الخميس، 29 أكتوبر 2020

عبد الحميد بن هدوقة : الوعي النافذ والرؤية المضيئة

في حوار أجراه الكاتب المصري أبو المعاطي أبو النجا، مع الروائي الجزائري الراحل عبد الحميد بن هدوقة (1925 – 1996) ونُشر في شهر فيفري عام 1987 بمجلة العربي الكويتية، تحدّث بن هدوقة بإسهاب وبنظرة متفحّصة، تنطوي على اتزان معرفي، وسعة أفق، وإدراك شامل، عن أبعاد تجربته الروائية ومضامينها المعرفية والفكرية، الملتصقة بهموم وتحوّلات المجتمع الجزائري بعد الاستقلال، وما اكتنفَ تلك المرحلة من تجاذبات سياسية وإيديولوجية وشعارتية طاغية، طفت على السطح، وَرهَنَت آمالَ وتطلعات الشعب الذي كان يبحث بخطى واهنة، عن اتجاه صائب، يُنير له المسالك والاتجاهات، بعد مرحلة مخاض عسير إثرَ حرب ضروس، أَشّرَت لاندحار قيّم قديمة، ونشوء قيّم جديدة لم تتضح ملامحها في الأفق بعد!  وتغدو هذه الوضعية أشبهُ بالزورق التائه الذي فقد بوصلته، فغدَت تتقاذفه الأمواج من كل الجهات ذات اليمين وذات اليسار.

في الحوار المُشار إليه يضيء بن هدوقة لمُحاوره الذي – يبدو هو الآخر مُطلع على أعماله الروائية-  قائلاً:  «إنَّ أي ممارسة إبداعية وروائية تكون بمنآى عن الشعب، وقفزًا على تراثه ومقوماته… تكون ضربا من العبث واللاجدوى. مثلما يدعي ذلك دعاة التقدم والحداثة.. ذلك أن قطع الصّلة مع الموروث أشبه ما يكون بنزع الشجرة عن عروقها، فهل يمكن –يقول بن هدوقة مواصلاً- فصل الشجرة عن جذورها واجتثاثها من التربة الأصلية التي أينعت ورأت النور فيها أوّلَ مرّة…»

عبد الحميد بن هدوقة

ويلقي أيضا باللائمة على أصحاب النظرة الأصولية المتزمّتة، ممن يريدون إعادة المجتمع إلى كهوف الماضي، والارتكان إلى الموروثات البالية. كما لو أنه في عُرف هؤلاء تمائم سحرية تساعد على النجاة والخلاص ! ولم تفرز لنا هذه الوضعية، غير المزيد من الأعطاب والانكسارات…تُرى ما هو الحل؟ والرؤية التي يُبَصّرُنَا بها صاحب رائعة «ريح الجنوب» لاتخاذ مسار، يقلص من عثرات الدرب، ويُجَنبنا مزالق الطريق؟ يتحدث عن روايته «الجازية والدراويش» (1983) التي تُعدّ قطيعة مع رواياته الكلاسيكية السابقة «ريح الجنوب» (1971)، «نهاية الأمس» (1975)، «بان الصبح» (1980) من حيث البناء والشكل والتلاعب بالأزمنة وتوظيف الأسطورة.  يقول : «إن الأحمر والدراويش في الرواية، لا يمثلان الجزائر، التي نَرومُ لها أن تُحقق وثبة تاريخية نحو المستقبل، ومتصالحة مع مكوّنات ماضيها الحي، الذي يُمكّنها من الانطلاق نحو ضفاف أكثر أمنا واستقراراً. ذلك أن كليهما منفصل عن إيقاع العصر اللاهث ودبيب اللحظات المتسارعة، ونظرتهما أحادية الجانب وقاصرة الطرف. رغم حسن النوايا ونبل الأهداف والمقاصد التي يتوخونها. إن من يرث الجزائر هو جيل حجيلة، و الطيب بن الأخضر الجبايلي، والمهاجر عائد. وكذا المتطوّعة الطلابية صافية صديقة الطيب السجين. هؤلاء هم من يُناطُ بهم حمل الجزائر في القلوب وعلى الأكتاف…»

تبدو هذه النظرة المُتّزنة والرؤية الثاقبة من الراحل بن هدوقة، على جانب كبير من الأهمية، من خلال الحرص على إيجاد فسحة للتعايش والسلم بين الجزائريين سوياً، عوض أن تُفرضَ عليهم إيديولوجيات فوقية بالقوّة، هي أشبهُ بالشيء الغريب الذي يدخُل الجسد فيُحدثُ ارتباكا واختلالاً في التحرك والمشي. وفي هذا السياق يقول: «إن المستقبل لا تبنيه القرارات العُلوية، فالقرارات ينبغي لها أن تنبع من حاجات الناس الذين تعنيهم هذه القرارات وتمسهم في العمق».

«الجازية والدراويش»في طبعات مختلفة

تتّسم هذه الرؤية بالعمق والانسجام الفكري والتصالح مع الذات، كما تنطوي على وعي كامل لحجم المخاطر المُحدّقة التي تُحيق بالمجتمع الجزائري، إن هو تعرّض نسيجه الاجتماعي من تقاليد وموروثات إلى التهديد والإلغاء، وردود الأفعال المُصاحبة التي تكون –في الغالب- عنيفةً ودموية في المنطلق والمآل.

لقد قال الناقد الراحل محمود أمين العالم عن الروائي الطاهر وطار بأنه الضمير الأدبي للثورة الجزائرية. وأقول عطفاً على هذه المقولة : بأن عبد الحميد بن هدوقة هو الضمير الحي، والعين الرائية للمجتمع الجزائري، لمرحلة ما بعد الثورة والاستقلال.

 

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …