّون والجهلة والفاسدون والمتسلّقون، وبرلماناً صورياً، ونوّاباً غائبين أو نائمين أو يرافعون من أجل الراتب والمِنح وجواز السفر الديبلوماسي والحصانة.. لأننا رأينا نائباً يُمنَع من الكلام بسبب مداخلاته تحت قبّة البرلمان، ولأننا لم نر سوى نائب يتيم قال: “أستقيل حتى لا أفقد احترامي لنفسي واحترام الجزائريين الذين انتخبوني لتمثيلهم”.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …