الخميس، 27 فبراير 2020

فضل اللغة العربية على الفرنسيين في كتاب

لم يدر في خلد الكاتب الفرنسي جان بريفو، الباحث في علم اللسانيات، أن كتابه الصادر حديثا في فرنسا عند دار النشر لاتيس، والذي يحمل عنوان : «أجدادنا العرب» وكعنوان فرعي: «ما تدينه لغتنا لهم» أو «فضلهم على لغتنا»،  سيعرف هذا الزخم الكبير من الاهتمام الواسع في مختلف وسائل الإعلام الفرنسية. هكذا ستتحدّث عنه بإسهاب الصحف والمجلات الفرنسية، وينزل ضيفا على كبرى المحطات الإذاعية والتلفزيونية. أستقبله صاحب أشهر البرامج الأدبية الفرنسية : «المكتبة الكبرى» في القناة الخامسة الفرنسية، أين تحدّث عن كتابه، الذي يحوي أكثر من 400 كلمة عربية تستخدم في اللغة الفرنسية، في مختلف مجالات الحياة. يؤكد جان بريفو، أن ما أورثته اللغة الفرنسية من الثقافة العربية، أكبر بكثير مما ورثته من «أجدادها الغاليين» بتعبير ساركوزي، الرئيس الفرنسي السابق، الذي أثار لغطا من خلال تصريحه الذي يدعو فيه الفرنسيين إلى الاعتزاز بأصولهم وأجداهم الغاليين. وكأن الكاتب يرد عليه بالتعبير نفسه، ولكنه يضع بدل الغاليين : العرب. وفي هذا السياق، يورد مقولة للكاتب والمؤرخ الفرنسي ارنست لافيس (1842-1922) تقول أن الغاليين “أجداد” الفرنسيين، «كانوا في الأساس برابرة وهمجيين. ولولا الحضارتين الرومانية والعربية، التي سقت العصور الوسطى، لتأخرت النهضة كثيرا»، هكذا يستنتج جان بريفو، من خلال أبحاثه العميقة في مجال تخصصه الأكديمي، أن تأثير العرب، من خلال لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم، أكبر بكثير من تأثير الغاليين أو الجرمان.

غلاف الكتاب

فليس غريبا حسب الباحث، أن تحتلّ اللغة العربية المرتبة الثالثة في حجم التأثير، بعد اللغتين الانجليزية والايطالية. ولم يقف الأمر فيما يبدو عند كلمات عربية قديمة أدرجت في قواميس اللغة الفرنسية، ولا تزال مستخدمة في كلام الفرنسيين إلى الآن. هناك قائمة من الكلمات الجديدة استقبلتها اللغة الفرنسية من خلال أغاني «الراب»، وهو النوع الموسيقي الذي يعرف انتشارا واسعا لدى فئة الشباب في الغرب.

رصد الباحث الفرنسي أكثر من 400 مفردة عربية، تستخدم في كلام الفرنسيين، ومدرجة أغلبها في القواميس الفرنسية. كلمات تشمل تقريبا جميع مناحي الحياة. هناك مثلا أسماء معظم أنواع الطعام والشراب لها أصول عربية، وأيضا أسماء الورود والعطور، وكذلك المعادن النفيسة، كما أن العديد من التعبيرات المستعملة في كلام الفرنسيين، من أصول عربية.
على سبيل المثال لا الحصر يذكر : قطن، كيمياء، صفر، قهوة، كحول، ياسمين، قميص، مخزن، سكر، مسك، جبة، رزمة، زعفران، طبيب…الخ

الباحث والاكاديمي الفرنسي جان بريفو

تجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى مساهمة عدد من الكتّاب الفرنسيين والأوروبيين، الذين عاشوا في العالم العربي، والجزائر بوجه التحديد، والذين أثروا اللغة الفرنسية بكلمات عربية، على غرار الكاتبة والرحّالة ايزابيل ايبرهارت (1877-1904) التي عاشت وتوفيت في الجزائر، حيث تميّزت نصوصها أدبيا باستخدام كثيف للمفردات العربية داخل النص المكتوب بالفرنسية، وذلك بكتابتها كما تُنطق، دون أن تجشم نفسها عناء ترجمتها، فاسحة المجال بذلك للقارئ الأوروبي للولوج إلى النص، والتعرّف من سياقه على معاني تلك الكلمات. حيث لا يكاد يخلو نصّ لها من سرد لكلمات باللغة العربية الفصحى أحيانا وبالدارجة الجزائرية في أحيان كثيرة، من بين تلك المفردات على سبيل المثال لا الحصر:  قبّة، برنوس، عمامة، بارود، جلابة، قوربي، بندير، غايطة، شاشية، قربة، مكتوب، طالب، بلاد… الخ.

يبدو أن كتاب «أجدادنا العرب» للكاتب الفرنسي جان بريفو، جاء في وقته المناسب، لدحض مزاعم التيار اليميني الفرنسي – وليس اليمين المتطرف فقط- الذي يحاول من خلال استغلاله استحقاقات سياسية، تمرير أفكاره العنصرية ضد الآخر، وتحميل مسؤولية جميع الإخفاقات الاقتصادية على الأجانب، والاستخفاف بانجازات العرب والمسلمين في إثرائهم الثقافة الفرنسية، ومساهمتهم الفعالة في تطوّرها وازدهارها.

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع