الخميس، 27 فبراير 2020

تقلّبات كلمة.. كيف تحول رئيس الوزراء إلى بوّاب؟!

رشيد فيلالي

خلال تواجد العرب في الأندلس كان رئيس الوزراء يطلق عليه اسم “الحاجب” وبعد مرور قرون من الزمن على ذلك، تحوّلت هذه الكلمة دلاليا لتطلق اليوم على.. البوّاب!

في الحقيقة هناك عدد كبير جدًا من الكلمات التي عرف هذا النّوع من الانقلاب في الدلالة، ويطلق على هذا التحوّل مصطلح الانحطاط الدلالي في مقابل الرقي الدلالي.

ومثل كلمة “الحاجب” نجد الكثير من الألفاظ التي عرفت نفس الطّفرة الدلالية، مثلا كلمة “شنب” كانت تعني في الأصل “بياض الأسنان” بمعنى جمال الثّغر وسحره وجاذبيته، والآن تغيّر الحال وصارت تطلق هذه الكلمة على “الشوارب”.

وكلمة “الأعور” كانت هي الأخرى تُطلق أصلا على الذي يتميّز بالبصر الحادّ وقوّة النّظر، ولذلك سمي الغراب بالأعور لحدّة بصره، واليوم تطلق على من فقد إحدى عينيه، كما كانت تطلق أيضًا على الأحول.

الطريف في الموضوع أن هناك في حديث نبوي شريف استعمال لكلمة “مستهترون”، التي أطلقها الرسول صلّ الله عليه وسلم على المؤمنين، ولو أنك طلبت الآن من أي طالب أن يفسر لك كلمة “مستهتر” بذكر الله مثلا، فإنه يجيبك بدون تفكير بأنه المستهزئ والمستخف بذكر الله! في حين أن الاستهتار على العكس من ذلك، كانت فيما مضى صفة تعني الولوع بالشّيء إلى درجة قد تصل إلى حد الإفراط في الحبّ، وعليه فالمقصود في الحديث الشريف هم المؤمنون المولعون بذكر الله وعبادته والفارق طبعًا كبير وجذري بين المعنيين.

كلمة المستهترون نشير بها إلى المؤمنين

وهناك في المقابل كلمات حدث معها النقيض تمامًا، مثلا كلمة “القماش” كانت تعني “خشاش الأرض” والآن تعني النسيج المعروف، وكلمة الجَمال كانت تطلق على “الشّحم” وحاليًا تطلق على كل ما هو حسن ولطيف وممتع للعين، وكلمة فستان الفرنسية (robe) كانت تطلق على الغنيمة المسروقة واليوم تطلق على اللباس الذي يحمل نفس التسمية، وكلمة الحصان كانت تطلق صفة للفرس بمعنى الحصن ضد كل مكروه واليوم تعني الفرس نفسه، وكلمة مجد كانت تطلق على ما يملأ بطن الدّابة من كلأ، واليوم تطلق الكلمة على كلّ ما يفتخر به من عزّ وعظمة ونجاح.

وعلى غرار ما حدث في اللغة العربية فإن هناك أيضا في اللغات الأجنبية، بما فيها تلك التي عربت وصارت من الكلمات الدخيلة وجزء لا يتجزأ من القاموس العربي، مثلا كلمة “كوكتيل”(cocktail) التي تطلق على خليط من العصير الذي تستعمل فيه عدة فواكه وغيره من أنواع الشّراب الأخرى، كما تطلق حتى على نوع من القنابل اليدوية التقليدية، ومن الغريب العجيب أن هذه الكلمة هي في الأصل منحوتة من كلمتين إنجليزيتين، تعنيان معا ذيل الديك (cock) و(Tail) وليس بين المعنى الرّاهن وأصل الكلمة أي رابط منطقي.

والحقيقة أن تحوّل هذه الكلمة الدّلالي في الأصل وقع عندما أطلقت أول مرة على الحصان غير الأصيل أي الهجين، الذي كانوا في القدم يقصون جزءا من ذيله، لكي يصبح شبيها في تقوسه بذيل الديك، وقد انتقل  مدلول عدم “أصالة” الحصان الذي تطبق عليه هذه العملية التجميلية، إن جاز التعبير، إلى نوع الشراب “غير الأصيل” الذي هو خليط من عدة فواكه، حيث يتم إعداده للحصول على نوع جديد من الشراب مختلف المذاق.. فتأمّل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …