الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

صالح القرمادي: كاتبٌ خارج الأقفاص

في غفلة من ليل العرب الدامس، وفي غمرة اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية، انطفأت شعلة المترجم القدير صالح القرمادي عام 1982، دون أن يُحدث- موته المأساوي- أي ردَّ فعل يُذكَر! خاصة وأنّ الأمر يتعلق بقامة سامقة في عالم الترجمة واللسانيات والدراسات اللغوية، والتي شغلت حيّزًا مُهمًا من حياة الرجل، الذي نذر عمره لتدريس علم اللسانيات بكلية الآداب بتونس، على مدار أكثر من 20 عاما، قضاها في البحث والتنقيب والترجمة.

صالح قرمادي

هكذا مات صالح القرمادي بشكل عبثي؟ يدعو إلى الاستغراب والدهشة!  تصوّروا أنه سقط في بئر، وهو يتجوّل بإحدى المُنتزَهات الجبلية التونسية؟! مَوت شبيه بمصير عالم اللسانيات رولان بارت – شقيقه على الأقل في الهَم والحفر والتفكير- الذي قَضَى هو الآخر في حادث سير مأساوي، عام 1980.

تُرى مَاذا لو امتدّ العُمر بصالح القرمادي أشواطًا أخرى، واستطالت به دورة الحياة؟! أمَا كَان بالإمكان أن يُثري المكتبة العربية بالعديد من الانجازات المهمة في حقل اللسانيات والترجمة؟ غير أن المصادفات –وحدها- لا تعرف المنطق كما يُقال، وأنّ نهر الحياة الهادر، كثيرا ماَ تعصفُ به الأقدار العابثة؟! لقد غاب عنا الرجل جسدا، لكن طيفه لايزال حاضرًا، بقوّة توهّجه، وعطائه المُستمر، في ذاكرة أصدقائه ومُريديه، من طلبة تتلمذوا على يديه وأخذوا منه الكثير، من دماثة السلوك و نُبل الأخلاق وجسارة التفكير في وجه الخصوم والأصدقاء على حد سواء، مثقف مُفعمٌ بالتفكير وإثارة الأسئلة والإشكاليات الحادّة، فيما يخُصّ وضعنا الثقافي واللغوي المُنتكَس.

استطاع القرمادي المولود عام 1933، أن ينجوَ بأعجوبة من براثن الفقر والاحتياج، وسط عائلة عاشت العوز والحرمان، كأغلبية الأسر التونسية في تلك الفترة الاستعمارية الحرجة. وبإرادة حديدية، استطاع أن يواصلَ تعليمه بفرنسا، وأن يحُوزَ الدكتواره بجامعة السوربون في اللسانيات والدراسات اللغوية، الأمرُ الذي فتح عينيه وعقلَه باكرًا، على الوضع الاجتماعي والإبداعي واللغوي المُتخلف لثقافتنا العربية، إن هي ظلت مُلتصقةً بالموروثات الواهية، والثوابت الهشة، التي ظلت تُعيق مسيرة الإبداع العربي نحو آفاق التطوّر والتقدم.

من ترجمات صالح القرمادي

ومن هنا جاءت ترجمته لكتاب جان كانتينو الموسوم بـ «دروس في علم أصوات العربية» وقد صدر في تونس عام 1966، على هذا النحو يُعدّ القرمادي رائدا في مجال ادماج علم اللسانيات في عالمنا العربي، في وقت شهد انحسارا وشُحّاً في مجال الدراسات التي تناولت المسألة اللغوية وعلم الأصوات، بمنهج أكاديمي مُتمرّس، وبنظرة موضوعية فاحصة، بعيدا عن تضخم الذات، والارتكان إلى سلطة الحفاظ على الموروث، دون امتلاك الجرأة على الخلخلة والنقد.

لقد تساوق عمل القرمادي الأكاديمي، مع نشاطه ونضاله في صفوف اليسار التونسي -دون أن ينتسب إلى حزب مُعيّن- من خلال إنشائه مجلة «التجديد»، رفقة صديقيه توفيق بكار والمُنجي الشملي، بحيث ظهر أوّل عدد لها في فيفري عام 1961، كانت شعلة متوهجة من الروح الوثَّابة نحو التغيير، ونقد الذهنيات البالية، اتسمت كتابات القرمادي في تلك المرحلة، بالجرأة وعدم المهادنة، والتخلي عن مبدأ الحرية، الذي اتخذه أرضية للانطلاق.

فلا غَروَ أن يأتي أول ديوان شعري له عام 1970 «اللُّحمَة الحيَّة» مُكرّساً لهذه النزعة الاقتحامية التي لاَ تأبَهُ بالحواجز والمُثبطات، ضمّ الديوان مجموعة من الاشعار بالعربية والفرنسية من توطئة للناقد توفيق بكار، الذي أشاد بالنبرة الحادة التي تنطوي عليه قصائد المجموعة الشبيهة بالأنصال المسنونة المُنغرزة في أجساد معطوبة لا تعرف الحَراك، ثمة تداخل واستيعاب ذكي بين مُستوى اللغات – العربية والفرنسية والمحكيات العامية التونسية، في توليفة إبداعية نادرة، قلَمَا نعثرُ عليها الآن في قصائد الأجيال اللاحقة. ثمة قصيدة تشبه الوصية الأخيرة لموت صالح القرمادي كتبها في الستينيات مع بداية مساره الشعري موسومة بنصائح إلى أهلي بعد موتي.. وفيها اختزال لفلسفته ونظرته للوجود وما يكتنفها من حيرة وتذمر، يقول فيها:

إذا متُ مرة بينكم/ وهل أموت أبداً/ فلا تقرؤوا علي الفاتحة وياسين/ اتركوهما لمَن يرتزق بهما/ لا تذروا على قبري حبوب التين المُجففة/ لتأكلها طيورالسماء/ فالأحياء بها أولى…

كتاب اللبنانية جمانة حداد

ماَ يُستغربُ له –حقا- أن الشاعرة والإعلامية اللبنانية جمانة حداد قد أدرجت نفس القصيدة، في عدَاد مَا كتبته الشاعرة الجزائرية الراحلة صافية كتو، كوصية أخيرة لها قبل رحيلها التراجيدي عام 1989، ونشرته في كتابها الموسوعي عن الشعراء المنتحرين في العالم، الذي حمل عنوان «سيجئ الموت وستكون له عيناك»، وقد صدر الكتاب في طبعة أولى عام 2007 عن الدار العربية للعلوم ببيروت، ولسناَ ندري عن انفلاتها هذا.. هل هو عدم التمحيص والتدقيق للمصادر والمعلومات، أم أّنه التسرع وكفى، خاصة وأن الأمر يتعلق بشاعرة معروفة وبمترجم ملء الأسماع !

نشيرُ في إلى الجهود التي قام بها صالح القرمادي لترجمة بعض روائع الأدب الجزائري إلى العربية، كرواية «سأهبك غزالة» للشاعر والروائي مالك حداد، كما تصدّى باقتدار لترجمة «التطليق» لرشيد بوجدرة، أَباَن من خلالها عن مقدرة فائقة لتطويع النص بالعربية، مع الحفاظ قدر الإمكان على أجواء بوجدرة، ذات المُناخات النفسية المُركبة.

في الأخير أضمّ صوتي إلى صرخة الكاتبة رجاء بن سلامة، التي قالت في معرض حديثها عن خصال الكاتب في مناسبة خاصة لإحياء ذكراه : «ينبغي أن نسارع جميعا إلى إنقاذ ميراث صالح القرمادي، قبل أن يتحوّل إلى مجرد صنم، سرعان ما تبدده رياح النكران والنسيان».

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رواية التفكّك لبوجدرة.. هل كتبها بالعربيّة حقا؟

بعد مرور 36 سنة على صدور أوّل رواية بالعربية للروائي الجزائري الكبير رشيد بوجدرة؛ لا …

ياسمينة خضرا يفضّل سيدي بلعباس

صنع الروائي الجزائري ياسمينة خضرا، أو محمد مولسهول (1955-) وهو اسمه الحقيقي، الحدث في مدينة …